2010/07/31 ميلادية
السبت 19/8/1431 هجرية    

. . .



الأمل طباعة إرسال إلى صديق
منبر الجمعة
الكاتب حسين وهدان   
الخميس, 20 أغسطس 2009 03:12
الحمد لله حمداً يزيد النعم , ويدافع النقم , ويكافئ المزيد ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين ، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه , الداعي بالحق والناطق بالصدق ..اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه إلى يوم الدين .

أما بعـــد :

فإن المتابع للأحوال قد يرى ما لا يخفى على اللبيب إدراكه من المآزق التي تمر بها أمة الإسلام: من كيد الأعداء، والتفرق الذي كاد ينسينا هويتنا، وخصوصاً وأن العدو قد تبجح وتقوى.
ومن التأخر العام الذي تعانيه هذه الأمة في ماضيها وحاضرها على ظلال أرض العروبة والإسلام، أو في بلاد الاغتراب من هذا النكوص الذي تترجمه المشاكل الاجتماعية ؛ كوقوع الطلاق ، وانحراف الشباب ، واحتياج المرأة الدائم إلى التوعية الدينية ، وكذلك أولادنا وبناتنا.
إضافة إلى أننا نريد أن نلمس الأثر الفعّال لهذه الجمعيات والمراكز في القيام بواجبها على فقه وبصيرة وإخلاص .
ومع ندرة الحق وتفشي المنكر وسقوط الأخلاق قد ظهر في الأفق سحائب قنوط وعلائم يأس , فإذا بك لا ترى أحد اليائسين إلا مقطب الجبين , عاقد الحاجبين , مذهبه الدائم هو قوله : إنك تؤذن في خرابة، وتنفخ في قربة مقطوعة، ولا أحد معك.
ويرى مع ذلك أنه لا فائدة من السعي والعمل وقد حقت على الأمة ـ في نظره ـ أمارات الهزيمة والسقوط !! .
وقد وصف نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم هذه النفسية العجيبة بقوله: { إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلكهم } ( مسلم عن عبد الله بن مسعود 2623 ) .
إن المؤمن لا يعرف اليأس ولا يفقد الرجاء ما دامت فيه عين تطرف , قال نبي الله يعقوب لأولاده (( يَا بَنِيَ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ ))[يوسف:87].

نعم ؛ إن فقد رصيد كبير من الإيمان في قلب العبد قد يزري به إلى الكفر عياذاً بالله.

إن الأمل يجب أن يكون ملء القلوب في هذه الأمة ؛ ذلك الأمل الذي هو روح الحياة.. إنه يزود قلب المريض بالطمع في الشفاء , والغريب للعودة إلى وطنه , والطالب إلى إدراك النجاح , والموظف إلى الترقي ونيل الدرجات , والتاجر إلى الكسب وتحقيق الأرباح.

لأنه باختصار ؛ هو إكسير الحياة , فمن فقد الأمل فكأنه فارق الحياة .
وبالنسبة للأمة فالله حافظها وراعيها وهو سبحانه يمد المؤمنين بأسباب القوة وطول المراس لمقارعة الضلال وإحراز النصر في كل مجال.
قال الله تعالى: (( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ))[النور:55].
إنه وعد يثير الهمم ويحرك المشاعر ويملأ الصدور ثقة بأن الدور لنا لا علينا (( إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ ))[الصافات:172].
إنها سنة الله رب العالمين , قال صلى الله عليه وسلم: ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون ) [ البخاري عن المغيرة بن شعبة بسند صحيح 3711 ].
وفى الحديث أيضاً : ( وليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو ذل ذليل ) .
لا بد وأن ينتشر الحق ولا بد وأن يزهق الباطل , مهما كان الواقع مراً ومهما علا سلطان المبطلين , ألا وإن الضعيف لن يدوم ضعيفاً أبد الآبدين , وإن القوي لن يظل يرفل في قوته إلى يوم الدين .
(( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ))[القصص:5-6].

وآية الآيات في هذه الأمة وهذا الدين أنه أشد ما يكون قوة وأصلب عودا وأعظم ما يكون شموخاً ورسوخاً حينما تنزل بساحته الأزمات وتوصد عليهم المنافذ.


حينئذ ؛ يحقق الإسلام معجزته, ينبعث الجثمان الهامد , يتدفق الدم في عروق أبنائه , فإذا النائم يصحو , وإذا الغافل يفيق وإذا الجبان يتشجع وإذا الضعيف يقوى .
إن هذه الأمة تمرض لكنها لا تموت ، وتغفو لكنها لا تنام ، وتخبو لكنها لا تطفأ أبدا , لقد مرت على الأمة مراحل ضعف ظن خلالها المتشائمون أن النهاية قد حلت، وأن لا عودة للمجد وقد حقت علينا الهزيمة .

حينما غزا التتار ديار المسلمين ودخلوها كالريح العقيم (( مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ))[الذاريات:42].
دمروا المدن , خربوا العمران , و أسالوا الدماء , و أسقطوا الخلافة ,وعطلوا الصلوات , وألقوا أسفار الكتب في نهر دجلة حتى اسود ماؤه من كثرة ما سال من مداد الكتب.
وحتى أحجم بعض المعاصرين للحدث عن الكتابة فيه منهم ابن الأثير رحمه الله الذي يقول : " ليت أمي لم تلدني , ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا ".
ولم يمض إلا سنوات حتى تحققت معجزة الإسلام فإذا بهؤلاء يدخلون في دين المغلوبين على خلاف ما هو معروف من أن المغلوب مولع بتقليد المنصور (( لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ))[الروم:4-5]

يجب على المؤمن أن يكون واثقاً بنفسه وبدينه وبوعد الله له , إن مرت به محنة اعتبرها دليل حياة وحركة , فإن الميت الهامد لا يضرب ولا يؤذى وإنما يضرب ويؤذى الحي المتحرك المقاوم .
إن الوصول إلى القمة ليس هو الأهم لكن البقاء فيها .
إن الانحدار إلى القاع ليس هو الكارثة، لكن الكارثة هو الاعتقاد أنه لا سبيل إلى الخروج من القاع .
إن الدواء ليس في بكاء الأطلال وندب الحظوظ ، وإنما يكون في الترفع على الواقع، ومحاولات تحويل عوامل الضعف إلى القوة بإذن الله .

إن قراءة التاريخ في أيام الأزمات التي حاقت بالأمة في سالف الأزمان تعطي الأمل بأن الواقع سوف يتغير.
ذكر أهل السير أن الصليبيين جاءوا إلى ديار الإسلام في ألف ألف مقاتل، ودخلوا بيت المقدس وصنعوا فيه ما لا تصنعه وحوش الغاب, ولبثوا فيه أسبوعاً يقتلون المسلمين حتى بلغ عدد القتلى أكثر من ستين ألفا، منهم الأئمة والعلماء والمتعبدون والمجاورون.
وكانوا يجبرون المسلمين على إلقاء أنفسهم من على الأسطح ، وأخذوا أطنان الذهب والفضة والدراهم والدنانير , ووضعت الصلبان على بيت المقدس وأدخلت فيه الخنازير ونودي من على مآذن التوحيد بأن الله ثالث ثلاثة .
وساعتها ظن اليائسون أن لا عودة لبيت المقدس أبداً إلى المسلمين .
كم طوى اليأس نفوسا لو رعت.... منبتاً خصباً لصارت جوهرا ًوقام لله بالإيمان رجل من أهل العراق، واسمه في ربى التاريخ عطر ونور، واسمه كما تعرفون " صلاح الدين الأيوبي " الذي جهز جيشا لاسترداد بيت المقدس وتأديب المعتدين.
فتقدم إلى بحيرة طبرية واستحوذ عليها؛ فصار جيش الصليبيين في عطش عظيم .
وقام الوعاظ والخطباء يعلمون الجماهير أخلاق الإسلام، ونصر الله تعالى المؤمنين، وهلك من أعدائهم ثلاثون ألفا حتى قيل : لم يبق أحد, وأسر منهم ثلاثون ألفا حتى قيل : لم يقتل أحد .
ودخل المسلمون بيت المقدس , وطهروه من الصليب , وطهروه من الخنزير , ورقى الخطيب المنبر بعد تعطل للجمعة دام واحد وتسعين عاماً! وكان أول ما قال قوله تعالى : (( فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ))[الأنعام:45].
واليوم إن الأقصى لم تعطل فيه الجمعة، ولم تعطل فيه الجماعة ومع ذا :
يئست أنفس ونامت عيون... فجراح تغدو وتأتى جراح
إن هذا الدين منصور مهما زادت جهود طمس الهوية , وملاحقة أهله بالباطل والزور والبهتان , إن لدينا وعداً بنصر الله , ووعد الله تعالى لا يتخلف (( وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ))[الروم:6].
وقال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: ( بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والنصر والتمكين في الأرض , فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب ) [ أحمد: 5/134 ] .
وقد بدت بشائر هذه النصر مع طلائع الصحوة المباركة , فلا تصدنا الأزمات عن إدراك المجد , إنه قادم للأمة , قد بدا أفقه ولاح للناظرين نجمه , وليكن حداء المسلم وهو على طريقه لإدراك المجد :
نفسي برغم الحادثات أبية ..عودي على رغم الكوارث مورق

فسجل اسمك في ديوان المنصورين، حتى وإن أبطأ النصر؛ فقد يستغرق بالمؤمنين زمناً ليس بالقصير؛ ليعلم الله من ينصره ويؤيد دينه .
إن ظلام الدنيا كله ليس في مقدوره أن يطفئ شمعة الأمل ما دام القلب مليئا بالإيمان .
والحمد لله في بدء وفي ختم .


----------------------------------------
* اعتمدت في صياغة هذه الخطبة على محاضرة ( على الطريق جـ 2 ) للشيخ على القرني

آخر تحديث: الخميس, 04 مارس 2010 17:27
 
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية


حب الإسلام يجمعنا
JoomlaWatch Stats 1.2.9 by Matej Koval