الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين، رفع شأن المؤمنين ، وتولى المتقين ، وأنعم برحمته على المحسنين ، واختص بفضله أهل اليقين ، له الحمد خالق السماوات والأراضين ..
وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أحسن البشر توكلا واعتمادا ، ويقينا وثباتا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ....
أما بعد ..
الأخوة والأخوات المؤمنون والمؤمنات :-
حياكم الله وبارك في خطواتكم الخيرة ، وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال ، حديثنا اليوم عن صنف جديد من أصحاب القلوب التي تعلقت محبتها بخالقها وبارئها ، وحلقت أرواحها في ملكوت السماوات والأرض ، فأصبحت تسير على الأرض وروحها تسمو فوق نزعات البشر ، معتمدة علي خالقها موكلة الأمر إليه في كل صغيرة وكبيرة مسلمة إليه جميع الأمور ما ظهر منها وما بطن .
تلك القلوب التي ورثت ميراث النبوة والصالحين من الحواريين والأنصار والمهاجرين ، فمضت في طريق الإيمان غير عابئة بالباطل مهما زاد طغيانه ، ولا بشياطين الإنس والجن مهما كثروا وتآمروا ، مضت وهي تضع نصب أعينها قول الحق تبارك وتعالى {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ... }الفرقان58،
توكل على الحي دائم الحياة رغم فناء الموجودين ، فهو باق أبدي سرمدي ، لذلك فهو الواحد الأحد الذي يستحق أن تعتمد عليه وتتوكل ؛ قوته التي لا تفنى ولا تبيد ، أما المخلوقين فهم ضعفاء زائلون يحتاجون لمعونة غيرهم .
|
|
|
|
ولما كان اليقين بالله من دواعي الإيمان ، بل هو من الأمور الملازمة لصدق الإيمان قال الحق تبارك وتعالى {... وَعلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ }إبراهيم11، أي أن الله وحده المستحق أن يعتمد المؤمنون ويتوكلو عليه ، ومن كان مؤمنا صادق الإيمان فلابد له من الاعتماد على الله .
|
|
|
|
|
عباد الله :-يتبادر إلى الذهن سؤال :
كيف يتوكل المؤمن على ربه ؟إ
ن هذا يتم عن طريق أن يوكل العبد ربه للتصرف في جميع أموره سواء كانت دينية أو دنيوية ، وذلك بعد بذل جميع الأسباب لقول الحق تبارك وتعالى "
إنا كل شيء خلقناه بقدر "49 القمر ،
فيخبت العبد لربه بقلبه وجوارحه ، وتهيم روحه في أنوار العرش ، حتى يشعر بالعزة ويمشي بالسكينة ، ويعامل خلق الله على أنهم مخلوقون لا يملكون لأنفسم ضرا ولانفعا ، ولابعثا ولاحياة ولانشورا ، فمن باب أولى كيف يملكونه لغيرهم .
هذه القلوب التي أيقنت بربها واعتمدت عليه منذ خلق الله البشرية وضربت لنا أروع الأمثلة في التضحية والفداء !!
فهاهم أصحاب طالوت الذين قالوا {...
كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ }البقرة249، حينما رأوا الباطل وجنوده يملأون ساحة القتال ، فلم تلن لهم قناة حتى تنزل نصر الله عليهم .
وهاهم سحرة فرعون الذين شاهدوا وشاركوا في المعركة الفاصلة بين الحق والباطل ، بين النور والظلمات ، فآمنوا بربهم وفضلوا لقاءه بهذا الإيمان وذلك اليقين على الحياة الرخيصة مهما كثر متاعها وتبهرجت شهواتها ، فأعلنوا على الملأ يقينهم بالله واعتزازهم بقربه وقالوا {..
فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا }طه72 ، ثم كانت آخر كلماتهم قبل أن يتركوا هذه الدنيا الزائلة {..
رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ }الأعراف126.
إنه هو اليقين الذي صاحب أم موسى عليه السلام قال الله تعالى {
وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ }القصص7 ، إن اعتمادها وحسن ظنها وتوكلها على الله أعاد ابنها الرضيع إليها لكي ترضعه هي لاغيرها !!
|
|
|
| |
وهكذا كرم الخالق سبحانه وتعالى عندما يتحقق من إخلاص قلب العبد يفتح له كل الأبواب ، ويغير له كل الأحوال بما فيه صلاحه في الدنيا والآخرة قال تعالى {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }يس82.
|
|
|
|
|
إنه اليقين الذي صاحب أم إسماعيل عليه السلام السيدة هاجر عليها السلام ، حينما تركها زوجها نبي الله إبراهيم عليه السلام وسط الصحراء لازرع فيها ولاماء !!
وماكان منها إلا أمسكت بثيابه قائلة له : " آلله أمرك بهذا ؟"
فقال : نعم .
قالت : إذن لن يضيعنا الله !!
إن الله تبارك وتعالى لا يضيع من يتوكل عليه قال تعالى {
وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً }الطلاق3، ومعنى حسبه : أي كافيه .
لقد كفلها الله هي وابنها وأجرى الماء تحت قدميه ، وجعله الله نبيا مباركا ، وخلد فعل أمه ويقينها على الله بسعي المؤمنين إلى يوم القيامة بين الصفا والمروة .
قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه :
"
يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير " رواه مسلم ؛لما تحمله قلوبهم من إيمان وتوكل على الله ، واعتماد على قوته ،
اللهم اجعلنا منهم .
|
|
|
|
فيا أخوة الإسلام :
لم الخوف من المستقبل ؟ ولم الخوف على الرزق ؟ ولم الخوف على الأولاد ؟ ، لابد أن يقوى يقيننا في الله الخالق البارئ المصور ، نعتمد عليه ، ونسأله في كل ساعة وحين ، فهو وحده القادر على كل شيء ، أسأل الله أن ينعم علينا وعليكم بنعمة الإيمان ، وأن يبارك لنا ولكم في بيوتنا وأبنائنا ، وأن يرزقنا حسن اليقين والاعتماد عليه ، ولنا لقاء قادم مع أهل اليقين بحول الله وقوته .
|
|
|
- الشيخ . خالد رزق تقي الدين ..إمام وخطيب مسجد غواروليوس..ساو باولو - البرازيل
>> طالع ترجمة الموضوع إلى اللغة البرتغالية .