2012/02/08 ميلادية
الأربعاء 15/3/1433 هجرية    
المسجد منبر الجمعة نوائب الدهر وعزائم الصبر
English  |  oromo اردو   |   中文

. . .



نوائب الدهر وعزائم الصبر طباعة إرسال إلى صديق
منبر الجمعة
الكاتب حسين وهدان   
الخميس, 20 أغسطس 2009 03:08
Share

Share

الحمد لله ، علاَّم الغيوب ، ومبدد الهموم من القلوب ، وملهم الصبر والتسليم عند المحن والكروب ، سبحانه .. أرخى أسبال لطفه على عباده بما كان في أم الكتاب مسطورا، وساق إليهم من الحسنات منحا وأجوراً ، فله الحمد على ما قضى وعلى ما أنعم ، ولم يزل حليما غفورا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين . وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله ، وصفيه من خلقه وحبيبه .. خير من صبر على البلاء ورضي بالقضاء وشكر عند النعماء .. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين

أما بعد :-


فلا يكاد يمر يوم من حركة العباد والحياة إلا بأرزاقه من الأفراح والأتراح ، والناس قُلَّبٌ مع الزمان الذي يسر الخواطر حيناً ويصدمها بالنوائب أحياناً أخر ، وذاك طبع هذه الدنيا :

جبلت على كدر وأنت... تريدها صفواً من الآلام والأكدار ؟
ومكلف الأيام ضد طباعها... متطلب في الماء جذوة نار


فالذي يظن الأمن في الدنيا واهم وغارق في بحار الأماني الكاذبة؛ لأنها ليست دار أمان ولا راحة ، إنما هي للعناء خلقت ، والسعيد فيها هو الماهر بمدافعة كَبَدِهَا وشقائها ، قال الله تعالى:{ لقد خلقنا الإنسان في كبد } (البلد4) ، وغالب أمر المؤمن أنه أليف جراحها وعذابها باستصغار آلامها وضناها لقاء عذاب الآخرة ، وهو مع ذلك يردد مع القائل بإحساسه وقلبه حُداءً على طريق التزامه:

هون الأمر تعش في راحة كل ما هونت إلا سيهون
ليس أمر المرء سهلاً كله إنما الأمر سهول وحزون
ربما قرت عيون بشجيٍ مرمضٍ سخنت منه عيون
تطلب الراحة في دار العنا خاب من يطلب شيئا لا يكون


فوائد الصبر :
وحينما ينزل البلاء بساحة العباد تتغير أحوالهم بين جازع وراض ، فمنهم من يلقى أقدار الله في دنياه بالقنوط واليأس ، قد أهلك نفسه من كل جانب ، ومنهم من يشتمله الرضا والمصابرة ومغالبة النوائب بتحصيل الأجر وإعلاء بيان العبودية بالتسليم ، فهو المؤمن الذي يصبر عند البلاء وله الجوائز والمنح الموعودة في قوله تعالى : { وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون } ( البقرة 155 – 156) ، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه تعليقا على هذا النور الأسنى : [ نعم العِدلان ونعم العِلاوة . أراد بالعدلين: الصلاة والرحمة، وبالعلاوة: الاهتداء ] ( الجامع لأحكام القرآن– الإمام القرطبي جـ 1 صـ 666 ط 2/ 1996 م دار الغد العربي – القاهرة).

وأجور الصابرين لا تضيع ، بل لهم صك ضمانٍ تامٍّ بإدراك العوض المُرْضِيِّ لقلوبهم عن صبرهم وتجلدهم على ما رمتهم به الأيام ، قال الله تعالى { إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } ( يوسف 90(.

ولأهل الصبر بشارات من الملائكة الأطهار وصحبةٌ مباركةٌ وعشرةٌ طاهرةٌ في جنَّاتِ الخلود ، قال الله تعالى عن المؤمنين بعد ذكر طَرَفٍ من صفاتهم :{ جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلامٌ عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } (الرعد 23-24 .(

ومن فضل الله تعالى على أهل الصبر عند البلاء أنهم سيوفون أجورهم بلا حساب ولا ملام ، قال الله تعالى : { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } ( الزمر 10) وبيانا لذلك يذكر الإمام السيوطي رحمه الله تعالى : [ عن قتادة رضي الله عنه قال : لا والله ما هناك مكيال ولا ميزان .. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه قال : بلغني أنه لا يحسب عليهم ثواب عملهم ولكن يزادون على ذلك ] ( الإمام جلال الدين السيوطي – الدر المنثور في التأويل بالمأثور – نسخة اليكترونية على موقع " روح الإسلام " ] .. وصدق الله تعالى القائل :{ إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون } ( المؤمنون111 .(
وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { يؤتى بالشهيد يوم القيامة فيوقف للحساب ثم يؤتى بالمتصدق فينصب للحساب، ثم يؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينصب لهم ديوان! فيصب عليهم الأجر صبا، حتى أن أهل العافية ليتمنون في الموقف أن أجسادهم قرضت بالمقاريض من حسن ثواب الله } ( المنذري في الترغيب والترهيب جـ4 باب الجنائز / الترغيب في الصبر "15" وقال : رواه الطبراني من رواية مجاعة بن الزبير وقد وثق).

ومن أعظم الوصايا القرآنية المربية للنفوس على الصبر تلك التي جاءت على لسان لقمان الحكيم وهو يوصي ولده :{ واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور } ( لقمان 17) فالصبر اختبار ومنازل يرقاها العبد وقت البلوى أو يسقط على طريق الإيمان ، قال الله تعالى { {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ }محمد31 .[ وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : وجدنا خير عيشنا بالصبر ، وقال على بن أبي طالب رضي الله عنه : الا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، فإذا قطع الرأس بار الجسم ، وقال الحسن : الصبر كنز من كنوز الخير لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عنده . ] ( الإمام ابن القيم / عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين صـ 96 ط1 دار المنار – القاهرة)

عند الصدمة الأولى :
وعند هجوم المحن والمصائب على العبد يجب عليه أن يقابلها من أول وقوعها بالثبات والتجلد؛ حتى يتلاشى وقعها وتذهب ريحها، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
أتى نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم على امرأة تبكي على صبي لها، فقال لها:{ " اتّقي اللّه واصبري" فقالت: وما تبالي أنت بمصيبتي؟ فقيل لها: هذا النبي صلى اللّه عليه وسلم فأتته، فلم تجد على بابه بوابين، فقالت: يا رسول اللّه لم أعرفك، فقال ":إنّما الصبر عند الصدمة الأولى" أو "عند أول صدمةٍ "}( سنن أبي داوود 3124 باب الصبر عند المصيبة( .
وعن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها أن أبا سلمة حدثها أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { ما من مسلم يصاب بمصيبة فيفزع إلى ما أمر الله به ، من قوله: " إنا لله وإنا إليه راجعون ". اللهم عندك احتسبت مصيبتي، فأجرني فيها، وعوضني منها ، أجره الله عليها، وعاضه خيرا منها } .. قالت : فلما توفي أبو سلمة ذكرت الذي حدثني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت : إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم عندك احتسبت مصيبتي هذه . فأجرني عليها . فإذا أردت أن أقول : وعِضْنِي خيرا منها، قلت في نفسي : أُعَاضُ خيراً من أبي سلمة ؟ ثم قلتها. فعاضني الله محمدا صلى الله عليه وسلم. وآجرني في مصيبتي } ( سنن ابن ماجة1598)
.
فالخطوة الأولى: هي واجب العبد بمجاهدة القلب وشحنه بجرعات الصبر والثبات مع الرضا بالمقدور ، ومن ثَمَّ ؛ تتنزل النصرة الإيمانية عليه بالتعويض ورفع البلوى واكتساب أجر ورفع ورز وانعدام ضر ، قال الله تعالى : { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } (العنكبوت 69) فإن الهداية مهرها في ذرى الإيمان جهاد وبذل ، والله تعالى ينزل رحمته على من يطلبها من عباده ويأرز إلى كنف العزيز فيثبت على الطريق ولا تجتذبه المفجعات بالجزع الذي يفقده المرابح من كل سبيل .

الجزع مصيبة أخرى:
والجزوع قد خسر القضية في مجال إيمانه من أول جولة ، كأنه ناقم على ما قضى به مولاه ، غير راض بما قدر عليه وهو لم يزل في عالم الغيب مخفيا ، وكيف ذلك ونحن نرى صروف الأقدار تنزل بالغير على العباد ؟
لا بد من فقد ومن فاقد.. هيهات ما في الناس من خالد

قال ابن المبارك رحمه الله تعالى [ إن المصيبة واحدة ، فإذا جزع صاحبها فهما اثنتان؛ لأن إحداهما المصيبة بعينها ، والثانية ذهاب أجره ، وهو أعظم من المصيبة ] ( الإبشيهي –المستطرف في كل فن مستظرف بتحقيق د. مصطفى الذهبي صـ653 ط1 دار الحديث – القاهرة ) . والجزع صورة اليأس في القلب البادية على الوجه والله تعالى يقول : { إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون } (يوسف87 ).

من سير الصابرين على البلاء:
وقد ذخر تاريخنا الإسلامي بروائع الأمجاد الإيمانية التي خلدت معنى الصبر في نفوس المسلمين على مر العصور ، وقد كان أبطال تلك المواقف أشباه الملائكة في حسن معانيهم ، فهم زينة المجالس عبر مر الزمن ، والذكر للإنسان عمر ثان ، قال الله تعالى { وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ... } ( السجدة 24) ، منهم هذا الرجل العظيم " عروة بن الزبير " رضي الله عنه حين قدم على الوليد بن عبد الملك ومعه ابنه محمد [ وكان من أحسن الناس وجها ، فدخل يوما على الوليد في ثياب وشيٍّ ، وله غديرتان "ضفيرتان" وهو يضرب بيده فقال الوليد : هكذا تكون فتيان قريش ، فعانه " فحسده " فخرج من عنده متوسنا "نائما نوما خفيفا" فوقع في اسطبل الدواب فلم تزل الدواب تطأه بأرجلها حتى مات ، ثم إن الأكلة وقعت في رجل عروة فبعث إليه الوليد الأطباء فقالوا : إن لم تقطعها سرت إلى باقي الجسد فتهلك ، فعزم عليها فقطعها فنشروها بالمنشار فلما صار المنشار إلى القصبة وضع رأسه على الوسادة ساعة وغشي عليه ثم أفاق والعرق يتحدر على وجهه وهو يهلل ويكبر ، فأخذها وجعل يقبلها في يده ثم قال : أما والذي حملني عليك إنه ليعلم أني ما مشيت بك إلى حرام ولا إلى معصية ولا إلى ما لا يرضي الله ، ثم أمر بها فغسلت وطيبت وكفنت في قطيفة ثم بعث بها إلى مقابر المسلمين ، فلما قدم من عند الوليد المدينة تلقاه أهل بيته وأصدقاؤه يعزونه فجعل يقول : { لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا } ( الكهف 62) ولم يزد عليه ، ثم قال : لا أدخل المدينة إنما أنا بها بين شامت بنكبة أو حاسد لنعمة ، فمضى إلى قصر بالعقيق فأقام هناك ، فلما دخل قصره قال له عيسى بن طلحة : وأما والله ما كنا نعدك للصراع قد أبقى الله أكثرك ، عقلك ولسانك وبصرك ويداك وإحدى رجليك ، فقال له : يا عيسى ما عزاني أحد بمثل ما عزيتني به ] ( عدة الصابرين 97-98سابق ).
وقد أحسن أبو العتاهية بقوله:

1
2
3
4
اصبر لكـل مصيبـة    وتجلـد        واعلم بأن المرء غيـر    مخلـد
أو ما ترى أن المصائب  جمـة        وترى المنية للعبـاد    بمرصـد
من لم يصب ممن ترى بمصيبة؟        هذا سبيل لسـت فيـه   بأوحـد
فإذا ذكرت محمـدا    ومصابـه        فاذكر مصابك بالنبـي    محمـد



ولا شك أن أعظم المصائب ما كان منها في جانب الدين ، ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم {... ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ... } ( الألباني في صحيح الجامع 1268 عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما بسند حسن ) ؛ لأن كل المصائب تهون وهي ذاهبة بذهاب أوانها ويعوض الله تعالى خيرا منها إلا مصيبة الدين .
*****
وأخيراً ، ليس المطلوب في أمر الصبر هو أن ينسلخ المرء من آدميته فيميت مشاعره ، ومن ثم تستوى عنده كل الأمور ، كما صرح المعرِّي :

غير مجدٍ في ملتي واعتقادي نوح باكٍ ولا ترنم شادي
وشبيه صوت النعي إذ قيس بصوت البشير في كل ناد
أبكت تلكم الحمامة أم غنت على فرع غصنها المياد


لا ، فإن ذلك ضد الفطرة وهو أمر يعجز عنه بنو آدم ، وقد أظهر النبي صلى الله عليه وسلم لما قبض ابنه إبراهيم ما يفرج به عن مشاعره ، بل عدها رحمة ، فعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال : { دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القين ، وكان ظئرا لإبراهيم عليه السلام ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم فقبله وشمه ، ثم دخلنا عليه بعد ذلك ، وإبراهيم يجود بنفسه ، فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان ، فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه : وأنت يا رسول الله ؟ فقال : يا ابن عوف ، إنها رحمة . ثم أتبعها بأخرى ، فقال صلى الله عليه وسلم : إن العين تدمع والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزنون } ( البخاري في الجامع الصحيح 1303. (
ولا يغلب نوائب الدهر إلا عزائم الصبر.
والحمد لله في بدء وفي ختم.

 

 
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية


حب الإسلام يجمعنا
JoomlaWatch Stats 1.2.9 by Matej Koval