
Share
يقول الله تعالى : { وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم }[فُصِّلَت:34]
الحياة الاجتماعية ائتلاف وتواصل وتفاعل ،وبقدر صحة هذا الائتلاف قائما على الوئام وإرادة الخير المتبادل بين أفراده ، يكون المجتمع سويا متماسك البنيان . وعلى العكس من ذلك يكون اضطرابه و تفسخه بقدر ضياع أواصر الوئام ودوافع الخير.
خذ مثلا محتمع يلتقي أفراده على ما يجمع ولا يفرق ، وما يؤلف بين القلوب ، لا ما يزرع الضغائن والأحقاد ، مجتمع يحكمه التعاون على الخير ، تحدوه دوافع المحبة والتسامح والحلم والعفو .. سينعم بالحياة الطيبة ولا شك ، حياة يشعر الناس فيها بالاستقرار والأمن والطمأنينة والرضا ، وذلك مناخ السعادة الدنيوية . وتلك صورة المجتمع الذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بالجسد المتكامل ، متماسكا ومتظافرا بجميع أعضائه (مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه شيء تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)[رواه البخاري ومسلم]. صورة مجتمعية راقية ورائعة ليست إلا في مجتمع المؤمنين الصادقين ، الذين تطهرت قلوبهم وتزكت نفوسهم وكان سعيهم مشكورا . .
ثم خذ مثلا مجتمع بشري آخر تنعدم فيه أو تقل قيم المحبة والسماحة والعفو ، ولا يتنافس أفراده إلا في المكر والحقد والكيد والتسلط ودوافع الأنانيات والأطماع المادية .. سيكون ولا شك جحيما دنيويا لأهله، لا أمن فيه لهم ولا استقرار ولا اطمئنان .
مجتمعان لا يلتقيان ولا يستويان مثلا؛ لأن الأول: مجتمع الخير والصلاح والإصلاح ، يليق بكرامة الإنسان ورسالته في الحياة ، بينما الثاني: مجتمع الشر والفساد ، يناقض كرامة الإنسان ويضاد غاية وجوده على الأرض .
ولقد نظم الإسلام حياة المسلمين على قواعد القيم النبيلة المطلوبة لخير الدنيا والآخرة ، وهي قيم عملية ملموسة ، وليست خيالية جوفاء ، بل هي ميسورة وواقعية ، ومضمونة الآثار النافعة والثمار الطيبة ، وليست ممتنعة ولا مستعصية . والقرآن الكريم يصرح بهذه القيم والمبادئ أحيانا ، أو يعبر عنها ويشخصها في مظاهرها الأخلاقية العملية الحية التي قد تضم خصالا حميدة كثيرة في فعل سلوكي واحد . ومن ذلك ما تدعو إليه هذه الآية الكريمة الجامعة: { ادفع بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم }[فُصِّلَت:34].
الدفع بالتي هي أحسن مبدأ عظيم من أخلاق الإسلام الربانية الرفيعة ، يسمو بالمسلم إلى أعلى مراتب النبل في سجاياه و في معاملة الناس . سلوك خلقي جامع ، يشمل خصال الرحمة والسماحة والحلم والعفو والإيثار وغيرها . وجماع ذلك في فضيلة حب الخير و أريحية المبادرة إليه مع كل الناس ، المحسن منهم والمسيء ، والصالح والطالح والعدو والصديق . أكسير فعال من رب العالمين لمن يطلب أسباب التوفيق والنجاح في علاقاته الاجتماعية على كل حال ، حتى في مواطن الخصام أو العداوة .
سلوك خلقي تبذله بالسماحة راضيا ،وتقابل فيه إساءة غيرك بالإحسان ، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم .. زلال ماء من حسن معاملتك تصبه على لهيب الغضب أو العداوة من خصمك ، فإذا هي تخبو وينبث رمادها مودة ووئاما وسلاما .
وإذا أنت بهذا الخلق قد حافظت على مروءتك ووقارك و اتزانك فلا تخوض مع الخائضين بالإساءة و لا تُستفز من اللاغين بالغضب و أخذ الثأر. ومعلوم من طبيعة النفس عدم احتمال الإساءة ، أحرى أن تقابلها بالإحسان ، لكن ما أجمل أن تربيها وتسمو بها وتروضها على ذلك متمسكا بقوة الصبر وصلابة العزيمة ،فتكون في ثباتك على الإحسان دون إساءة ، ذا حظ عظيم في النبل الفضل والثواب ، كما يقرر قوله تعالى {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } ، ولك أن تجني أطيب الثمار وأزكاها ومنها :
ـ الانتصار على دوافع الأنانية والغضب والانتقام ، دفعا لما يترتب على التجابه من ردود أفعال لا تحمد عقباها .وفي ذلك تزكية النفس التي تسمو على دواعي الاستفزاز والإغاظة { وإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً }، وتحظى بخصال شخصية المؤمن القوي وفضله: ( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كل خير ). [رواه مسلم].
ـ تأليف القلوب وتوطيد أواصر المودة بينها ، بالسماحة والعفو ولين المعاملة ، لأنها تميل إلى ذلك وترتاح إليه :{ وإذا ما غضبوا هم يغفرون }.{ وَإِذَا سَمعوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُم سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ }القصص:55
ـ الانتصار على كيد الشيطان الذي يذكي أسباب العداوة بين الناس لإفساد دينهم وأخلاقهم وحياة دنياهم.{إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء } .
ـ نيل ثواب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } آل عمران 132. قال صلى الله عليه وسلم: ( وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا . وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله )[رواه مسلم].
أحسن إلى الناس تستأسر قلوبهم ...................... فلطالما استأسر الإنسان إحسان
والدفع بالتي هي أحسن احتكام إلى الرحمة بدل القسوة ، والى الرفق والسماحة بدل العنف والشدة والخشونة، والى الصفح والعفو بدل الانتقام ، والى الحلم والتواضع واللين بدل الغضب والغلظة والفظاظة ،والى الإيثار بدل الأنانية والأثرة . فكم من فضل مع الله تعالى ومع الناس يرتبط بسلوك خلقي فاضل واحد كهذا ، وذلك من الأخلاق الربانية التي يتحلى فيها المؤمن بتجليات أسماء الله الحسنى ومعانيها ، فإذا هو يتحرك ويتصرف بنوايا حب الخير والتعاون على البر والتقوى . يقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: ( ليس الشديد بالصرعة ، إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب ) [رواه الشيخان] .وقال عليه الصلاة والسلام :(رحم الله عبدا سمحا إذا باع ، سمحا إذا اشترى ، سمحا إذا اقتضى ) [البخاري] . وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : " أوصني " ، فردّد ، قال : ( لا تغضب ) [رواه البخاري]. وفي ذلك دعوة إلى كبح جماح النفس الهائجة لتتغلب على ثورة الغضب؛ لأنه من الآفات النفسية المدمرة ، لما يترتب عليه من المفاسد والجرائم .
أي نبل في السلوك أعظم من هذا وأجمل، يتبارى الكرام به في مراتع الإحسان ، فتنغلق أبواب الغواية على الشيطان وكيده ، ولا تجد الشرور مجالا للتعاظم والتفاقم ، لأن الإحسان يغشيها ويغمرها ويقضي على دوافعها وأثارها . ولنا في سلفنا الصالح ، عبر التاريخ ، نماذج وأمثلة رائعة وشواهد في حسن المعاملة ومقابلة الإساءة بالإحسان ، وذلك من ثمار تربية الإسلام ، وهو دين الإحسان في كل شيء :
فكم واجه النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين ، وكان دعاؤه لهم وليس عليهم : ( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) [رواه البخاري ]. فحين أقبل على أهل الطائف بالإحسان داعيا مرشدا ، قابلوا إحسانه بعنف الإساءة وطردوه بالحجارة وأدموا عقبه ، لكنه صبر واحتسب ، وما كان يهمه إلا رضا الله تعالى: ( اللهم إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي )[رواه الطبراني وضعفه الألباني]، ولما عرض عليه ملك الجبال ، بأمر الله تعالى أن يطبق على قومه الأخشبين ، قال في حلم وعفو ورحمة :( بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا )[مسلم] .
وتبول أعرابي حديث عهد بالإسلام في المسجد فهم به الصحابة ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالمؤمنين رؤوف رحيم ، ينهاهم ويقول (لا تزرموه )[ رواه البخاري]، ثم ينصحه برفق ولين ، ولو عامله بعنف لما أقبل على المسجد بعدها .
وجاء شاب بكل عفوية ، مدفوعا بحرارة غريزته، يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الزنا، فضج الصحابة ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أدناه منه وعامله برفق واحسان وهو يقول :( أتحبه لأمك؟ قال: لا والله جعلني الله فداك ، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم ، قال أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فدا ك ، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم) [ رواه أحمد وصححه الألباني]،حتى ذكر العمة والخالة، ثم مسح صلى الله عليه وسلم على صدره ودعا له ، فلم يكن شيء بعدها ابغض إليه من الزنا ، ولو عامله بالزجر والتعنيف لكانت النتيجة عكسية .
ولما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح ، وكانت قريش تتوقع منه الانتقام، لكنه خطب فيهم وقال:( يا معشر قريش ، ما ترون أني فاعل بكم؟) قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: ( فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته : لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء )[ ضعفه الألباني في فقه السيرة] .
ما أحوجنا إلى مبدأ الدفع بالتي هي أحسن في كل أقوالنا وأفعالنا ومعاملاتنا ، لنعيد إلى حياتنا بعض نفحات الرفق والحلم والرحمة والعفو والإيثار ، في البيوت والمدارس والإدارات والأسواق والشوارع وغيرها، كما نحن أحوج إلى ذلك في أساليب النصح والإرشاد ، وفي مواقف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
كذلك يعلمنا الله تعالى بتعاليم القرآن والسنة النبوية ، وكذلك كانت سيرة سلفنا الصالح الذين تربوا على هدي النبوة .
نصح أحدهم الخليفة العباسي المأمون وأغلظ له في القول ، فقال المأمون : رفقا يا هذا ، فإن الله تعالى قد أرسل من هما خير منك ، موسى وهارون ، إلى من هو شر مني ، فرعون ، وقال لهما: { اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولاَ لَهُ قَوْلا لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } (طه 44) .
إن الدفع بالتي هي أحسن من خصال أهل الإحسان ، الذين يحبهم الله ويثني عليهم ويعظم لهم الثواب: { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة }؛ فكن أخي الكريم مع الناس ، كالنخلة المثمرة ، ترميها بالحجز فترميك بالثمر ، { ولمن صبر وغفر إن ذلك من عزم الأمور }.
جعلني الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب .
الخطبة الثانية:
روى الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعقبة بن عامر : ( صل من قطعك ، وأعط من حرمك ،واعف عمن ظلمك )[ رواه الإمام أحمد وحسنه شعيب الأرنؤوط].
ومن الآفات السلوكية التي شاعت بين الناس ، أن لا يكون الإحسان منهم إلا مع من أحسن ، وتعودت النفوس على ذلك ، ووجدت من الأمثال الباطلة والذرائع الواهية ما يمكن له ويسوغه ، حتى أصبحت لا تطيق مقابلة الإساءة بالإحسان ، وكأنه لا مقام للعفو والصفح والغفران . وحين تلتمس من أحدهم العفو عمن أساء إليه ، يكون جوابه : كيف أعفو عنه وقد فعل كذا وكذا ؟. فأين ياترى محل العفو بغير خطأ ولا إساءة ؟ .
لكن رسول الرحمة للعالمين يعلمنا كيف نسمو بأنفسنا إلى مقام العمل بالتي هي أحسن في المعاملات . ومن جميل الإحسان أن تصل رحمك مع من قطعك ولو كان كارها ، و تعفو عمن ظلمك مهما بغى عليك ، وأن تعطي من حرمك سخيا راضيا، وأنت في ذلك تسمو على نوازع الانتقام وكيل الشر بالشر ، رجاء ما عند الله تعالى :{ فمن عفا وأصلح فأجره على الله }، { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور }. وقياسا على ذلك ، أن تعدل مع من ظلمك ، وتنصر من خذلك ، وتصدق مع من كذبك ، وهكذا تكون سباقا إلى الخير فعالا له مع كل الناس وفي كل حال ، مستجيبا لأمر الله تعالى :{ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين }، والأجمل من كل ذلك أن تسمو إلى مقام أرفع ، فتدعو لمن أساء إليك ، تلتمس له من الله العفو والمغفرة والصلاح ، ذلك مقام المتقين المحسنين أهل محبة الله ، الموعودين برضاه ورضوانه :{ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.} [آل عمران:134)
و يروى عن زين العابدين بن الحسين رضي الله عنهما: أن غلامه كان يصب له الماء بإبريق من الخزف فوقع الإبريق على رجل زين العابدين؛ فجرحت و نزف منها الدم فقال الغلام على الفور :يا سيدي: يقول الله تعالي:( والكاظمين الغيظ ).فقال زين العابدين : كظمت غيظي!! قال الغلام : ويقول تعالى: (والعافين عن الناس } فقال زين العابدين : عفوت عنك !!قال الغلام : ويقول تعالي : (و الله يحب المحسنين} . فقال زين العابدين : اذهب فأنت حر لوجه الله تعالي.
هكذا هو خلق من سار على نهج الأنبياء ، وفي مقدمتهم نبي الرحمة للعالمين { فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك }، وتلك سيرة السلف الصالح من هذه الأمة ، إلى أن ابتلينا برياح المدنية الغربية المادية وألواناً من قيمها الفاسدة التي أفسدت علينا أخلاقنا الربانية الفاضلة .. فهلا هبت بنا العزائم ، أخي المؤمن ، لارتياد طريق الإحسان إلى الناس مهما كان حالهم معنا ، واحتساب الرضا والثواب عند الله تعالى ، والله لا يضيع أجر المحسنين { وما يلقاها إلا الذين صبروا ، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم }. {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ }.
جعلني الله وإياكم من أهل التقوى والإحسان في الأقوال والأفعال ، والمسارعين إلى مغفرة منه ورضوان .. آمين