2012/02/08 ميلادية
الأربعاء 15/3/1433 هجرية    
المسجد منبر الجمعة إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ
English  |  oromo اردو   |   中文

. . .



إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ طباعة إرسال إلى صديق
منبر الجمعة
الكاتب منصور الغامدي   
الخميس, 20 أغسطس 2009 11:52
Share

Share

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له .
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ ..)(النساء: من الآية1) .
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران:102) .

أما بعد ..

فأوصكم ونفسي أيها المؤمنون بتقوى الله ومعرفة كيد المجرمين وطرائق الضالين وأساليب الظالمين , ولقد أفاض كتاب ربنا فضح المجرمين , وكشف حقيقة المتغطرسين , وأبان وسائلهم في محاربة دين الله في الأرض , والصد عن سبيل الله , كل ذلك ليكون المؤمنون على بصيرة من كيد أعدائهم , وليحسنوا التعامل معهم بحكمة وقوة . (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) (الأنعام:55) .

ونحن في حاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى تمييز الأصدقاء من الأعداء , والمؤمنين من المنافقين , وهذا التمييز نجده ليس في صفحات الجرائد ولا على شبكات التلفزة , بل نجده في كتاب ربنا وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم .

أيها الأخوة في الله :

لنقف اليوم مع طاغية من طغاة التاريخ ومجرم من أكابر مجرمي الأمم من المفسدين في الأرض , إنه فرعون ذلكم الظالم العالي – وكل الفراعنة الذين ساروا على منهجه , واهتدوا بهديه ولبسوا أثوابه وخالفوه في اسمه - إنه فرعون بجبروته وطغيانه بظلمه وبطشه , لقد كان بنو إسرائيل يدينون بدين أبيهم يعقوب وجدهم إبراهيم وكانوا يؤمنون بالله الواحد الأحد , كافرين بألوهية فرعون , لذلك أوقع فرعون أشد الاضطهاد والبغي على بني إسرائيل , وعلا في الأرض بظلمه وجبروته وجعل أهلها شيعاً , ليسهل له إذلالهم وتسخيرهم وكان يعلم أن هناك خطراً عليه من أهل التوحيد الذين يكفرون بسلطانه , ويؤمنون بسلطان الله فاشتد في تعذيب وإيذاء بني إسرائيل . (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (القصص:4) . وأراد أن يوقف استكثار نسلهم وشبابهم ورجالاتهم وأمر بذبح الذكور أطفالهم عند ولادتهم .

إنه مشهد يتكرر عبر التاريخ .. مشهد الفئة المستضعفة وهي تطارد وتعذب وينكل بها , ومشهد فرعون وهو يتفنن في طرق التدمير والهلاك وكل سعادته رؤية دماء الأبرياء وأشلاء القتلى , وبكاء المظلومين , وصراخ الأطفال والمعذبين .

     
 
ومع هذا كله تظهر قدرة الله الغالبة التي تتهاوى أمامها قوة الطغاة والمتجبرين وقدرة الله تتجلى في إنقاذ موسى عليه الصلاة والسلام من القتل وهو رضيع , صغير لا يملك شيئاً .
 
     
وتبدأ القصة وفي كل جزء منها عبرة وفي كل فصل منها آية , ونرى قدرة فرعون هزيلة أمام قدرة الله نرى فرعون وقلبه الذي بين جنبيه يملكه الله ويتصرف فيه كيف يشاء .. نرى موسى عليه الصلاة والسلام وقد التقطه آل فرعون من اليم وإذا بامرأة فرعون تقول : (وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (القصص:9) .

ويقف فرعون وجنوده عاجزين عن قتل طفل رضيع وتتعطل القوانين الفرعونية الظالمة أمام هذا الطفل الرضيع وتقف عناية الله أمام سيوفهم وبطشهم لا يستطيعون أن يؤذوه ولو بكلمة , بل ويسخّر الله جل شأنه فرعون وزوجته وجنوده لرعاية موسى عليه الصلاة والسلام وهو طفل رضيع يدخل موسى القصر أمام أعين الحرس , ويسكن في قصر فرعون لا تمتد إليه يد سوء , فسبحان من تنفذ مشيئته في خلقه , وسبحان من يخضع الجبابرة لقضائه .

لما شب موسى عليه الصلاة والسلام واصطفاه ربه بالرسالة أمره الله أن يذهب ليدعو فرعون إلى الله وبكلام لين سهل لا فظ ولا غليظ , لقد وصف الله فرعون بالطاغي حيث قال عنه . (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) (طـه:24) . نعم لقد طغى وأسرف في الطغيان , عن موسى عليه الصلاة والسلام يعلم أنه ذاهب لمواجهة أطغى جبار في الأرض , إنه ذاهب لمواجهة جيوش تعبد الطاغية تأتمر بأمره , وتتحرك بإرادته , لا تسمع إلا ما يقول ولا ترى إلا ما يرى ... جيوش طمست عقولها , وتحجرت قلوبها . (وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ) (الفجر:12) .

والله جل في علاه هو الرحمن الرحيم وسعت رحمته كل شيء حتى الطغاة والجبابرة فمن رحمته أن يعطيهم الفرصة ليعودوا إليه ويتخلوا عن طغيانهم ..

ولما أعلن كليم الله عليه الصلاة والسلام كلمة الله والدعوة أمام فرعون اهتز كيانه , واشتد ضغط الدماء في عروقه , فهو الذي تعود على الفساد , واعتاد على رؤية عبيده من الجند ومن حولهم خافضي الرؤوس , مسلولي الإرادة , مرتعشي الأطراف , فما كان منه إلا أن يتهم نبي الله اتهاماً عجيباً في عقله وأنه المجنون لأنه لم يعهد أحداً من حاشيته أن ينصحه بل على العكس يرى كل خضوع وموافقة , اتهمه بالجنون وهو يعلم أنه ليس به جنون , يتهمه بالجنون لأنه ناداه أن يرجع إلى رب السماوات والأرض الذي له المشرق والمغرب وما بينهما . (قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) (الشعراء:27) .

ثم ينتقل فرعون إلى تهمة أخرى فرية عظمى ليستر بها جبين الشمس , ويوقف زحف النهار على الليل . (قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى) (طـه:57) . وهي تهم وإشاعات وأكاذيب يرددها الفراعنة في كل زمان ومكان ضد أهل الإيمان والصادعين بكلمة الحق , إنه اتهام غريب فموسى عليه الصلاة والسلام لم يطلب من فرعون الخروج من أرضه , لكنه طلب منه أن يعبد الله وأن يرفع الظلم والقهر عن الناس , لكنه الفهم الفرعوني الذي يتهم موسى كذباً أنه يريد إخراج فرعون من أرضه ليحكم بدلاً عنه وكأنه يستكثر على الأنبياء والرسل ودعاة الحق أن يقودوا قافلة البشرية ..

ولما لم يقف نبي الله عن مواصلة الدعوة ورأى فرعون أن الجماهير بدأت تتسامع وتتحدث بالذي يدور بينه وبين موسى , فكر في أسلوب جديد يقنع به عبيده المكبلين بأغلال الخوف المحاط بسياج التضليل الإعلامي ألا وهو أسلوب الخطب الشعبية , واللقاءات الجماهيرية , والمقابلات الصحفية , إنه إمعان في الكذب والتضليل واستخفاف بالعقول , فعلى حد علم فرعون من دوائره الأمنية والإعلامية أنه لا يوجد إله غيره تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً .

ويتجه بخطابه إلى الجماهير المحتشدة . (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ) (الزخرف:51) .

ويقارن في خطبته العصماء بتهكم واستهزاء وبينه وبين موسى عليه الصلاة والسلام .( أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ) (الزخرف:52) . يقصد أن موسى عليه الصلاة والسلام ليس منطلق اللسان فصيحاً مثله , ويواصل خطبته ليقنع الجموع التائهة المستعبدة . (فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ) (الزخرف:53) . فهلا كان في يديه ذهب أو احتشد حوله الملائكة تحميه وتشهد بصدقه إن كان من الصادقين .

فما كان من الجماهير الخائفة إلا التصفيق ومن ثم الإتباع . (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ) (الزخرف:54) .
وانطلت الحيلة على الجمهور , ونجح فرعون في خداعهم , لكنه لم يفلح بعد موسى , فموسى عليه الصلاة والسلام لم يصفق له بعد , بل أثبت لفرعون بأدلة باهرة عظيمة أنه رسول من رب العالمين , ولكن فرعون يخشى على نفسه وسلطانه من موسى , فليس من حل إلا بأن يهزم موسى ويندحر سحره – على زعمه – ويسقط أمام الجماهير إلى النهاية . قال الله تعالى . (فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَاناً سُوَىً * قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحىً * فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى) (طـه:60) . ونرى أيها الأخوة في هذه الآيات أنه مع جبروت فرعون وطغيانه إلا أنه أعطى موسى عليه الصلاة والسلام حق إعلان حجته أمام الناس وأعطاه حرية اختيار الموعد والمكان , لاحقاً في المناظرة وقومه الحق , ولكن لعلمه أنه سوف يسقط كل حجج وكل آيات موسى عليه الصلاة والسلام . سبحان الله .. إن أعداء الحق اليوم لا يسمحون لكلمة الحق أن تخرج من الأفواه ...

وكم حشد فرعون لهذا الموقف من ساحر ؟ هل هم ثلاثة ؟ أو أربعة ؟ كلا : إن أقل الروايات تقول : إنه حشد اثني عشر ألف ساحر من عتاة السحرة وأمهرهم , وجاء السحرة ومنذ اللحظة الأولى أعلنوا غايتهم وهي الحصول على الأجر الجزيل , جاءوا والمال معبودهم , وأضاف فرعون إلى المال الجاه الفرعوني الذي يسعى إليه العبيد , وتبدأ المنازلة . (قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ) (لأعراف:115) .
( قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ * قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) (طـه:69).

وفجأة سطع نور الإيمان في قلوبهم واستحضروا جلال الله , فاختلط الإيمان بدمائهم , وسرى في عروقهم .. فهانت النفس في سبيل الله .. وهان المال في سبيل رضى الله , فتضاءل فرعون في عيونهم , وتضاءلت الدنيا بأسرها في سبيل القرب من الله . . لقد هزت فرعون المفاجأة الكبيرة ..

في هذا الجو المليء بالخضوع والإذعان أمام الجنود المدججين بالسلاح أمام النفاق الذي يملأ الأفق أمام فرعون بجبروته وطغيانه يسجد السحرة لله الواحد الأحد منكسرين لله , منكرين سلطان فرعون الكاذب . (قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (طـه:73) .

إن هذا المشهد العظيم سيبقى خالداً إلى قيام الساعة يشع نوراً لدعاة الحق ..
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..

أيها الأخوة في الله :

وبعد مشهد هزيمة فرعون الساحقة أمام الإيمان , لجأ إلى أسلوب أخير اتبعه كل الفراعنة من بعده وهو أسلوب التصفية الجسدية . (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) (غافر:26) .
إن العقل ليقف حائراً متعجباً من قولة فرعون . ( ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى ) . هل فرعون بجبروته وطغيانه يستأذن من حوله في قتل نبي الله موسى ؟ . هل هناك أصلاً رأي آخر بعدم قتل موسى عليه الصلاة والسلام ؟ أما حجته في قتل موسى عليه الصلاة والسلام فهي خوفه أن يبدل دين الناس أو أن يظهر في الأرض الفساد ..

إن حقن دماء الأبرياء فساد في نظر فرعون ومنع الظلم والطغيان فساد في نظر فرعون .. وإقامة العدل في الأرض وتعبيد الناس لربهم فساد في نظر فرعون .. لكنه لم يستطع قتل موسى عليه الصلاة والسلام ثم تتابعت الآيات تلو الآيات التي تدل على صدق موسى عليه الصلاة والسلام , توالت على فرعون وملئه , ولكنه لم يزدد إلا كبراً وعلواً ولم يسمع لنصيحة الرجل المؤمن الذي كان من آل فرعون وكان يكتم إيمانه حينها توجه نبي الله وكليمه عليه الصلاة والسلام بالدعاء على فرعون وملئه : (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) (يونس:88) .
وأوصى موسى قومه بالصبر على ظلم فرعون وتقوى الله : (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (لأعراف:128) .
ويأذن الله لموسى عليه الصلاة والسلام ومن معه بالخروج من مصر وتقترب ساعة الصفر , ويفر موسى عليه الصلاة والسلام بمن معه من بني إسرائيل ليلاً , يفروا من الظلم والجبروت , والذل والاستعباد .

ولما وصلت التقارير إلى فرعون تخبره بنبأ تحرك بني إسرائيل مع موسى ووجهتهم , أمر جنوده , وحشد حشوده , وخرج قادة الجيش الفرعوني يتأهبون بكامل أسلحتهم على اختلاف فتكها وبطشها , خرجوا جميعاً مع فرعون بطراً ورئاء الناس وكبراً وعلواً وإفساداً في الأرض خرجوا بكل هذا العتاد وهذا السلاح لا ليواجهوا جيشاً عظيماً مثلهم , كلا بل ليبيدوا فئات قليلة أنهكها الجوع والتعذيب والاستعباد , فئة لا تملك من السلاح شيئاً , ولا من القوة شيئاً إلا بالله الواحد الأحد .

ويقترب فرعون من الفئة المستضعفين مزهواً بقومه شاعراً أنها لحظات وتنتهي هذه القلة , أما بنو إسرائيل فتسارعت أنفاسهم واشتدت نبضات قلوبهم لما عاينوا فرعون عاينوا أن الموت قد لف أعناقهم . (قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ)(الشعراء: من الآية61) . لكن بما أجابهم موسى عليه الصلاة والسلام : (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) (الشعراء:62) . ويلقي عصاه فيأتي الفرج . وينفلق البحر للمؤمنين بأمر ربهم , ويرى فرعون هذه الآية الكونية العجيبة . فهل آمن ؟ هل عرف أنه أخطأ ؟ كلا بل اشتد في سيره وملاحقته إنه الاستكبار والعلو والعناد .

دخل فرعون البحر مؤملاً أنه يصل إليهم لكن عاقبة السوء , والمصير المحتوم تحيق بهذا الظالم المتكبر وبجنوده وعتاده , وتلتف المياه بأمر الله بفرعون من كل مكان , فيسقط الكبر في الماء ويغرق العلو في الماء . فأين سلطته ؟ وأين حرسه وجيشه ؟ أين ماله وأين زينته ؟
كل هذا زال في لحظة واحده , فلا ملك ولا حرس ولا جنود ولا عتاد , قال صلى الله عليه وسلم :" لما قال فرعون : آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل , قال لي جبريل :لو رأيتني قد أخذت من حال البحر – طينة – فدسسته من فيه مخافة أن تناله رحمة الله ".
وصدق الله (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ) (الدخان:29) .
وهذا الهلاك ليس النهاية بل هي بداية حساب شديد وعذاب أليم . (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) (غافر:46) .
إن هذا اليوم هو يوم تتذكره الأمة بكثير من الفرح , وكثير من الاعتبار , وكثير من الشكر , لأن إهلاك الظالمين الذين يحاربون التوحيد , ويصدون الناس عن سبيل الله ويفسدون في الأرض , هلاك الظالمين آية للناس واستمرار لتدفق الخير , وإزاحة للذين يحولون بينهم وبين هدى الله , والمؤمن يفرح بانتصار الخير على الشر والحق على الباطل .
ومن شكر الله تعالى أن نصوم يوم عاشوراء لأنه يوم نجى الله فيه نبي الله موسى ومن معه وأهلك فرعون وجنده , كما جاء في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء , فقال لهم صلى الله عليه وسلم :" ما هذا اليوم الذي تصومونه ؟" قالوا : هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه , وأغرق فرعون وقومه فصامه موسى شكراً لله , فنحن نصومه . فقال صلى الله عليه وسلم :" فنحن أحق وأولى بموسى منكم " . فصام صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه .
وقال عليه الصلاة والسلام :" أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله ". ويصام اليوم التاسع والعاشر أو العاشر والحادي عشر مخالفةً لأهل الكتاب الذين يصومون اليوم العاشر فقط .

 
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية


حب الإسلام يجمعنا
JoomlaWatch Stats 1.2.9 by Matej Koval