2014/11/22 ميلادية
السبت 30/1/1436 هجرية    
المسجد منبر الجمعة عمر بن الخطاب رضي الله عنه
lang_03 lang_05  lang_07  lang_09

. . .



عمر بن الخطاب رضي الله عنه طباعة إرسال إلى صديق
منبر الجمعة
الكاتب الشيخ: عبدالله بن علي الغامدي   
الاثنين, 23 يوليو 2012 02:13
Share

Share

بسم الله الرحمن الرحيم

خطبة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( الفاروق )


الحمد لله أودع في هذه الأمّة رجالاً هم مصابيحُ دجاها ونجومُ سماها .. تشرئبّ عند النظر إليهم الأعناقُ؛ لأنها تبصر أقوما صدقوا ما عاهدوا الله عليه؛ فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً ..وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي أخرج جيلاً من الأصحاب يتعطّر التاريخ بذكرهم ، وتتجمّل الدنيا بخبرهم؛ فها هو صلى الله عليه وسلم يحدّث عن أحدهم فيقول:( لو كان بعدي نبي؛ لكان عمر )[رواه الترمذي، وحسنه الألباني]، وقال عنه مرة رضي الله عنه وأرضاه :


( بينما أنا نائم رأيتُ الناس يُعرضون وعليهم قُمُص فمنها ما يبلغ الثدي ، ومنها ما يبلغ دونَ ذلك، وعُرض عليَّ ابنُ الخطاب وعليه قميص يجترّه)، قالوا: فما أوَّلته يا رسول الله ؟ قال:( الدِّين)[رواه البخاري].صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

 

ايها المؤمنون ..أوصيكم ونفسي بتقوى الله عزّ وجلّ .. والعيش دائماً مع سيرِ الصحابة والصالحين من هذه الأمة .. لتعلوَ همتكم ، وتزكوَ أرواحكم .

 

أيها المؤمنون.. من منّا لا يعرف عمر فاروقَ هذه الأمة، الذي قال عنه ابنُ مسعود رضي الله عنه: " كان إسلامُ عمر فتحاً ، وهجرتُه نصراً ، وإمارتُه رحمة". إن القلم ليحار .. وإن البيان ليعجز أيَّ مآثره يسطر .. وأيَّ بطولاته يذكر.. كان عمر رضي الله عنه ممن شهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها، وأولُ من دُعي من الخلفاء بأمير المؤمنين، وأولُ من كتب التاريخ من الهجرة النبوية، وأولُ من جمع الناس على صلاة التروايح، وأولُ من عسَّ بالليل، وحمل الدّرة وأدب بها، وأولُ من أنار المساجد بالقناديل..وقد فتح الفتوح، ووضع الخراج، ومصّر الأمصار، واستقضى القضاة، وفرض الأعطيات، وحج بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حجة حجَّها ..وهو الذي أخرج اليهود من الحجاز والشام، وأولُ من دوَّن الدواوين .

 

أمة الإسلام..تعالوا نقلب صفحات من حياة الفاروق رضي الله عنه..نستلهم الدروس والعبر..فقد حثنا نبينا صلى الله عليه وسلم على اتباع سنته وسائر الخلفاء الراشدين؛ حيث قال:( من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا؛ فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ)[رواه ابن ماجة، وصححه الألباني]..

 

قَدِمَتْ رفقة من التجار المدينةَ فنزلوا المصلَّى؛ فقال عمر لعبد الرحمن بن عوف: هل لك أن تحرسهم الليلة من السَّرْقِ ؟ فباتا يحرسانهم (وهو الخليفة)، ويصليان ما كتب الله لهما؛ فسمع عمرُ بكاء صبي فتوّجه نحوه فقال لأمِّه : اتقي الله وأحسني إلى صبيكِ، ثم عاد إلى مكانه، فسمع بكاءَه؛ فعاد إلى أمه فقال لها مثلَ ذلك ، ثم عاد إلى مكانه، فلما كان آخرُ الليل سمع بكاء الطفلِ؛ فأتى أمَّه فقال: لها ويحكِ إني لأراك أمَّ سُوء، مالي أرى ابنك لا يقرُّ منذ الليلة ؟ قالت: يا عبد الله قد أبرمتني منذ الليلة؛ إني أدربه على الفطام فيأبى [ أي أريد منه الامتناع عن ثدي فيأبى ] قال عمر: ولِمَ ؟ قالت: لأن عمر لا يفرض إلا للفُطَّم. قال: وكم له ؟ قالت: كذا وكذا شهراً .قال : ويْحَكِ لا تعجّليه فصلّى الفجر وما يستبينُ الناس قراءته من غلبة البكاء ، فلمّا سلّم قال: يا بؤساً لعمر ؛كم قَتل من أولاد المسلمين !! ثم أمر مناديا ينادي أن لا تُعجّلوا صبيانكم عن الفطام؛ فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام ،وكتب بذلك في الآفاق: أن يُفرض لكل مولود في الإسلام ..الله أكبر .. ما أعظم الإسلام َ  حينَ يصنعُ الرجال ..

 

أما الآن فكم من بطون جائعة .. وأجساد عارية .. أين من عليها يشفق ولفقرها وعوزها يواسي .. في الوقت الذي يرى ويسمعُ فيه المسلم عن بيوتات كثيرة للمسلمين يبيت أهلُها شباعاً متخمين ومن جيرانهم الأقربين من لا يملكون ما يطعمون فكم بات أطفالهم جوعى يبكون ..

أما عمر فشأن آخر كان إذا هدأت العيون ، ونامت الجفون جاب سكَكَ المدينة وطرقَها؛ علّه يجد ضعيفاً يساعده أو فقيراً يعطيه أو مجرماً يؤدّبه ..

وليس على مثلكم تخفى قصةُ الأم مع صبيتها الذين ناموا من كثرة البكاء جُوّعاً وهي تعللهم بقدر فارغ تشعرهم أن به طعام ولا طعام ..فما كان من عمر إلا أن أتى يحملُ على ظهره كيساً من برّ وقام بنفسه ينفخ النار ويحرك الطعام .. فصدق فيه قول من قال:


ومن رآه أمام القدر منبطحاً                      والنار تأخـــــــــــــــذ منهُ وهو ي


وقد تخلّل في أثناء لحيـــته                        منها الدخان وفوهُ غاب في فيها


رأى هناك أميرَ المؤمنين على                     حـــــــــــــــال ترَوع لعَمرُ الله رائيها


يستقبل النار خوف النار في غده                  والعين من خشية سالت مآقيها

 

إنه عمرُ الخليفةُ .. والحاكم الشرعي الذي جعل نُصبَ عينيه يوم أن ولي أمر المسلمين قولَ الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: ( إن الله تعالى سائل كلَّ راع عما استرعاه أحفظ ذلك أم ضيعه ؟ حتى يُسألَ الرجلُ عن أهل بيته )[أخرجه السيوطي في الجامع الصغير،وحسنه الألباني] .

 

إن المتأمل لحياة عمر رضي الله عنه قد ينصرف ذهنه إلى أن المخاطب بمثل مواقفه العظيمة في تتبعه لحال رعيته وقيامه بالعدل فيهم، وما يرتبط بذلك إنما يُخاطبُ به من قلّده الله أمر المسلمين فقط ويُسدِلُ على نفسه هو الستار ، وما علم أن كل أحد منَّا مخاطب بهذه المثل السامية .. والقيمِ العالية، سواءٌ أكان أباً لأسرة، أو مديراً في مدرسة، أو مسئولاً في دائرة، أو كفيلا لعمال، أو مؤتمناً على حقوق للمسلمين؛ عندها نعلم جميعاً: أن كل راع مسئول عن رعيته .

 

أخي الكريم ..عُرف عن عمر قبل إسلامه شدته على المسلمين الأوائل في مكة...أما يوم أن ملأ الإيمانُ جوانحه .. وأشرقت الهداية على حياته؛ فهو المتمثل لقوله تعالى:{ .. أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ .. (54)}[المائدة]، كيف لا وطلحة بن عبيد الله يقول : خرج عمر ليلة في سواد الليل فدخل بيتاً؛ فلمّا أصبحتُ ذهبت إلى ذلك البيت فإذا عجوز عمياءَ مقعدة فقلت لها: ما بال هذا الرجلُ يأتيك ؟

فقالت إنه يتعاهدُني مدّة كذا وكذا، يأتيني بما يُصلحني، ويُخرج عنّي الأذى؛ فقلت في نفسي: ثكِلتك أمُّك يا طلحة؛ أعثرات عمر تتبع .

 

ومع ذلك كله فقد كان عمرُ شديدَ البأسِ في ردّ المظالم وإقامة العدل في رعيته رضي الله عنه وأرضاه، وكان له هيبة يخبر عنها الرسول الكريم بقوله صلى الله عليه وسلم: ( إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس قد فرّوا من عمر )[رواه الترمذي، وصححه الألباني] .

 

وهذا صهيب رضي الله عنه يقول: " لما أسلم عمر ظهر الإسلام، ودعى إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقا، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتي به "[الطبقات الكبرى لابن سعد].

 

أيها المؤمنون .. إن كلَّ دارس متدبر للصفحات المشرقة من حياة عمر لابد وأن يستوقفه عدلُه الذي طار في الآفاق ذكراً ..أخرج الإمام مالك في (الموطأ ح/1206) عن سعيد بن المسيب: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اخْتَصَمَ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ وَيَهُودِيٌّ فَرَأَى عُمَرُ أَنَّ الْحَقَّ لِلْيَهُودِيِّ؛ فَقَضَى لَهُ. فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: وَاللَّهِ لَقَدْ قَضَيْتَ بِالْحَقِّ .فمن عدله لم يحمله كفر اليهودي على ظلمه ..

وها هو رجل من أهل مصر يشكو إلى عمر ظلم ولد من أولاد عمرو بن العاص ضربه بالسوط بعد أن تسابقا، فسبقه المصري، وهو يقول: أنا ابن الأكرمين؛ فكتب عمر إلى عمروٍ رضي الله عنهم جميعاً وكان والي مصر وقتها يأمره بالقدوم وابنه معه فقال عمر: أين المصري ؟ ثم قال: خذ السوط واضرب ابن الأكرمين... ثم قال لعمروٍ قولته الخالدة: ( أيا عمرو منذ كم استعبدتم الناس وقد وَلدتُهم أمهاتهم أحراراً ؟ قال: يا أمير المؤمنين لم أعلم ولم يأتني .[كنز العمال].

 

أخي الكريم ..هذا المشهد غنى عن التعبير وهو غيظ من فيض..كم نحن بحاجة أن نتملاّه دائماً عندما نرى صوراً من الظلم يتجرّعها الضعفاء والوافدون، ويتألم لها الذين لا ظهر لهم، ولا واسطة ممن لا ناصر لهم إلا الله.. فكم من حقوق ضاعت، ومظالمَ وقعت؛ ولأن أحد أطرافها من أبناء الأكرمين أُّسدل عليها الستار ولم تُؤخذ بعين الاعتبار؛ لذا قال صلى الله عليه وسلم: ( ما من أميرِ عشيرة إلا وهو يُؤتى به يوم القيامة مغلولاً حتى يفكَّه العدل أو يوبقه الجور )[أخرجه السيوطي في الجامع الصغير، وصححه الألباني].

 

لذلك أخي المشفق من عذاب الله! لا تتخذ من منصبك أو جاهك أو ما قُلّدت من أمور المسلمين سُلماً تصعد به على أكتاف المظلومين؛ فإن المقسطين يوم القيامة على منابر من نور، واتق دعوة المظلوم فليس بينها وبين الله حجاب، واعلم أن المصطفى صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الله لا يُقدّس أمة لا يأخذ الضعيف حقه من القوي وهو غير متعتع )[أخرجه السيوطي في الجامع الصغير، وصححه الألباني] .

 

ولكنَّ عمر طراز فريد يتملكك من سيرته العجب عندما تراه إذا ما نهى الناس عن شيء جمع أهله فقال:" إني قد نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم كما ينظر الطير إلى اللحم؛ فإن وقعتم وقعوا ، وإن هبتم هابوا، وإني والله لا أُوتى برجل منكم وقع فيما نهيت الناس عنه إلا ضاعفت له العذاب لمكانه منّي، فمن شاء منكم أن يتقدّم ومن شاء فليتأخر" .


كم خفت في الله مضعوفاً دعاك به                         وكم أخفت قوياً ينثني تيهاً


فمـــا القـــــــوي قوياً رغــــم عزتــــه                       عند الخصومة والفاروق قاضيها


ومــــا الضــــعيف ضعيفاً بعد حجته                               وإن تخاصم واليها وراعيها



اللهم ارض عن عمر وعن الصحابة الأكرمين، ونسأل الله أن يجمعنا بهم أجمعين .....


أيها المؤمنون...ويدخل عام الرمادة سنة ثمان عشرة للهجرة فيهلك الناس جوعا، عام جف فيه الضرع ويبس الزرع؛ فحلف عمر رضي الله عنه وهو الخليفة ألا يأكل سمنا حتى يرفع الله الضائقة عن المسلمين، فلا إدام له إلا خبز وزيت .. فوقف يوم الجمعة خطيبا في الناس وعليه ثوب به ثنتا عشرة رقعة..وقف وأمعاؤه تلتهب جوعا فسُمع لبطنه قرقرة؛ فقال له:" قرقر أو لا تقرقر , والله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين"، وكان قد ضرب لنفسه خيمة مع المسلمين حتى يباشر بنفسه توزيع الطعام على الناس وهو يبكي ويقول: "الله يا عمر , كم قتلت من نفس" .

 

إن جاع في شدة قومٌ شركتــــــهم                              في الجوع أو تنجلي عنهم غواشيها


جوع الخليفة والدنيـــــــــــا بقبضته                              في الزهد منزلة سبـــــــحان موليها


يوم اشتهت زوجه الحلوى فقال لها                            من أين لي ثمن الحــــــلوى فأشريها


لا تمتطي شهوات النفس جامحة                              فكسرة الخبز عن حلــــــــواك تجزيها


فمن يباري أبا حفص وسيـــــــــــرته                           أو من يحاول للفـــــــــــــــاروق تشبيها

 

وهاهو رضي الله عنه يأمر في ذلك العام  بذبح جزور، وتوزيع لحمه على أهل المدينة؛ فيبتدر القائمون بهذه المهمة فيطبخون للخليفة أطيب ما فيها، فيجد عمر على مائدته شيئا لم يعهده من قبل؛ فيغضب غضبة عمرية وهو يقول:"بخ بخ, بئس الوالي أنا إن طعمت أطيبها وتركت أطفال المسلمين جوعا". ويصيح بمن فعل و هو يقول:" أتريدني من الذين يقول لهم الله يوم القيامة: {..أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بها .. (20) } [الأحقاف].

 

أخي الكريم...لا أظن طرفك بعد هذا المشهد المؤثر إلا قد جال أرجاء المعمورة وقلب صفحات التاريخ باحثا عن حاكم فعل فعل عمر أو قاربه ..

ولكن لماذا دائما نشعر أن الخطاب وضرب الأمثال لغيرنا لا لنا؟ وأن المخاطب بمثل هذا هو الراعي لا الرعية؟!! .. ألسنا جميعا إلا من رحم الله نشكو الإسراف في ولائمنا ... و التبذير في معاشنا .. وأصبحنا نخشى تحول عافيته ونعمته عنا ..

 

هذا عمر قد عرفناه حال البأساء و الضراء , يصبر على الجوع والعطش حتى تسعد رعيته، فما حاله في السراء والنعماء؟

 

إنه من أعف المسلمين عن أموالهم، قد ملك أطرافا من الدنيا قد تباعدت بعد أن فتحتها جيوش المسلمين ..ومع ذلك تأتيه كنوز كسرى تحمل إليه جليلها و صغيرها من ذهب وأساور وفضة وتيجان؛ فيبكي يوم أن رآها - رضي الله عنه – وقال:"  إن قوما أدوا هذا لأمناء".. فقال له علي رضي الله عنه وأرضاه: "عففت فعفت رعيتك، ولو رتعت لرتعوا" ..

 

نعم .. إن الناس على دين ملوكهم .. وإذا أردت أن تعرف ذلك؛ فهاهو الفاروق رضي الله عنه يحدث عنه عبد الله بن عامر بن ربيعة فيقول: "حججت مع عمر , فما ضرب فسطاطا [أي خيمة]ولا خباء , كان يلقي الكساء مع النطع [بساط يفرش على الأرض]على شجرة ويستظل تحتها"، ولذا مات رضي الله عنه وعليه من الديون ما بلغ سبع وثمانين ألفا .. فما كان رضي الله عنه ليستغل منصبه لقضاء دينه، بل ولا حتى ليتنعم بذلك ويترفه ..

 

وراع صاحب كسرى أن رأى عـــــمرا              بين الرعية عُطْلا وهو راعيـــــــــها


وعهده بملوك الـــــــفرس أن لهــــــا              سورا من الجند والأحراس تحميها


رآه مستغرقا في نــــــومه فــــــــرأى              فيه الجـــلالة في أسمى معانيها


فوق الثرى تحت ظل الدوح مشتملا              ببردة كاد طـــــــــــول العهد يبليها


فهان في عينـــه ما كان يكبــــــــــره              من الأكاســــــــــــر والدنيا بأيديها


وقال قولة حقا أصبــــحت مثــــــــــلا               وأصبح الجيل بعد الجيـــــل يرويها


أمنت لما أقمت العـــــدل بينهــــــــم               فنمت نـــــــوم قرير العين هانيها

 

إنها الأمانة في أبهى معانيها ..... أمانة ناءت عن حملها السماوات والأرض والجبال وحملها الإنسان ..

 

لقد خرج عمر يوما في عز الظهيرة، وقد استكن الناس في بيوتهم من لفح الشمس ولهيبها، وعمر على إثر بعيرين يركض خلفهما .. قد حل عقلهما، وكانا من إبل الصدقة؛ خشي أن يسأل عنهما!!

 

فأين هذا من أناس إذا قيل لهم: اتقوا الله في أموال المسلمين؛ لا تأكلوها بغير حق. قالوا: الخير كثير، أو قالوا: أكل الناس فأكلنا، أو يتحاقر في نفسه ما اقتطع من مبيعات أو تموين وإعاشة أو غش في مناقصة أو خارج دوام لا حقيقة له؛ فإذا ما خوف بالله .. وقيل: كيف تطعم أولادك الحرام؟ قال: يا أخي أنت في زمن لو اقتصرت فيه على الراتب الوظيفي لافتقرت، ولكن كن ذئبا و إلا أكلتك الذئاب ... فلا إله إلا الله

وعليه فإذا أكل الكبير و الصغير، وأكل الموظف والوزير، وأكل الحارس و المسئول .. فذاك يرتشي، وهذا يخادع، وآخر يزور، ورابع ينتهز الفرص؛ فما هي النتيجة إذا؟

فلا غرو بعد ذلك  إن لم نتناصح ونتواصى: أن نكون ممن ترفع في زمانهم الأمانة كما قال صلى الله عليه وسلم يحدث عن رفع الأمانة آخر الزمان:( فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ فَلا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ؛ فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا)[رواه البخاري].

ومن الأمانة ما علمناه عمر في توليه على الأمصار و المسئوليات؛ فكان يحرص كل حرص على أن يكونوا أتقياء شرفاء، يخرجون من ولاياتهم كما دخلوها؛ فقد كان يحصي أموالهم قبل الولاية ليحاسبهم بها إذا زادت عن الحد المعقول قبل توليهم, ومن تعلل منهم باتجاره كان يقول له إنما بعثناكم ولاة ولم نبعثكم تجارا.

إنها مسئولية التكليف لا التشريف .. التي تعلم أن المصطفى صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ كَانَ غلُولًا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)[رواه مسلم].

ورحم الله عمر فلقد كان يأمر ولاته جميعهم أن يحضروا الحج؛ فيسائلهم، وينظر في أحوال رعيتهم ..

قال يوما لمن حوله: أرأيتم إذا استعملت عليكم خير من أعلم ثم أمرته بالعدل أكنت قضيت ما علي ؟ قالوا: نعم. قال: لا ؛ حتى أنظر في عمله أعمل بما أمرته أم لا ؟..

 

أيها المؤمنون ...هذه سيرة عمر رضي الله عنه وأرضاه في خلافته وسياسته، وما كان من شأنه في أمر المسلمين ..

فيا ترى هل تسيير الجيوش وتدوين الدواوين .. وتمصير الأمصار وما كان من حال عمر في ذلك كله شغله عن محاسبة نفسه وتزكيتها بألوان من الطاعات؟ كلا .. فما سمعته أخي الكريم يخص به ذكرا دعاة الخير والإصلاح، من يسول لهم الشيطان أن أعباءهم ثقيلة، ومسئولياتهم في إصلاح المجتمع كثيرة عندها لا حرج من التفريط في النوافل وإهمال السنن، وهجر القرآن، وترك الصيام؛ بحجة التعب والإعياء؛ فهذا عمر رضي الله عنه له في رسوله صلى الله عليه وسلم أسوة وقدوة؛ تسأله زوجه: يا أمير المؤمنين أراك بالليل لا تنام، وبالنهار لا تنام؟ فقال لها :

إن نمت بالليل ضيعت نفسي... وإن نمت بالنهار ضيعت رعيتي !!

وعن عبد الله بن عيسى قال: "كان في وجه عمر خطان أسودان من البكاء".

وعن سعيد بن المسيب رحمه الله قال: "كان عمر يحب الصلاة في جوف الليل"، وكان رضي الله عنه وأرضاه يمر بالآية فتخيفه .. وفي بعض الروايات فتخنقه فيبكي حتى يسقط، ويلزم بيته اليوم واليومين، حتى يعاد ويحسبونه مريضا ...

أما خوفه وخشيته؛ فكان رضي الله عنه وأرضاه كالطير الحذر، الذي يرى أن له بكل طريق شركا يأخذه ..

قال أنس رضي الله عنه دخلت حائطا [أي بستانا] فسمعت عمر يقول : (وبيني وبينه جدار) عمر بن الخطاب أمير المؤمنين والله لتتقين الله يابن الخطاب أو ليعذبنك الله...

 

الخطبة الثانية :


الحمد لله المعز للإسلام بأحب العمرين .. فكانت رحمته مهداة لعمر أمير المؤمنين ..والصلاة والسلام على الأسوة والقدوة للخلق أجمعين القائل: ( بينا أنا نائم أُوتيت بقدح لبن ، فشربت منه حتى إني لأرى الرىَّ يخرج من أظفاري ، ثم أعطيت فضلي عمرَ بن الخطاب) قال من حوله: فما أوّلت ذلك يا رسول الله ؟ قال:( العلم )[رواه البخاري].صلى الله وسلم على آله وصحبه أجمعين .


عباد الله ..


وصدق المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ فها هو ذا ابن مسعود رضي الله عنه يقول: ( لو أن علم عمر وضع في كِفَّة ميزان ووضع علم أحياء الأرض في كِفَّة لرجح علم عمر بعلمهم ،ولقد كانوا يرون أنه ذهب بتسعة أعشار العلم )..وكيف لا يكون عمر كذلك والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه )[رواه الترمذي، وصححه الألباني].

 

أيها المؤمنون ..

مولى المغيرة لا جادتك غادية                             من رحمة الله ما جادت غواديها


طعنت خاصرة الفاروق منتقما                               من الحنيفة في أعلى مجاليها


فأصبحت دولة الإسلام حائرة                               تشكوا الوجيعة لما مات آسيها

 

قال سعيد بن المسيب رضي الله عنه: لما صدر عمر بن الخطاب منى أناخ بالأبطح، ثم كوم كومة بطحاء، ثم طرح عليها رداءه واستلقى، ثم مد يده إلى السماء فقال: "اللهم كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي؛ فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط"،  ثم قدم المدينة قال سعيد: فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل عمر رضي الله عنه وأرضاه شهيدا ..

 

نعم رجع وهو يتمنى الشهادة، قالت له حفصة ابنته حينما سمعته يسأل الله أن يرزقه موتاً في سبيله في مدينة رسوله صلى الله عيه وسلم :" يا أبتاه موت في سبيل الله، وقتل في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم"؛ فيجيب عمر:" سألت ربي وأرجوا أن يلبي لي ربي ما سألت" .. لقد رأى في المنام أن ديكا ينقره نقرة أو نقرتين فكان تعبيرها: أنه يقتل ..

 

لقد صلى الفجر وفي أثناء صلاته عدا عليه بخنجر مسموم ذي حدين" الفاجر المجوسي أبو لؤلؤة" .. فطعنه تحت خاصرته ثلاث طعنات، وطار العلج بسكينه لا يمر بها على أحد من المسلمين يمينا أو شمالا إلا طعنه حتى أصاب بها ثلاثة عشر رجلا مات منهم سبعة، وتناول عمر بيد عبد الرحمن بن عوف ودماؤه تنبعث فقدمه للصلاة، والناس في نواحي المسجد يقولون: سبحان الله سبحان الله؛ لما انقطع عنهم صوت عمر لا يدرون ما الخطب..

 

أما أبو لؤلؤة؛ فقد طرح عليه أحد المسلمين رداءه فلف عليه فقتل الغادر نفسه ..

 

فلما انصرف الناس قال: يا ابن عباس! انظر من قتلني؟ فجال ساعة، ثم جاء فقال: غلام المغيرة. قال: قاتله الله؛ لقد أمرت به معروفا، الحمد لله أن جعل قتلي على يد رجل لم يسجد لله سجدة ..

 

وكان رحمه الله ورضي الله عنه وهو يعالج سكرات الموت يسأل: "هل صليت؟ هل أكملت الصلاة؟" قالوا: لا . قال: "الله المستعان".

كانت كل أمانيه أن يتم الصلاة لم يسأل عن ولاية، ولا عن ولد، ولا عن أموال، وإنما سأل عن الصلاة؟

 

ولما احتمل إلى بيته رضي الله عنه، كان الناس لم تصبهم مصيبة بعد موت نبيهم بأعظم مما أصابهم يوم ذاك..أدخلوه البيت ووضعوا له وسادة؛ فنزعها وقال:" ضعوا رأسي على التراب؛ لعل الله يرحمني" ، وأخذ يبكي وهو يقول: "يا من لا يزول ملكه، ارحم من زال ملكه".

ودعا عمر أطفال المسلمين فدخلوا وهم يبكون فقبلهم واحدا واحدا، ومسح على رؤوسهم، وأتي بنبيذ فلما شربه خرج من جوفه، ثم أتي بلبن فشربه فخرج من جرحه؛ فعرفوا أنه ميت.

ودخل عليه الناس يثنون عليه، ومن بينهم شاب كان في ثوبه طول؛ فقال له:" يا بن أخي تعال" فدنا منه الشاب فقال له عمر:" ارفع ثوبك؛ فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك" [عمر ينصح حتى حال موته] وأمر عبد الله بن عمر أن ينطلق إلى أم المؤمنين عائشة يستأذنها أن يدفن مع صاحبيه وقال:" ولا تقل أمير المؤمنين؛ فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا".

فاستأذن عليها ابن عمر رضي الله عنهما فوجدها تبكي؛ فقال: ما أُمر به. فقالت: "كنت أريده لنفسي ولأوثرنه اليوم على نفسي".

وهكذا غادر عمر الدنيا مودعا إياها؛ فأين منه الأموال والقصور، وأين الصولة والصولجان، إن ميراث عمر: بيته من طين، ونعليه وثوب مرقع، ودرة.. وهذه كل دنيا عمر .... رضي الله عنه

 

ختاماً : إن مثل ما نحن فيه جميعاً من العيش مع سيرة عمر كمثل من يتداوى لعلل مجتمعه، وأدواء نفسه بتلك السيرة العطرة التي خلد لنا التاريخ ذكرها، وفاحت ثناياه بطيب عطرها :


روؤف على الأدنى غليظ على العدى           أخى ثقة في النائبات نجيب


متى ما يقل لا يكذب القول فعله             سريع إلى الخيرات غير قطوب


أيها المسلمون :وهنا وقفة لابد من إيضاحها.. وهي ما يتعلق بشأن عمل مسلسل يظهر فيه تمثيل عمر رضي الله عنه؛  هناك قواعد عظيمة في الشريعة وجوانب متينة في عقيدة التوحيد، تجلّت في شخصية عمر رضي الله عنه لأنه تخلّق بالقرآن في نفسه، وانطبعت حياته بذلك، فجاءت شخصيته تمثّل مضامين منها: قوته في الحقّ. عزّته الإسلامية. رفضه للتنازلات والمداهنات. سدّه لأبواب الشرّ والفتنة والقضاء عليها في مهدها. غيرته الدينية.محاربته للمنافقين. سعيه في سدّ ذرائع إثارة الشهوات المحرمة. منعه الجهر بالآراء المخالفة للشريعة. تأديب ومعاقبة المخالفين للشرع..

 

وحيث أن هذه الجوانب ربما تميع ولا تأخذ نصيبها؛ فيحدث ما نخاف منه وهو اختطاف الانطباع عن الشخصية العمرية في أذهان العامة، ومحاولة توجيه الجمهور المسلم إلى جوانب أخرى في شخصية عمر رضي الله عنه بعضها صحيح؛ لإخراج شخصية عمر في النهاية على أنها شخصية إدارية وإنسانية وسياسية، وتتقبّل الآخر فحسب. دون النظر إلى ما حباه الله من صفة التوازن  في شخصيته رضي الله عنه.


أيها المسلمون : لقد سئلت  اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية بما نصه:هل يجوز تمثيل الصحابة لأننا نقدم تمثيليات وقد أوقفنا إحداها رغبة في معرفة الحكم؟ فأجابت اللجنة بما نصه: تمثيل الصحابة أو أحد منهم ممنوع؛ لما فيه من الامتهان لهم والاستخفاف بهم وتعريضهم للنيل منهم، وإن ظن فيه مصلحة فما يؤدي إليه من المفاسد أرجح، وما كانت مفسدته أرجح فهو ممنوع. انتهت الفتوى.. لذلك أيها الإخوة يُمكن تحصيل أضعاف ما تحويه مثل هذه الأفلام من معلومات عن عمر رضي الله عنه  من المقروءات والمسموعات الكثيرة بدون سلبيات وتشويهات ودون انتقاص من هيبة الفاروق وحُرمته، ودون ما تحويه من مخالفات شرعية.

 

 

آخر تحديث: الاثنين, 23 يوليو 2012 16:55
 
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية


حب الإسلام يجمعنا