
Share
يقول الله تعالى : { لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ(49)}[سورة الشورى].
الإسلام دين التشريع الرباني الحكيم ، دقيق وشامل في ضبط وتنظيم شؤون الحياة الإنسانية،المادية والمعنوية ،على المقاصد النبيلة ، القريبة والبعيدة ،التي تليق بكرامة الإنسان ، ورسالته في الحياة ، وتحقق له الحياة الطيبة التي ينعم فيها بالأمن والاستقرار والسلام . ومن تجليات هذا التشريع الحكيم ، عناية الإسلام البالغة بالأسرة وهي الخلية الأساس في بنيان المجتمع ، يصح ويستقر ويعيش على التجانس والوفاق بقدر ما يكون ذلك في الأسرة .
وقد خلق الله الذكر والأنثى، وخص كلا منهما بخصائص ووظائف ، ليلتقيا ويتكاملا على التوازن الذي تستقيم به حياة الإنسان وعمارة الأرض . واقتضت سنته سبحانه أن تنشأ الحياة الأسرية من زوجين متآلفين ، على ميثاق الوفاق وأواصر المودة والرحمة، لتكون الأسرة بيئة طيبة صالحة لتنشئة ذرية صالحين، وكان الأبناء هبة ربانية ونعمة عظيمة من المنعم الوهاب ضمن عناصر زينة الحياة الدنيا:{ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا(46)} [سورة الكهف]، وذلك بقدر ما يتصفون بالصلاح والاستقامة، وإلا كانوا مصدر فتنة و شقاء. إنهم عطاء رباني كريم يستوجب الشكر الكثير ،ليس باللسان وحده ، ولكن بما هو أعمق وأبلغ ،وهو إحسان تربيتهم على ما يرضي الله تعالى ويجعلهم بررة أسوياء نافعين لدينهم ولأنفسهم وأهليهم ومجتمعهم. وبذلك يكونون حقا قرة أعين ، كما هو مطلب عباد الرحمن المؤمنين :{ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا(74)}[سورة الفرقان]. وإنما تقر الأعين بصلاحهم وطاعتهم لله تعالى .
ولا ريب أن رسالة التربية الأسرية للأبناء أعظم وأشرف مسؤولية حيوية عرفتها البشرية في نشاطاتها الإنسانية والاجتماعية من مهمات وواجبات، داخل الأسرة وخارجها.
ولقد قرر الإسلام كل القواعد والضوابط اللازمة لبناء بيت التربية الصالحة ، الذي تعمه أجواء الإيمان والأمان والفضيلة ،بدءا من اختيار الزوجين على الدين والخلق ، إلى علاقة المودة والرحمة بينهما ، إلى رعاية حقوق الأبناء في الوجود والرضاع والإنفاق والميراث وغيرها .وذلك لضمان صحة البيئة التربوية الأولى وهي البيت الأسري ، لتصح الأجواء المناسبة لرسالة التنشئة والتربية الصالحة النافعة . ثم كانت الوصايا والتوجيهات بين القرآن والسنة النبوية أساسا تشريعيا لبرنامج تربوي إسلامي دقيق وشامل لتنشئة وإعداد الأجيال الربانية الصالحة .
ولما كانت الأنثى أصيلة في نظام الحياة الأسرية والاجتماعية أصالة الذكر، بل ربما كانت أشد أصالة لخصوصية جنسها وموقعها ورسالتها زوجة وأما ومربية؛ فقد كرمها الإسلام ورفع قدرها وأحاطها بعناية بالغة ، فهي البنت ثم الزوجة ثم الأم، وهي الأخت والعمة والخالة وغيرها .
ومع التأكيد على كامل العناية بتربية الأبناء والبنات معا ، تتطلب الأنثى، زيادة العناية والرعاية ، لما يتعلق بها من دور الأمومة الذي ينتظرها، ذلك الدور الذي يصنع الأجيال ويبني الأمم، ويحفظ لها ديمومتها واستقرارها. والمرأة كالرجل راعية ومسؤولة عن رعيتها ، ولابد أن تعد لذلك إعدادا ( فالرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها)[رواه البخاري، حديث رقم 844]؛ لهذا ينبغي أن يدرك الآباء قدر المهمة العظيمة التي يقومون بها عند تربية بناتهم , وشرف الرسالة السامية التي يحفظون بها القيم والأخلاق في المجتمع المسلم ، إن هم أحسنوا تلك التربية ، فضلا عن الأجر والثواب العظيمين المرجوين لأنها قربى إلى الله جل وعلا .
ولقد حرص الإسلام على تبني الفتاة منذ ولادتها ومعاملتها معاملة خاصة ووجه الاهتمام إلى خصوصية تربيتها ، تبعا لخصوصية أنوثتها ونفسيتها وموقعها ودورها في الأسرة ثم في الحياة ، لكي تنشأ طاهرة ماهرة ، ثم تصبح أما صالحة مصلحة، ترعى بيت الزوجية باقتدار وأمانة وتحافظ على تربية أولادها تربية إسلامية صحيحة . واهتم شرع الله تعالى بما يكرمها وينصفها من الظلم ويحررها من القهر والاستعباد قديمه وحديثه ، سواء بمقاومة وتصحيح نظرة الجاهلية إليها ، أو ما يواجهها اليوم من غوايات الحضارة المادية الحديثة وانحرافاتها . فقد أدان القرآن فعل الرجل في زمان الجاهلية الذي كان إذا بشر بأنثى اسودّ وجهه حسرة وتوارى من القوم مغموما حائرا أيمسكها على المهانة أم يدفن العار بدفنها حية ، فإذا هو يدوس مشاعر الأبوة ويحمل وليدته ليئدها ثم يعود إلى أهله وقد دفن العار كما توهم:{ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59)}[سورة النحل]بل بلغ مِن جهلهم وجهالتهم: أنَّ الرجل منهم كان يحلِف على زوجه أن يُفارقَها إذا وضعتْ له بنتًـا، حتى قالتْ إحداهنَّ تشتكي حال زوجها:
ما لأبي حمزة لا يأتينـــا يظل في البيت الذي يلينـا
غـضبان ألا نلـــد البنينــا تــالله ما ذاك فـي أيدينـــا
فنحن كالأرض لزارعينــا ننبـت ما قـد زرعـوه فينــــا
وقد عمل الإسلام على استئصال هذه العادة المقيتة وقطع دابرها، ثم عقب القرآن عليها بوعيد يدل على شناعة الفعل وسوء مصير أصحابه يوم القيامة : { وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9)}[سورة التكوير].
وفي العصر الحديث تعود تلك الظاهرة المشينة بأبشع صورها فقد أضحت الأنثى في كثير من الأماكن موؤدة الحس والمشاعر،مقتولة العواطف والكرامة تباع كما يباع الرقيق في عالم يبيد كرامتها وعفتها ويستغلها أبشع استغلال تحت بريق الشعارات الخادعة. وغدا موضوع البنات خاصة والمرأة عموما ، من القضايا الكبيرة والمثيرة في واقعنا الحالي ، بما يداخل موضوعها، قديما وحديثا ، من الأهواء والأوهام ، تترتب عليها انحرافات في النظر والسلوك والمعاملة تجاه النساء والبنات ، ينجم عنها الظلم أو التفريط والإهمال في المعاملة، خاصة في دوامة تغلغل الأفكار والفلسفات والقيم الغربية التي شوشت على التشريع الإسلامي الحكيم في تدين كثير من المسلمين .
وإذا كانت الحاجة تدعو إلى تربية البنات في كل زمان ، فإنهن اليوم أحوج إلى الاهتمام الكبير والعناية الشديدة بهن ، تربية وتوجيها وتطهيرا وإعدادا للصالحات، أمام ازدياد نسبة النساء على الرجال ، كما هو معلوم من حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول أشراط الساعة ومنه: (.. ويقل الرجال ويكثر النساء حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد ) [ رواه البخاري ، حديث رقم 4830]، وهو ما بدأ يلوح من حقائق الواقع الراهن ، ثم أمام الفتن والإغراءات التي تحيق بهن لتوقعهن في الاختلاط والتبرج وتقليد الانحرافات الغربية ، وما يتهددهن باستمرار من حملات شعواء تستهدف عفتهن وطهارتهن وأخلاقهن ، بمخططات وشعارات تحارب فيهن فضائل الإسلام وكريم أخلاقه. فما فتئ أعداء الإسلام يسعون ويخططون لإفساد نساء المسلمين بكل وسيله وطريقة ليجعلوها سلاحا لتقويض كل القيم الأخلاقية في بلاد المسلمين.
ولا ريب أن فساد المرأة وتحللها من ضوابط الشرع إفساد للمجتمع كله ، وقد سقط صنف من بنات المسلمين ونسائهم ضحايا هذه المكائد في غياب الحصانة التربوية الإسلامية الكافية الواقية ، فضاع الحياء والتعفف والحشمة والوقار .
وإن من العجب أن ترى من الناس من يدّعي الإسلام ويعمل بالأركان ، ثم هو يتخلق بأخلاق الكفرة وأهل الجاهلية في كراهية البنات والتسخط والاشمئزاز من ولادتهن، وكأنما يرى سعادتَه وصلاح حاله ومستقبله في الذكور وحدهم ،أو يراهن منقصة لرجولته ، أو ثقلا كبيرا على أسرته ، أو شؤما على حياته.. ! وفي ذلك جهل واعتراض على لحكمة الله تعالى الذي يهب إناثا أو ذكورا لمن يشاء . ولمغزى عميق كان تقديم الإناث على الذكور في سياق الآية: { يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ }. وما يدريه لعل الله تعالى يبارك له في البنات، ويصرف عنه لأواء الذكور وما يكون فيهم من طيش وسفاهة وإرهاق ، خاصة في هذا الزمان { وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ..(216)}[سورة البقرة]. فكم من رافض متسخط للبنات ابتلاهم الله بالمتاعب والأسقام، وعادت عليهم الذرية الذكور بالبلايا والنكبات. فما على العبد إلا أن يرضى بحكم الله عليه، ويؤمن بقدَره خيره وشرّه، ويعلم أن الله تبارك وتعالى لا يقضى للمؤمن إلا خيرًا،{ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ..(68)}[سورة القصص]؛فليس عيبًا ولا منكرًا أن يُولد لبعضنا البنات، فإن معهنّ البركات وخيرا عظيما، وفوائد كثيرة ، وكم من بنت كانت أبر بأبيها من أولاده الذكور، فهن الباقيات الصالحات وأمهات الأبناء ويجلبن الأصهار والأولاد الأطهار، ومنهن المسلمات المؤمنات القانتات الصادقات الصابرات والخاشعات والمصليات والصائمات والمتصدقات والذاكرات الله كثيرا.
ولحكمة ربانية كانت امرأة عمران قد نذرت ما في بطنها لله ، وأرادته ذكرا ، لكن الله تعالى أراده أنثى ، فكانت مريم العذراء الطاهرة التي كان منها عيسى بن مريم بنفخة ربانية: { فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ(36)} [سورة آل عمران] .وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، سيد الرجال والأزواج والآباء ،لم يعش له مدة حياته من أولاده إلا البنات ، زينبَ ورقيةَ وأمِّ كلثوم وقد توفين في حياته، ثم كانت ابنته الوحيدة التي عاشت بعده قليلا، هي سيدة بنات الدنيا ونساء الجنة ، فاطمة الزهراء رضي الله عنها.
ولقد كان اهتمام الهدي النبوي الحكيم في كثير من أحاديثه بالتوجيه والإرشاد إلى فضل البنات وفضيلة تربيتهن بالإحسان والإتقان ،على منهج الرحمن ، لما في ذلك من سعادة الدنيا وثواب الآخرة ، وهو القدوة الحسنة لنا زوجا وأبا ومربيا . يقول عليه الصلاة والسلام كما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله : (من ابتُلي من هذه البنات بشيءٍ كنّ له سِترًا من النار) ،فأيّ فضل يرجوه المسلم بعد ذلك؛ أن تكون تربية البنات والصبر عليهن مانعًا له من دخول النار ، وطريقا إلى جنات النعيم؟! وفي الحديث إشارة إلى أن تربية البنات ابتلاء واختبار يحتاج إلى صبر ومصابرة، وجهد ومجاهدة، وإحسان وإتقان؛ نظرا لخصوصيتهن جنسيا وجسديا ونفسيا .
لكن فضل الله تعالى على الأنثى ، بنتا وامرأة ،أبلغ وأعم كما تخبر أحاديث نبوية صحيحة في الموضوع :فعن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من كان له ثلاث بنات يُؤويهن ويكفيهن ويرحمهن فقد وجبت له الجنة البتة)، فقال رجل من القوم: وثنتين يا رسول الله، قال: (وثنتين) [البخاري في الأدب المفرد، وأحمد] .وعن أبي سعيد رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يكون لأحد ثلاث بنات أو ابنتان أو أختان فيتقي الله فيهن، ويحسن إليهن إلا دخل الجنة)[ قال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: صحيح لغيره]. وما رواه مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من عال جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو -وضم أصابعه-). وفي رواية الترمذي: ( دخلت أنا وهو الجنة كهاتين - وأشار بأصبعيه). وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من كان له أختان أو ابنتان فأحسن إليهما ما صحبتاه كنت أنا وهو في الجنة، وفرق بين إصبعيه)[ صححه الألباني في السلسلة الصحيحة،وقال : أخرجه الخطيب في تاريخه] . وعن أبي وائل عن عبد الله قال: قال:رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من كانت له بنت أدبها فأحسن أدبها ،وعلمها فأحسن تعليمها،وأسبغ عليها من نعم الله التي أسبغ عليه كانت له ستراً(أو حجاباً) من النار) قال الحافظ ابن حجر في الفتح:أخرجه الطبراني بسند واه.
فلو تدبر كثير من الآباء هذه الأحاديث لما ضجروا وتبرموا من البنات ، ولأقبلوا عليهن بكامل المحبة والرعاية طلبا لتلك الهبات الربانية الغامرة ، واثقين بحكمة الله عز وجل الذي يقول: { وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَاتَعْلَمُونَ(216)} [سورة البقرة].
فهذه أمثلة من فضائل الإسلام الكثيرة على المرأة حتى قبل كونها زوجة أو أما ، وقد رفع قدرها وهي بنت ، ورعى كرامتها وصان عفتها . وأي رفعة وتكريم أعظم وأرفع من ترغيب الرجال بالجنة ومعية المصطفى صلى الله عليه وسلم، ووقايتهم من النار إن هم أحسنوا إلى البنات، وقاموا عليهن بالرعاية الكاملة .فما أعظم هذا الأجر، وما أجلّ هذه المنزلة ! .
وجدير بالمرأة وهي المعنية بهذا المقام الرفيع، وبالرجل وهو المعني بالثواب العميم، أن يقدرا فضل الله العظيم بهذه الهبات الربانية الكريمة التي لا توجد في شريعة قديمة ولا حديثة غير شرع الله جل وعلا. وذلك سواء كان البنات من أبناء الرجل أو من غير أبنائه على شرط العناية والرعاية لهن بإحسان، وهي الصفة الجامعة لكل الشروط الواردة في الأحاديث السابقة وغيرها:( فأحسن إليهن ، يؤويهن ، يكفيهن ، يرحمهن ).
و الإحسان إلى البنات ليس بالمأكل، والمشرب، والملبس ونحوها فقط، بل يكون بتربيتهن التربية الإسلامية، وتعليمهن، وتنشئتهن على الحق، والحرص على عفتهن وصونهن، وبعدهن عما حرم الله من التبرج والسفور وغيره..
وعلى قدر ما ورد في رعايةِ البناتِ من فضل ، تعظم مسؤولية التفريط في حقهن والتساهل في أداء الأمانةِ تجاههنَّ، و(كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته) [رواه البخاري، حديث رقم 844].
فيجب على الأب الحازم أن يربي ابنته منذ الصغر على الطاعة و يحبب إليها الإيمان ويزينه في قلبها، ويكره إليها الكفر والفسوق والعصيان، ويغرسَ في قلبها بذرةَ التقوى، وينمِّي في شعورها مخافةَ الله ومراقبته، ويُغذي وجدانها بمحبَّةَ الله ومحبَّة رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - والطاعة لأوامر الله ورسوله، مع تعليمها منذُ صغرها الواجبات الشرعيَّة، والآداب الإسلامية. ويتحرى معها منهج الرفق والرحمة واللطف دون قسوة ولا جفاء . فإن البنات ضعيفات وعاطفيات ، وهن أحوج إلى خطاب الرفق والتقدير والحنان .وهذا منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع بناته ففي الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني:( أن فاطمة رضي الله عنها كانت إذا دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم قام إليها فأخذ بيدها وقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبلته وأجلسته في مجلسها). وروى البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( كان يصلي وهو حامل أمامة بنت ابنته زينب ، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها )؛ فأين نحن من التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم؟. فبمثل هذا الحنان والعطف يمتلئ قلب الفتاة بالحب وتتشبع نفسيتها بالثقة والأمان. وحين يقصر الأب في ذلك وتشعر البنت أنها فقدت الأمان عند أبيها وإخوانها فإنها ستخدع بمعسول الكلام وتتلقفها الأيادي الكاذبة الماكرة الخادعة التي ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب.
كما أن من الخطأ الإفراط في العطف واللين فتحظى البنت بحرية زائدة وثقة مطلقة تتحول إلى تفريط في المراقبة والمحاسبة ، بتركها تذهب حيث تشاء كما تشاء بتعلة الثقة فيها وفي أفعالها ، في زمن الفتن والماديات وكثرة المغريات وقلة الروحانيات. كما من الخطأ الاهتمام فيها بالتعليم المدرسي مع التفريط في التعليم الديني ، فتنشأ البنت وتكبر جاهلة بكتاب الله وسنة رسوله ، ولا تعرف كثيراً من أحكام الصلاة والحيض والنفاس وغيرها مما تحتاجه لشبابها ومسؤوليتها زوجة وأما ومربية .
الخطبــــة الثانيــــة
يقول الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(6)} [سورة التحريم].
خطاب قرآني توجيهي حكيم ، يقرر مسؤولية المؤمنين في أسرهم , وواجبهم نحو أهليهم . والبيت المسلم نواة المجتمع الإسلامي الذي يريده الإسلام مكينا حصينا فاضلا ، يصون لأفراده إيمانهم وكرامتهم .لذلك يهيب القرآن الكريم بالذين آمنوا أن يؤدوا واجبهم في بيوتهم بالتربية والتوجيه والتذكير، رعاية للأهل جميعا وتحملا للمسؤولية الدينية والدنيوية في العمل على وقايتهم من النار ، والأبناء من الأهل ،وإنما تكون وقايتهم بحسن تربيتهم التربية الإسلامية السليمة على الإيمان والتقوى وحسن الخلق ، وذلك ما يقودهم في حياتهم إلى ما يرضي الله تعالى من الأقوال والأفعال ويجنبهم المفاسد والشرور والمنكرات . وفي شريعة ديننا بين القرآن والسنة وتجارب أسلافنا ، برنامج كامل وشامل في القواعد والضوابط التربوية والتعليمية السامية اللازمة في إعداد أبناء الأمة للصالحات وفعل الخيرات . يدركها ويقدرها العارفون بحكمة دين الله وفضله .
ومن المؤسف أن تجد من المسلمين من يستهين بأصول التربية الإسلامية في تنشئة أبنائهم منبهرين بقيم المدنية الغربية ، أو يستسهلون أمر تربية البنين والبنات عموما ، ويقللون من شأنها ، أو يتوهم بعضهم تربية البنات يسيرة ولا تستحق منهم كبير عناية ، أو يرون أن الأنسب في معاملة البنات هو الشدة والحزم والصرامة إلى حد الضرب والحرمان وأنواع الإيذاء البدني والنفسي ، منساقين مع إرث من التصورات والعادات السائدة خلاف منهج الإسلام .
ومعلوم أن البنات إناث موصوفات بالضعف والرقة والنعومة{ أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18)}[سورة الزخرف]، فلا يصلح معهن من الشدة والغلظة ما قد يعامل به بعض الآباء الذكور من أبنائهم . ولذلك تحتاج تربيتهن إلى ما يتناسب مع رقتهن وتكوينهن الفطري، وهنا يحضر التوجيه النبوي البليغ: ( رُوَيْدَكَ يَا أَنْجَشَةُ؛ لَا تَكْسِرْ الْقَوَارِيرَ)[ البخاري ، حديث رقم 5743]. وقد يظن بعض الآباء أن دورهم التربوي للبنات ينحصر في توفير الملبس والمأكل والتمدرس ومعاقبة من خالفت أو أساءت، وقد يلقي بتبعة الحمل التربوي على عاتق الأم وحدها ، ويجهل أن تربية البنات أمانة وعملية مشتركة بين الأب والأم لا يغني أحدهما عن الآخر.
إن تربية البنت رحلة عناية رشيدة ودقيقة ترافقها في كل أطوار عمرها من الطفولة إلى الزواج ، وتنطلق مع ولادتها حيث تلقن الشهادة في أذنيها لتنشأ على كلمة التوحيد والشهادة ، ثم يكون الرضاع في عامين كاملين لتنال التغذية الكاملة ، مصحوبة في رضاعها بتغذية روحية وعاطفية سليمتين ، ويتاح لها من اللعب ما ينمي فيها الملكات الفطرية السوية و الذكاء والابتكار والتعلق بالمنزل وحبه ، حيث تنمو شخصيتها بجانب أمها تستمد منها الحنان والعطف والحب والاحترام ، و التغذية الروحية التي تساعدها على أداء واجباتها الدينية بإخلاص إلى الله تعالى فيما بعد .ومن طبيعة ضعف البنت أنها تطلب الأمان وتنشده عند أبيها وتتطلبه في بيته ، ولهذا يلزمه توفير الأمان النفسي لابنته قبل الأمان المادي وإلا فحين يقصر وتشعر البنت بفقدانه عند أبيها وفي بيت أسرتها ستطلبه خارجه ، وذلك منطلق الانحراف . فإذا كانت الأم قدوة لابنتها في الأنوثة ونظرتها للمرأة عموما ، فإن أباها قدوة لها في مقياس الرجولة ، ومنه تستمد نظرتها للرجال ومعيار الحكم عليهم، فبقدر ما يكون متفهما لدوره التربوي مقدرا لمشاعرها يزداد إعجابها به ويغدو مثلا لها ومقياسا لتقييم الرجال ، وحين تتمنى زوجا لها ترجوه شبيها بأبيها في أخلاقه وسلوكه؛ ولهذا قيل ( كل فتاة بأبيها معجبة).
ومجمل الرعاية التربوية للبنت في مدرسة الأسرة أن تجد البيئة التربوية الطيبة ، والاسم الحسن الذي يشرفها ،وتنشأ على منهج المحبة والعطف والرفق ، وسلامة الرعاية البدنية والنفسية والعقلية ، محمية من عوامل القلق والاضطراب والتناقض ، مشبعة بصحبة الأمومة الحانية ، والأبوة الحازمة ، تعيش بينهما على مشاعر الثقة والرضا ، وترى فيهما القدوة الصالحة في الإيمان والخلق ، طاعة لله تعالى واستقامة على دينه ،وتحظى بينهم بالعدل بينها وبين إخوتها من الذكور والإناث. ولابد من تعليمها العلم النافع لها في دينها ودنياها ، وتمهيرها على ما تتحمل به مسؤولية بيتها زوجة وأما ومربية ،ومراقبتها في صحبتها لرفيقاتها ، ثم المبادرة إلى تزويجها إذا بلغت مبلغ النساء بمن يرضى بدينه وأمانته وخلقه وذلك من أعظم الإحسان ، وبعد تزويجها تتبع بالصلة والنصح وتلمس حاجاتها وعلاج ما يعترضها من المشكلات بحكمة وروية، ومشاركتها في أفراحها وأتراحها ، دون تدخل في شؤونها الزوجية الخاصة .
وفي كل الأوقات والأحوال لا يقصر الأبوان في أهمية الدعاء للبنت كما لجميع الأبناء ، بالهداية والصلاح والفلاح والعفاف ، بصدق وإخلاص و إلحاح ،وتلك من وصايا القرآن والسنة ، تأسيا بالأنبياء ، وخاتم المرسلين عليه الصلاة والسلام .
﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾
﴿ ربِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء ﴾
جعلني الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.