2012/05/17 ميلادية
الخميس 26/6/1433 هجرية    
دين الاسلام نبي الإسلام ثلاثة اختبارات للأمة..حادثة الإفك
lang_03 lang_05  lang_07  lang_09

. . .



ثلاثة اختبارات للأمة..حادثة الإفك طباعة إرسال إلى صديق
نبي الإسلام
الكاتب متعب الحارثي   
الأربعاء, 22 سبتمبر 2010 22:58
Share

Share

الحمد لله الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، والصلاة والسلام على من حث على سؤال الله الهداية والسداد؛ فقال لعليّ رضي الله عنه فيما صح عند مسلم : ( قُلْ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي وَسَدِّدْنِي )، صلى الله عليه وسلم استعاذ بالله من الضلال؛ فقال فيما صح عند مسلم: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي ).وارض اللهم عن آل بيته وصحابته أجمعين .

 

ثلاثة امتحانات تعرض لها المسلمون زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي باقية إلى قيام الساعة ؛ قدرها الله ليختبر صدق إيمان الناس ، وقد خلد ذكرها في القرآن الكريم ؛ فسنة الابتلاء سنة إلهية يمتحن الله فيها المؤمنين. قال الله تعالى في سورة العنكبوت : {الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)}..

جاء في "التفسير الميسر" في تفسير هذه الآيات: هل أظَنَّ الناس إذ قالوا: آمنا، أن الله يتركهم بلا ابتلاء ولا اختبار؟ ولقد فتنَّا الذين من قبلهم من الأمم واختبرناهم، ممن أرسلنا إليهم رسلنا، فليعلمنَّ الله علمًا ظاهرًا للخلق صدق الصادقين في إيمانهم، وكذب الكاذبين؛ ليميز كلَّ فريق من الآخر.

أما الثلاثة الاختبارات التي سنلقي عليها الضوء:

 

فأولها: حادثة الإسراء والمعراج.

 

 

وثانيها : تحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.

 

 

وثالثها : حادثة الإفك ( وهي اتهام أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في عفتها).

 

وفي هذا المقال سنتناول الاختبار الثالث: حادثة الإفك  في غزوة بني المصطلق ( المريسيع )([1]):

 

لقد كانت قصة الإفك حدثاً عظيماً في الإسلام ؛ ذلك لأنها تتعلق ببيت النبوة الطاهر؛ فكانت كما يقول ابن القيم رحمه الله :امتحاناً وابتلاء لرسوله e، ولجميع الأمة إلى يوم القيامة؛ ليرفع بهذه القصة أقواماً ويضع بها آخرين، ويزيد الله الذين اهتدوا هدى وإيماناً ولا يزيد الظالمين إلاّ خساراً([2]). وقد وقع ذكرها في القرآن بأسلوب مميز وفريد ؛ يقول الزمخشري:لم يقع في القرآن من التغليظ في معصية ما وقع في قصة الإفك بأوجز عبارة وأشبعها؛ لاشتماله على الوعيد الشديد، والعتاب البليغ، والزجر العنيف ، واستعظام القول في ذلك واستشناعه بطرق مختلفة، وأساليب متقنة ،كل واحد منها كاف في بابه، بل ما وقع منها من وعيد عبدة الأوثان إلا بما هو دون ذلك؛ وما ذلك إلا لإظهار علو منزلة رسول الله صلى الله عليه و سلم، وتطهير من هو منه بسبيل([3]).

 

ولحساسية هذا الموضوع وخطورته نترك رواية أحداث القصة للصديقة بنت الصديق ، أمنا عائشة رضي الله عنها –كما في الصحيحين- حيث قالت :

"  كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه ، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه . قالت عائشة : فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي ، فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما نزل الحجاب فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه . فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة قافلين آذن ليلة بالرحيل ، فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش ، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي ، فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع ، فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه . وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي ، فرحلوه على بعيري الذي كنت ركبت وهم يحسبون أني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلهن اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه ، وكنت جارية حديثة السن ، فبعثوا الجمل وساروا ، فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فأممت منزلي الذي كنت به وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي فبينا أنا جالسة في منزل غلبتني عيني فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش فأدلج ، فأصبح عند منزلي ، فرأى سواد إنسان نائم ، فأتاني فعرفني حين رآني ، وكان يراني قبل الحجاب ، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني ، فخمرت وجهي بجلبابي ، والله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه ، حتى أناخ راحلته فوطئ : على يديها فركبتها ، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة ، فهلك من هلك ، وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي بن سلول ، فقدمنا المدينة ، فاشتكيت حين قدمت شهرا ، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ، ولا أشعر بشيء من ذلك ، وهو يريني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي ، إنما يدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم ثم يقول : كيف تيكم ، ثم ينصرف ، فذاك الذي يريبني ولا أشعر بالشر ، حتى خرجت بعد ما نقهت ، فخرجت معي أم مسطح قبل المناصع ، وهو متبرزنا وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل ، وذلك قبل أن تتخذ الكنف قريبا من بيوتنا ، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط ، فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا . فانطلقت أنا وأم مسطح – وهي ابنة أبي رهم بن عبد مناف ، وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق ، وابنها مسطح بن أثاثة – فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي وقد فرغنا من شأننا ، فعثرت أم مسطح في مرطها ، فقالت : تعس مسطح . فقلت لها : بئس ما قلت ، أتسبين رجلا شهد بدرا ؟ قالت أي هنتاه أولم تسمعي ما قال ؟ قالت قلت : وما قال ؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك ، فازددت مرضا على مرضي . فلما رجعت إلى بيتي ودخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم تعني سلم ثم قال : كيف تيكم ؟ فقلت : أتأذن لي أن آتي أبوي قالت : وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما قالت : فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجئت أبوي ، فقلت لأمي : يا أمتاه ما يتحدث الناس ؟ قالت : يا بنية هوني عليك ، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها . قالت فقلت : سبحان الله ، أو لقد تحدث الناس بهذا ؟ قالت : فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ، ولا أكتحل بنوم حتى أصبحت أبكي . فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد رضي الله عنهما حين استلبث الوحي يستأمرهما في فراق أهله . قالت : فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله ، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود فقال : يا رسول الله ، أهلك ، وما نعلم إلا خيرا . وأما علي بن أبي طالب فقال : يا رسول الله ، لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير ، وإن تسأل الجارية تصدقك . قالت فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة ، فقال أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك ؟ قالت بريرة : لا والذي بعثك بالحق ، إن رأيت عليها أمرا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر يومئذ من عبد الله بن أبي بن سلول ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر : "يا معشر المسلمين ، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي ؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا ، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي" فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال : يا رسول الله وأنا أعذرك منه ، إن كان من الأوس ضربت عنقه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك . قالت : فقام سعد بن عبادة – وهو سيد الخزرج ، وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية – فقال لسعد : كذبت لعمر الله ، لا تقتله ولا تقدر على قتله . فقام أسيد بن حضير – وهو ابن عم سعد بن معاذ – فقال لسعد بن عبادة : كذبت لعمر الله لنقتلنه ، فإنك منافق تجادل عن المنافقين . فتساور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر ، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت . قالت : فمكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم . قالت فأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويوما لا أكتحل بنوم لا يرقأ لي دمع يظنان أن البكاء فالق كبدي . قالت : فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها ، فجلست تبكي معي ، قالت : فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس ، قالت ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها ، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني قالت : فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال : أما بعد ، يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا ، فإن كنت بريئة فسيبرؤك الله ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه ، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه . قالت : فلما قضى رسول الله مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة ، فقلت لأبي أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال . قال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فقلت لأمي : أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم . قالت فقلت – وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن - : إني والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به ، فلئن قلت لكم إني بريئة – والله يعلم أني بريئة – لا تصدقونني بذلك ، ولئن اعترفت لكم بأمر – والله يعلم أني منه بريئة – لتصدقني . والله ما أجد لكم مثلا إلا قول أبي يوسف ، قال { فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون } قالت : ثم تحولت فاضجعت على فراشي قالت وأنا حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله مبرئي ببراءتي ، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرؤني الله بها . قالت : فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه ، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء ، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق وهو في يوم شات من ثقل القول الذي ينزل عليه . قالت : فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سري عنه وهو يضحك ، فكانت أول كلمة تكلم بها : يا عائشة ، أما الله عز وجل فقد برأك . فقالت أمي : قومي إليه قالت فقلت : والله لا أقوم إليه ، ولا أحمد إلا الله عز وجل . وأنزل الله { إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه } العشر الآيات كلها "([4]) .

 

لقد استغل المنافقون هذه الحادثة ونسجوا حولها قصة الإفك، واغتم الرسول e بهذه الإشاعة، وكادت تحدث فتنة بين الأوس والخزرج نتيجتها ..وعندما تتأمل في موقف سعد بن معاذ وأسيد رضي الله عنهما  من حادثة الإفك التي حدثت في غزوة بني المصطلق، تجد فيه الغيرة الواضحة والشديدة على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها .. حتى سعد بن عبادة t كان يمتلك الغيرة كذلك؛ وإليك هذه الرواية([5]) التي تبين سبب ذلك النزاع؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: فقال سعد بن عبادة:" كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله؛ ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل"([6])وهذا محل الشاهد.

 

لقد تألم سعد بن معاذ وتأثر من ألم الرسول  في هذه الفرية على أهله رضوان الله عليهم ؛ فقال ما قال .. وشعر سعد بن عبادة أن في مقالته إغفال لقيادته وعبدالله بن أُبي من قبيلته الخزرج؛ فقال مقالته؛ فأثارت أسيد بن حضير ابن عم سعد بن معاذ؛ فقال مقالته.. وكانت هذه الكلمة القوية سبباً في إثارة الحيين الأوس والخزرج؛ فكادت تكون فتنه تقر أعين الحاقدين على الإسلام لولا أن الله سلم. فقد كان النبي e حكيماً في معالجته للموقف. وكان في ذلك انتصارا للمسلمين وانكسارا لأعداء الله من المنافقين والمشركين([7]).

 

لقد تميز حديث المؤمنين عن حديث المنافقين في حادثة الإفك؛ قالت امرأة أبي أيوب لأبي أيوب رضي الله عنهما: أما سمعت ما يتحدث الناس به؟ فحدثته بقول أهل الإفك؛ فقال: سبحانك ما يكون لنا أن نتكلم بهذا، سبحانك هذا بهتان عظيم، قالت: فأنزل الله عز وجل{ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ( ([8]) .وروى البخاري: أن رجلاً من الأنصار عندما سمع هذه الفرية قال: سبحانك ما يكون لنا أن نتكلم بهذا؛ سبحانك هذا بهتان عظيم([9]). وقال ابن حجر: وقع عند ابن إسحاق أنه أبو أيوب الأنصاري t وأخرجه الحاكم([10]) ، وهذه الأحاديث المتعاضدة تبرز موقف أبي أيوب الأنصاري وزوجه رضي الله عنهما من حادثة الإفك، وهو موقف عظيم؛ لأن بعض الناس وقعوا في شرك هذه الدسيسة والفرية الذميمة، وأخذوا يشيعونها دون وعي لأبعادها السيئة. وأقام عليهم رسول الله  حد القذف بعد نزول الآيات ببراءة أمنا عائشة رضي الله عنها. أما أبو أيوب وزوجه رضي الله عنهما  فقد نفياها واعتبراها بهتاناً عظيماً، وأوضحا أن أقل رتبة في الورع والاستقامة لا يقع في مثل هذه السفاسف. فكيف بأم المؤمنين وزوج سيد الخلق أجمعين رضي الله عنها. فرضي الله عن أبي أيوب وزوجه وأرضاهما. فلقد علمانا درساً مهماً في التثبت من الأخبار وعدم الاستعجال في الحكم، والورع مع المؤمنين. ولقد أنصفتهما عائشة رضي الله عنها، فنوهت بموقفهما النزيه الشريف من الفرية([11]) .

 

قال ابن القيم رحمه الله : وعرف- أي المؤمن - من كرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ربه، ومنزلته عنده ودفاعه عنه، أنه لا يجعل ربة بيته وحبيبته من النساء وبنت صديقه بالمنزلة التي أنزلها به أرباب الإفك، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم على ربه وأعز عليه من أن يجعل تحته امرأة بغيا، وعلم أن الصديقة حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم على ربه من أن يبتليها بالفاحشة وهي تحت رسوله، ومن قويت معرفته لله، ومعرفته لرسوله وقدره عند الله في قلبه قال كما قال أبو أيوب وغيره من سادات الصحابة لما سمعوا ذلك : { سبحانك هذا بهتان عظيم } ( النور : 16 ) .

 

وتأمل ما في تسبيحهم لله وتنزيههم له في هذا المقام من المعرفة به، وتنزيهه عما لا يليق به أن يجعل لرسوله وخليله وأكرم الخلق عليه امرأة خبيثة بغيا؛ فمن ظن به سبحانه هذا الظن فقد ظن به ظن السوء، وعرف أهل المعرفة بالله ورسوله أن المرأة الخبيثة لا تليق إلا بمثلها كما قال تعالى : { الخبيثات للخبيثين } ( النور : 26 ) فقطعوا قطعا لا يشكون فيه أن هذا بهتان عظيم وفرية ظاهرة.

فإن قيل : فما بال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توقف في أمرها وسأل عنها واستشار. وهو أعرف بالله وبمنزلته عنده وبما يليق به, وهلا قال : سبحانك هذا بهتان عظيم كما قاله فضلاء الصحابة ؟

فالجواب : أن هذا من تمام الحكم الباهرة التي جعل الله هذه القصة سبباً لها، وامتحاناً وابتلاء لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ولجميع الأمة إلى يوم القيامة؛ ليرفع بهذه القصة أقواماً, ويضع بها آخرين, ويزيد الله الذين اهتدوا هدى وإيماناً, ولا يزيد الظالمين إلا خسارا.

 

واقتضى تمام الامتحان والابتلاء أن حبس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الوحي شهراً في شأنها ولا يوحى إليه في ذلك شيء؛ لتتم حكمته التي قدرها وقضاها وتظهر على أكمل الوجوه, ويزداد المؤمنون الصادقون إيماناً وثباتاً على العدل والصدق، وحسن الظن بالله ورسوله وأهل بيته والصديقين من عباده, ويزداد المنافقون إفكاً ونفاقاً, ويظهر لرسوله وللمؤمنين سرائرهم, ولتتم العبودية المرادة من الصديقة وأبويها, وتتم نعمة الله عليهم ولتشتد الفاقة والرغبة منها ومن أبويها والافتقار إلى الله, والذل له, وحسن الظن به, والرجا له, ولينقطع رجاؤها من المخلوقين, وتيأس من حصول النصرة والفرج على يد أحد من الخلق, ولهذا وفَّت هذا المقام حقه, لما قال لها أبواها : قومي وقد أنزل الله عليه براءتها, فقالت : والله لا أقوم ولا أحمد إلا الله هو الذي أنزل براءتي.

 

وأيضاً فكان من حكمة حبس الوحي شهراً أن القضية مُحصت وتمحصت, واستشرفت قلوب المؤمنين أعظم استشراف إلى ما يوحيه الله إلى رسوله فيها, وتطلعت إلى ذلك غاية التطلع, فوافى الوحي أحوج ما كان إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهل بيته والصديق وأهله وأصحابه والمؤمنون, فورد عليهم ورود الغيث على الأرض أحوج ما كانت إليه, فوقع منهم أعظم موقع وألطفه, وسُرّوا به أتم السرور, وحصل لهم به غاية الهناء, فلو أطلع الله رسوله على حقيقة الحال من أول وهلة, وأنزل الوحي على الفور بذلك لفاتت هذه الحكم وأضعافها, بل أضعاف أضعافها.

 

وأيضاً فإن الله - سبحانه وتعالى - أحب أن يُظهر منزلة رسوله وأهل بيته عنده وكرامتهم عليه, وأن يخرج رسوله عن هذه القضية ويتولى هو بنفسه الدفاع والمنافحة عنه والرد على أعدائه وذمهم وعيبهم بأمر لا يكون له فيه عمل, ولا ينسب إليه بل لا يكون له فيه عمل, ولا يُنسب إليه بل يكون هو وحدهُ المتولي لذلك الدفاع, الثائر لرسوله وأهل بيته.

 

ولما جاء الوحي ببراءتها أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن صرح بالإفك فحدوا ثمانين ،  ولم يحد الخبيث عبد الله بن أبي مع أنه رأس أهل الإفك؛ فقيل : لأن الحدود تطهير لهم وتكفير، وترك ابن أبي فهو ليس من أهل ذاك ([12]).

 

ومن الفوائد والفوائد جمة في تقدير الله حصول حادثة الإفك لبيت النبوة؛ حتى يتأسى أي مسلم يتم قذفه ببهتان برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكذلك أي مسلمة تصيبها تهمة في عرضها وهي منها بريئة؛ فإن لها سلوى فيما حصل لعائشة رضي الله علينها؛ فما أحكم الله يوم أن قدر هذه الأقدار لخير البيوت بيت النبوة .

 

ونختم بذكر صفتين لأمنا عائشة رضي الله عنها :

 

الأولى :ما ذكره ابن القيم رحمه الله في كتابه (جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام صلى الله عليه وسلم) عندما جاء إلى ذكر الآل ترجم لأمهات المؤمنين؛ لأنهن داخلات تحت الآل حين يقال: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد). فترجم لكل واحدة من أمهات المؤمنين ترجمة وأتى بشيء من فضائلها، ولما جاء عند عائشة رضي الله عنها وأرضاها ذكر تواضعها، وأن الله عز وجل أنزل فيها ما أنزل وكانت تقول: كنت أتمنى أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه رؤيا يبرؤني الله بها، ولشأني في نفسي أحقر من أن ينزل الله فيّ آيات تتلى([13]).

 

أما الصفة الثانية : فهي الورع في شدة الخوف على نفسها؛ يبين ذلك ما رواه البخاري:  استأذن ابن عباس ، قبل موتها ، على عائشة ، وهي مغلوبة ، قالت : أخشى أن يثني علي ! فقيل : ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن وجوه المسلمين ؟ قالت : ائذنوا له ، فقال كيف تجدينك ؟ قالت : بخير إن اتقيت ، قال : فأنت بخير إن شاء الله ، زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم ينكح بكرا غيرك ، ونزل عذرك من السماء . ودخل ابن الزبير خلافه ، فقالت : "دخل ابن عباس ، فأثنى علي ، وودت أني كنت نسيا منسيا" ([14]).

 

ثم لنتأمل في الآيات الكريمة من سورة النور ، والتي نزلت ببراءة عائشة الصديقة الطاهرة؛ وبراءة بيت النبوة الطيب الرفيع؛ وكشفت المنافقين الذين حاكوا هذا الإفك ، ورسمت الطريق المستقيم للمسلمين في مواجهة مثل هذا الشأن العظيم :

 

قال الله تعالى في سورة النور:

 

{ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (20) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21) وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22) إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25) الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26) }.

 

اللهم ارض عن أمنا عائشة ، وعن سائر آل بيت نبيك الطاهرين، وارض عن سائر أصحاب نبيك الطيبين، واجعلنا ممن أحبهم واقتفى آثارهم، واحشرنا في زمرتهم يا أرحم الراحمين.

    • إعداد: متعب الحارثي.

       



      ([1])  بني المصطلق من خزاعة، وهي غزوة المريسيع، والمريسيع بضم الميم وفتح الراء هو ماء لبني خزاعة، فتح الباري بشرح صحيح البخاري (1/432)، وتقع منازل خزاعة بمكة وما حولها، ومن منازلهم مر الظهران، وعُسفان، وخليص، وقديد، والجحفة، والأبواء، أنظرمرويات غزوة بني المصطلق، إبراهيم قريبي صـ53،  وكانت في شعبان سنة خمس قبل غزوة الأحزاب، رجح ذلك صاحب مرويات غزوة بني المصطلق، إبراهيم قريبي صـ89-

      ([2])  زاد المعاد ( 3/261 ).

      ([3])  انظر فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني 8/477.

      ([4])  رواه البخاري ، كتاب المغازي، باب حديث الإفك ، ورواه مسلم، كتاب التوبة، باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف (ح/2770 )

      ([5])  مرويات غزوة بني المصطلق، إبراهيم قريبي صـ277 .

      ([6])  البخاري، كتاب المغازي، باب حديث الإفك (ح/3910).

      ([7])  مرويات غزوة بني المصطلق، إبراهيم قريبي صـ89-100

      ([8])  الطبراني  المعجم الكبير ( 23/76 ) ، وقال مهدي رزق الله : رواه الواحدي بسند متصل إلى عائشة في أسباب النزول صـ218 .انظر السيرة النبوية  مهدي  صـ438. والآية رقم 16 من سورة النور.

      ([9])  البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب، باب قول الله تعالى: {وأمرهم شورى بينهم ..} ( ح/6936 ).

      ([10])  فتح الباري بشرح صحيح البخاري  ( 13 / 344 ) .

      ([11])  مرويات غزوة بني المصطلق، إبراهيم قريبي ص276.

      ([12])  زاد المعاد ( 3/261 ).

      ([13])  شرح سنن أبي داود لفضيلة الشيخ عبدالمحسن العباد.

      ([14])  رواه البخاري ، كتاب التفسير ، باب قوله تعالى : { ولولا إذ سمعتموه قلتم..}.وانظر شرح الحديث في فتح الباري لابن حجر .


      آخر تحديث: الأربعاء, 29 سبتمبر 2010 16:39
       
      لافتة إعلانية
      لافتة إعلانية
      لافتة إعلانية


      حب الإسلام يجمعنا
      JoomlaWatch Stats 1.2.9 by Matej Koval