ميزان الحق وميزان الخلق
لقد اختلت الموازين في هذا الزمان فرجحت كفة الوضيع فأصبح شريفاً !وعلا قدر أهل الفسق والفجور والترف في ميزان الخلق !
وحط من قدر أهل العلم والتقوى !
فوصموا بالرجعية والأصولية والتشدد في الدين!
وأصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً ، والكذب دبلوماسية والزنا والخلوة والاختلاط والتبرج حرية شخصية ،والغناء والمسلسلات فناً ونجومية وتسلية وتمضية للأوقات ..
والخمر والمسكرات مشروبات روحية ،وأصبح الربا فوائداً وقوة اقتصادية إلى غير ذلك مما هو في ميزان الخلق رفيع وفي ميزان الحق وضيع .
وإن المتأمل في حال رسول الله صلى الله عليه وسام وصحابته رضي الله عنهم والسلف الصالح من بعدهم ليعلم أن
التقوى هي ميزانهم الذي به يعرف الرجال .
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن رجل أوامرأة سوداء كانت تقم المسجد ؟[ أي تقوم بنظافته ] فقال الصحابة رضي الله عنهم : مات .قال "
أفلا كنتم آذنتموني به ،دلوني على قبره أو قال قبرها ". فأتى قبره فصلى عليه ..
إنها صورة حية يتجلى فيها عظم جانب التقوى في ميزان المرء..
ويمر رجل بالنبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام يوماً وهم جلوس فقال صلوات الله وسلامه عليه: "
ما تقولون في هذا ؟" قالوا : حريٌ به إن خطب أن ينكح وإن شفع أن يشفع وإن قال أن يسمع ، ثم سكت. فمر رجل من فقراء المسلمين فقال :" ما تقولون في هذا "? قالوا : حريٌ إن خطب ألا ينكح , وإن شفع ألا يشفع وإن قال ألا يسمع .فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"
هذا خير من ملء الأرض وما فيها " .
الله أكبر أين هذا الميزان من فقراء ومساكين مدفوعون بالأبواب ومحتقرون بالألفاظ؟
وأين هو من إدارات ومؤسسات إذا دخلها ذو المال والجاه والسلطان تسارع إليه موظفوها كل يريد خدمته وقضاء حاجته ؟!
إذا كان الداخل كبيراً في سنه فقيراً في حاله لا يملك من حطام الدنيا شيئا اشمأزت منه النفوس وازدرته النظرات وقيل له : غداً بعد غد ... والله المستعان .
فكيف لو علم هؤلاء بأمر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عندما صعد الشجرة يأتي النبي صلى الله عليه وسلم منها بشيء فنظر بعض الصحابة إلى ساق عبد الله فضحكوا من حموشة ساقيه -أي من دقتها -فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "
مما تضحكون؟ لرجل عبد الله أثقل في الميزان يوم القيامة من أحد " أ.ه
....ولذا جاء في رواية أخرى "
ربّ أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره "
ومن عجب أن يكون فخر الناس وعلو شأنهم عند غيرهم هو النسب أو اللون أو الجنس أو جغرافية الأرض أو نحوها مما انقلبت به الموازين رأساً على عقب فأصبحت ثارات الجاهلية ونعراتها هي التفاضل والافتخار بين البشر .
وهاك أخي وأنت حكم هذه الصورة المثالية الرائعة وضعها بجوار ما أذكر وانظر بعدها إلى القمة السامقة والوادي السحيق .
فعن أنس رضي الله عنه قال : افتخر الحيان من الأنصار – رضي الله عنهم- فقالت الأوس :منا غسيل الملائكة حنظلة بن الراهب , ومنا من اهتز له العرش سعد [ أي بن معاذ ] ومنا من حمته الدَّبر [ أي النحل والزنابير ] عاصم بن أبي الأقلح , ومنا من أجيزت شهادته بشهادتين خزيمة بن ثابت .
فيا ليت شعري !أين هذا الفخر من أناس فخرهم فريق كذا أو كذا ؟!
أو من يقول منا فلان وفلان وقد يكون مطرباً أو ممثلاً أو لاعباً .
أولئك آبائي فجئني بمثهلم =إذا اجتمعنا يا جرير المجامع .
أبي الإسلام لا أبا لي سواه = إذا افتخروا بقيس أو تميم
1 2 |
أولئك آبائي فجئنـي بمثهلـم إذا اجتمعنا يا جرير المجامع . أبي الإسلام لا أبا لي سـواه إذا افتخروا بقيـس أو تميـم |
ولكم يسوء المرء المسلم رؤيته وسماعه لتعاظم وتكابر بعض الناس على العمال المستقدمين ،وأصحاب البشرة السوداء !!
وما علموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد اختار بلالاً الحبشي من بين سائر المسلمين وفيهم أشراف قريش ونبلاؤها ليصعد على الكعبة المشرفة الطاهرة المطيبة ليصعد بالتكبير الإلهي مدويا في جنبات مكة وبقاعها .
وكان هذا العمل إقامة منه صلى الله عليه وسلم لميزان الحق دون الخلق بعيدا عن اللون والجنس والنسب وغيرها .
وفي كتاب جليل اسمه[ من روائع حضارتنا ] للدكتور مصطفى السباعي رحمه الله ذكر في طياته :
أنه لما توغل المسلمون في مصر فاتحين وقفوا أمام حصن بابليون , فرغب المقوقس في المفاوضة مع المسلمين فأرسل إليهم وفداً ليعلم ما يريدون، ثم طلب منهم أن يرسلوا إليه وفداً , فأرسل إليه عمر ابن العاص عشرة نفر فيهم عبادة بن الصامت رضي الله عنهم جميعا ،وكان عبادة أسود شديد السواد طويلا حتى قالوا إن طوله عشرة أشبار ،وأمره عمرو أن يكون هو الذي يتولى الكلام ،
فلما وصلوا إلى المقوقس هابه لسواده ،وقال لهم نحو عني هذا الأسود وقدموا غيره يكلمني ،فقال رجال الوفد : إن هذا الأسود أفضلنا رأيا وعلما ،وهو خيرنا والمقدم علينا ،وإنما نرجع جميعا إلى قوله ورأيه ،وقد أمره الأمير دوننا بما أمره ..
فقال لهم : وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم ،وإنما ينبغي أن يكون هو دونكم ؟
قالوا: كلا ،وإن كان أسود كما ترى فإنه من أفضلنا سابقة وعقلا ورأيا , وليس ينكر السواد فينا .
فقال المقوقس لعبادة : تقدم يا أسود وكلمني برفق فإني أهاب سوادك , وإن اشتد كلامك علي ازددت لك هيبة !
فقال عبادة وقد رأى فزع المقوقس من السواد : إن في جيشنا ألف أسود هم أشد سواداً مني .
أيها الإخوة الأكارم قال صلى الله عليه وسلم: "
إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " .
هذه نافذة مشرقة من نوافذ الإسلام تعلمون قدرها عندما تنظرون من نافذة الغرب إلى مأساة اضطهاد الزنوج والملونين حيث عزلوا عن المجتمع هناك مدارساً ووظائفاً، وقطارات ورحلات ومصانعاً وغيرها !!
حتى وصل بهم الأمر أن يكتبوا لافتات على بعض مطاعمهم عليها عبارة [ ممنوع دخول الكلاب والسواد] وهم دعاة الحرية والمساواة والإخاء وما التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا بين البيض والسود وأحداث لوس انجلوس عن المؤمن اللبيب ببعيد ..
ولذا أخي الكريم ..تصور أن رجلاً قدم عليك وهو ضئيل الجسم صغير الرأس متراكب الأسنان مائل الذّقن ناتئ الوجنة منخسف العين خفيف العارضين أحنف الرجلين [ أي تعتل كل رجل على صاحبتها ] ممزق الثياب فقير الحال .. فلا أظنك إلاّ تشاركني الرأي أنه قليل من الناس من لو سأله مثل هذا لما أعطاه ولو استشفعه لما شفع له ولو استعانه لما أعانه .
لأنه لا يرجى من ورائه مصلحة تذكر ..
فكيف لو علم هؤلاء أن هذه صفة أحد رجالات السلف ممن قال عنه عبدالملك بن عمير :قدم علينا الأحنف بن قيس الكوفة ،فما رأيت صفة تذم إلاّ رأيتها فيه !
قال عنه الذهبي :
العالم النبيل والأمير الكبير أحدُ من يُضرب لحلمه وسؤدده المثل .
حتى قيل :عاشت بنو تميم بحلمه أربعين سنة .
قيل له :إنك كبير ،والصوم يضعفك .
قال :إني أعده لسفر طويل !!
وكان عامة صلاته بالليل .
وهذا أحد السلف الصالح رضوان الله عليهم يشرأب بمناه ،ويعلو بمبتغاه ،ويضع الميزان الحق للأمنيات وأحلام المستقبل للأجيال فيقول كما حدّث عنه حجاج بن الأسود قال :
ليتني بزهد الحسن ،وورع بن سيرين ،وعبادة عامر بن عبد قيس ،وفقه سعيد بن المسيب ،وذكر مطرّف بن الشخير بشيء .
قال : فنظروا في ذلك فوجدوه كله في الحسن .
فأين هذا من أمنيات شباب وجيل لا همّ له إلاّ أن ينافس ما افتتن الناس به هذه الأزمان من فن وغناء وكرة ومغامرات ونحوها .
فضل التقى أفضل من = فضل اللسان والحسب
إذا هما لم يجمعا =إلى العفاف والأدب
إنه ليقال عن الرجل ما أظرفه ما أجمله وما في قلبه مثقال ذرة من إيمان ..
وإن المؤمن المتمسك بأوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ليعجب من موازين بعض المسلمين في تقويم أعدائهم فكم سمعنا من يقول بعد استقدامه للعمال الوثنيين والكافرين والنصارى إنهم لأصدق حديثاً وأعظم أمانة ولو كانوا مسلمين لما كانوا كذلك؟
فأين هذا من ميزان الله حيث يقول سبحانه:{لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
أخي المسلم لا تكن غراً فتخدعك المظاهر والأشكال والمناصب فإن الله وصف المنافقين بقوله عز شأنه:{وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}.
وتأمل معي حديث أويس الذي لو وضع في ميزان الناس هذه الأيام لكان عندهم من أحقرهم وأقلهم قدراً ولكنه عند الله بمكان ..
فعن عمر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " خير التابعين رجل يقال له أويس ،وكان به بياض فدعا الله فأذهبه عنه إلاّ موضع الدرهم في سرته لا يدع باليمن غير أم له فمن لقيه منكم فمره فليستغفر لكم " فكان عمر يتطلبه سنين عدداً فيمن حج من أهل اليمن حتى كان العام الذي قتل فيه فسأل عنه ،فقام شيخ كبير فقال : إنا لا ندري من أويس ؟ولكنّ ابن أخ لي يقال له أويس وهو أخمل ذكراً وأقل مالا وأوهن أمراً من أن نرفعه إليك ،وإنه ليرعى إبلنا بأراك عرفات. فبحث عنه حتى وجده ،وطلب من أن يستغفر له ؛لحديث النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر له عمر الحديث فاستغفر له ،ثم قال له أين تريد ؟ قال :الكوفة .قال ألا أكتب إلى عاملها قال أكون في غبرات الناس أحب إلي !
رضي الله عنهم وأرضاهم ، إنهاالتقوى والإيمان والإخلاص لله عز وجل
اللهم اجعلنا من المتواضعين في غير ذل ومن الأعزاء في غير كبر الله ارزقنا حب الفقراء والمساكين والشفقة على عبادك المؤمنين .
أخي ..
هذا ميزان الحق والتقوى وفي المقابل هذه موازين الخلق المال
والجاه والسلطان والحسب .
فأي الميزانين خير وأقوم سبيلاً ..