
Share
وداعا أيتها اليد السخية ، وداعا صاحبة القلب الرحيــــــم ..
إنها سنة الله في هذه الدنيا فلم يجعـــــــــــــــلها دار قرار..
رحلت أخت في الله حبيبة؛ جمعني معـــــــــــها بذل الخير..
لقد كانت نبراسا في الفضل يحتذى به، و نورا تستضيء به بيوت الفقراء والمساكين ، كم كفلت من الأيتام،
وكم فرجت من الكربات ، كم أدخلت السرور على بيوت حزينة ، كم مسحت من دمعه ، لله درك وكثر الله في هذا الزمان أمثالك ؟؟
رحلت وبات بيتها حزينا ، غابت شمسها وطوي لواؤها، وبقي ذكرها الطيب يفيض نداه. عاشت حياتها ولم يكن لها زوج ولا ولد ، ولكنها تملك من المحبين الذين ينعمون بخيرها وتنعم بخدمتهم ؛ فقد اختصها ربها لنفع العباد ، الكل يخدمها ..
نعم أحسنت إلى الناس ؛ فاستمالت قلوبهم ..
هيهات أن تطوي الأيام صفحتك ، أو يطوى حبك من القلوب
هاهو بيتها في شارع المنصور بمكة الذي كان يأوي إليه مئات الفقراء يودعها ،
تودعها جنبات دارها الحزينة ..
كم فطرت في دارها من الصوام؛ ففي كل خميس واثنين يفطر في بيتها من العشرة إلى العشرين، ومن كان ذاهبا إلى بيته يأخذ حظه من طعام الإفطار ، لقد كان بيتها لا يغلق ليل نهار يفيض من إسداء المعروف والعون للآخرين ، تنهال منه صنائع البر والإحسان.
كانت تسكن في بيت شعبي بشارع المنصور بمكة، وهو من الأحياء التي تضم الفقراء .
كانت معلمة وحالها ميسور، وكم عرضن عليها صاحباتها أن تترك هذا البيت وتوسع على نفسها بفيلا على قدر مقامها ؛ فكانت تقول: وهؤلاء الفقراء كيف سأحصل عليهم ؟!
ثم تتالت عليها الأمراض ، وتقاعدت ، وبعد فترة اشتد عليها مرض السكر، ودخلت إلى المستشفى، ثم أقعدت فلم تعد تستطيع السير على قدميها رغم أنها لم تكن كبيرة في السن .
ثم قدر لها أن تفقد بصرها .. فاستسلمت لقضاء الله واصطبرت ، كانت تحمد ربها فلقد أنعم الله عليها بانشراح صدر .. وبسمة كالفجر صافية ..
استقر في دخيلة نفسها حال من السكينة والرضا .
كانت مشغولة بإسعاد الآخرين؛ فأنزل الله عليها سعادة وانشراحا؛ ففي قلبها عطف مذخور وبر مكنون ، لم تطرق السآمة قلبها؛ فقد خالطت بشاشته الرحمة والعطف فأحست بحلاوة مذاقها.
فمن تضيق به الأزمات، وتنعقد عليه حبال الضيق، يتجه على بيت عائشة لتفرش دربه أملا ، تعلق بها الصغير والكبير، الرجل والمرأة من الضعفاء والمحتاجين.
موفورة الثقة بوعد الله، لا ترتاع لغيمة، ولا تخشى فقرا.
وإن قصرت بها المادة استعانت بالطيبين، وشحذت الهمم، وطلبت المعونة، وحثت على الخير.
أتعبت الرجال بأعمالها الزاخرة ، وإلحاحها المستمر ، تطلب من هذا برادات لمساجد وتشير على هذا أن يفك سجينا، ومن هذا أن يخفض لها في سعر المصاحف ويشحنها إلى الخارج، وتطلب من هذا أن يشتري ذبيحة ويوزعها !!
تعجز الكلمات والله، وتعجز أناملي عن أن يوفيها حقها من الوصف..
تتفقد المساجد القريبة ..من يحتاج سجادا.. ومن يحتاج مكيفا.. ومن يحتاج سقيا..
ومن يحتاج إفطار صائم..
إذا سمعت أن هناك بيتا يقام فيه العزاء بعثت إليهم بالماء..
إذا قرب رمضان هيأت بيتها بكراتين العصير ، والماء والتمر والدقيق !!
وشحذت همم من حولها بالتوزيع ، وتضرب بسهم في كل خير .
تشتري أعداداً من سجاجيد الصلاة، وغطاء الصلاة، وتوزع على الغني والفقير..
وفي يوم الجمعة يجتمع لديها مائة طفل ليأخذ كل واحدا منهم ريالاً واحداً ؛ فكم كانت فرحتهم بهذا الريال الذي يراه الكثيرون لا قيمة له !!
صدقت مع الله فبارك عملها .
لا تبال في تأمين الأدوية للمرضى ، والشفاعة لهم إن احتاجوا دخول المستشفى ، وتتابع حالتهم حتى تطمئن عليهم .
كثير من دور النشر يهتدون إلى بيتها لإيصال المطويات والمصاحف والأشرطة والكتيبات ، وربما أمهلوها في الدفع لثقتهم بها ، وتوزع هنا وهناك حتى خارج البلاد!!
وإذا اقترب موسم الحج أحضرت أكياس الرز والدجاج وأمرت بطبخها .. وملأت دارها من زجاجات الماء والعصير ،وأنواعا من الفاكهة.. وأشارت إلى الصبية الوقوف صفا على حدود الشارع، وتوزع على الحجاج المارين ، وليت هذا فقط بل تعبئ حافظات الحليب مع الشاي ليسكبوا لهم!!
جهود متلاحقة عشقا لصنائع المعروف وابتغاء ما عند الله من مثوبة ، لا تريد من أحدِ جزاءً ولا شكورا ( نحسبها كذلك ولا نزكيها على الله ).
تملك بصيرة مستنيرة، واستعدادا كاملا؛ فلم تنكص عن البذل حتى قبيل وفاتها؛ فنفع الله بها خلقا كثيرا.
كريمة سخية بل جزيلة السخاء حتى مع الأغنياء؛ تعطي بغير منّ ، وما ألطف العطاء بغير منّ .
هذا فيض من غيظ ، وربما خفي علي الكثير من أعمالها
رحمك الله يا عائشة فلاته رحمك الله ، وأسكنك فسيح جناته
دخلت إلى المستشفى بجدة في شهر الحج ولم يبق من جسمها الواهي رمق، ولكنها كانت تصر على الخروج ، تريد أن تخرج؛ لأن حياتها لا تستقر إلا بإسعاد الفقراء ، وشهر الحج بالنسبة لها شهر أعمال متواصلة ، وفي نهاية الشهر ضاقت بها الدنيا بما رحبت حتى أنها لم تعد ترد على المكالمات الهاتفية ، كأني بها وقد اعتلجت في صدرها زفرات من كرب يدمي فؤادها .. ولم ترد على اتصالي وهذا ما جعل حسرة في قلبي أني لم اسمع صوتها – ذلك الصوت المتعب – يا لهف قلبي.. فقد اعتدت سماعه في كل يوم .. صوتها يرن في أذني.... نعم يرن في أذني ، ربما لا يأتي يوم إلا وأوصيها بعمل خير، أو تتصل بي لتعرض عليّ عملا خيريا.
تاجرت مع الله ، فحيا الله تلك التجارة المضمونة الربح ، تجارة لن تبور بإذن الله ، وصدق عز وجل :
( إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ) 29 فاطر.
لم أكن أعرف معنى الحب في الله حتى فقدتها..
بكيت عليها أكثر من قريب ..
بكى عليها قلبي ووجداني ؛ فقد كان بيني وبينها حسن ودادِ ، سقا الله تلك المحبة .. وجمع بيني وبينك على منابر من نور
في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " إنّ لله عبادا ليسوا بأنبياء و لا شهداء يغبطهم الشهداء و النبيون يوم القيامة لقربهم من الله تعالى ، و مجلسهم منه " ، فجثا أعرابي على ركبتيه فقال : يا رسول الله صفهم لنا و جلِّهم لنا ؟قال:" قوم من أقناء الناس من نزّاع القبائل ، تصادقوا في الله و تحابّوا فيه ، يضع الله عزّ و جلّ لهم يوم القيامة منابر من نور ، يخاف الناس و لا يخافون ، هم أولياء الله عزّ و جلّ الذين لا خوف عليهم و لا هم يحزنون " أخرجه الحاكم و صححه الذهبي .
وداعا أختي الحبيبة ، عرفتك يا عائشة وأحببتك في الله ، أسأله أن يظلني وإياك تحت ظل عرشه ، وكل من أحبني فيه وأحببته فيه ، ولا حرمنا فضلها
اللهم ارض عنها ، اللهم إن عائشة فلاته في ذمتك ، وحبل جوارك فقها فتنة القبر وعذاب النار ، واجعل قبرها روضة من رياض الجنة وأسكنها في أعلى درجات الجنان فأنت أهل الوفاء والحق ، اغفر لها وارحمها واجمعني بها على منابر في النور فإني أشهدك على محبتي لها .
يا جابر الكسير كن لي ولجميع أحبابها ،وللفقراء واليتامى جابرا يا جابر كل كسير .