
Share
دروس وعبر من الهجرة النبوية
الحمد لله هيأ لهذا الدين رجالاً .. جرى حبه في دمائهم , فلم يبالوا في سبيل رفعته ونصرته والدعوة إليه بكل غال ونفيس.(لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحشر:8) .
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي روى عنه أنس بن مالك قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" أُتيت بدابة فوق الحمار ودون البغل خطوها منتهى طرفها , فركبت ومعي جبريل عليه الصلاة والسلام فسرت فقال : أنزل فصل ففعلت , فقال : أتدري أين صليت ؟؟ صليت بطيبة وإليها المهاجر .....الحديث "
صلى الله عليه وعلى رسل الله وأنبيائه جميعاً ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً .
أمة الإسلام :
أوصيكم ونفسي بتقوى الله وبما وصى وأرشد إليه مصطفانا وحبيبنا صلى الله عليه وسلم إذ يقول :" المؤمن من أمنه الناس والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر السوء , والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة عبد لا يأمن جاره بوائقه ".
وفي رواية " والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب ".
لقد خاب قوم غاب عنهـم نبيهـم ....... وقدس من يسري إليهم ويفتـدي
ترحل عن قـوم فزالـت عقولهـم...... وحل على قـوم بنـور مجـدد
وهل يستوي ضلال قـوم تسفعـوا...... عمـىً وهـداة يهتـدون بمهتـد ؟
نبي يرى ما لا يرى الناس حولـه...... ويتلو كتاب الله في كـل مشهـد
فإن قال فـي يـوم مقالـة غائـب...... فتصديقها في ضحوة ليوم أو غد
لتهـن أبـا بكـر سعـادة جــده ..... بصحبته مـن يسعـد الله يسعـد
ويهن بني كعـب مكـان فتاتهـم....... ومقعدهـا للمسلميـن بمرصـد
أيها المؤمنون :
فها هو عام هجري مضى يتصرم بانسلاخ ، وعام يتلوه مولده مؤذن بانبلاج، فهل من محاسبة قبل ندم .. وهل من توبة قبل فجاءة .. وهل من مراجعة للمطعوم والمشروب والمشاهد والمسموع والمصاحب والمقرؤ.. أي من ذلك مباح فنأتيه ومحرم وننأ بأنفسنا عنه .. فيا حسرتنا كم نماطل ونسوف في العمل ونطمع في بلوغ الأمل ولا نتذكر هجوم الأجل .
أوصى أحد السلف من حوله رحمه الله فقال :[ من أمضى يوماً من عمره في غير حق قضاه , أو فرض أداه أو مجد أثله , أو حمد حصله أو خير أسسه أو علم اقتبسه , فقد عق يومه , وظلم نفسه ].
أمة الإسلام :
وتستوقفنا مع إطلالة عام جديد صور من صور الهجرة تحتبس لها أنفاس التاريخ .. إنها مشاهد وجراحات .. وآلام وتضحيات .. ولوعات فراق .. وأحزان بعد ..
ويقف التاريخ على سدة باب بيت النبي صلى الله عليه وسلم وقد حاصرته قريش بأفتى فتيانها .. وخيرة شبابها .. لقد كانت لحظات حاسمة في مجرى الحياة ومسارب الزمن فإذا بالحبيب عليه الصلاة والسلام يخرج وبيده حفنة من البطحاء يذرها على رؤوسهم وهو يتلو قوله تعالى . ( يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ) . إلى أن بلغ . (وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (يّـس:10) .
أما مشهد الغار إذ أويا إليه فقرآن يتلى فها هي جموع الشرك قد وقفت ممثلة في صناديدها على فم الغار تتبع الأثر وتبحث عن المسير حتى لو نظر أحدهم إلى موضع قدمه لرآهما فيخاف أبو بكر ويحزن لا على نفسه ولكن على الرسالة الممثلة في شخص المصطفى صلى الله عليه وسلم . (إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا )(التوبة: من الآية40) .
إنها ثقة المطمئن وتوكل المؤمن بوعد الله ونصره ..
أما أبو بكر صديق هذه الأمة رضي الله عنه فنعم رفيق الدرب هو ونعم البيت بيته فمولاه عامر بن فهيرة يمحو برعيه الغنم أثر المسير وعبد الله ابنه يأتيهما بالأخبار وأسماء تحمل الطعام خفية ذات النطاقين , وعائشة تكتم الخبر ولا تفشيه لأحد .. (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (آل عمران:34) .
وقبل ذلك كله .. كانت تلكم الأيادي المباركة والأكف الطاهرة التي تمثلت في سبعين من الأوس والخزرج يبايعون المصطفى صلى الله عليه وسلم في هجعة من ليل ساكنة قد تسللت تسلل القطا إلى بعض شعاب مكة لتعلنها مع المصطفى صلى الله عليه وسلم بيعة على الهجرة والنصرة .
لقد امتدت تلك الأيدي لتغير مجرى التاريخ ومسار الأحداث وخريطة العالم وحضارات الأمم بل لتصحح العقائد والتصورات وتشع بالنور على المعمورة كلها ..
فإذا ما تجاوزنا هذه المشاهد كلها لنقف أمام مشهد آخر .. ما أحوجنا إلى أن نضعه أمام مجهر البصيرة المكبر لتتروى منه النفوس , وتتملاه العيون , وتتشبع منه القلوب ..
إنه منظر السابقين الأولين من المهاجرين !!
منظرهم وهم يغادرون مكة ويتسربون إلى المدينة , لكم تمتلئ النفس إعظاماً إذا رحلت إلى هناك تتخيل تلك الرواحل وهي تطأ الأرض وعليها الخيرة الأخيار , عليها صفوة أتباع الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه وهم يتخفون راحلين قد تلغموا بفحمة الظلام أو خرجوا في حر الظهيرة ولفح الهجير حين تهدأ الرجل , حتى لا يعلم بهم أحد .
أخي المحب لهم :
لقد خرجوا من بلدهم ودورهم وأموالهم وقرابتهم وأسرهم تاركين خلفهم كل مركز اجتماعي وكل متاع دنيوي , فلم يخرجوا لسياحة أو تجارة , ولكن أُخرجوا رغماً عنهم , لم يخرجهم الجوع ولا طلب الرزق ولكن أخرجهم الخوف على دينهم .. فراراً بعقيدتهم , وينصرون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ..
ثم ماذا ؟ لقد توجهوا إلى مستقبل مبهم لا يدرون ما يعرض لهم فيه من قلاقل وأحزان وفتن وأحداث .. وإلى طابة وطيبة كان مسيرهم دونما وعد بمال أو إغراء بمنصب , أو تمنية بتعويض ليس لهم فيه بيت يؤون إليه , ولا مال يعولون عليه ولا قريب ينزلون بداره ولكنهم خرجوا ابتغاء رضوان الله فهانت عليهم الدنيا بأسرها .. ألم يكن بوسعهم أن يبقوا في ديارهم وبين أموالهم وأولادهم , يكتمون إيمانهم , ويهادنون الكفر وأهله , نعم كان يمكنهم ذلك ولكن الثمن خطير , إنه التنازل عن نصرة هذا الدين وإيثار العاجلة على الآجلة .. (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً) (النساء:97) .
إنها تضحيات جسام , سمها إن شئت صعاب لا يطيقها إلا مؤمن . صدق الله ما عاهده عليه ...
إن الهجرة قرين قتل النفس وصنوه أما قرأت قوله تعالى .(وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ )(النساء: من الآية66) .
ولكنها نفوس استقبلت ذلك كله ببشر وترحاب , أنظر إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو يحادث ورقة بن نوفل عن الناموس الذي نزل عليه , فيعرف ورقة أنها النبوة فيقول :[ يا ليتني فيها جذعاً إذ أخرجك قومك ]. فتأخذ العبارة من المصطفى مبلغها فيسأل متعجباً:" أو مخرجيّ هم ؟ كيف ذلك وهم الذين يسمونني بالصادق الأمين ". قال ورقة :[ نعم , لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي ].
إن كل متأمل لقصص ذلك الرهط المهاجر على الله ورسوله عليه الصلاة والسلام يجد في كل قصة عظات وعبر :
فها هو مصعب بن عمير تعرفه مكة ، فتعرف شاباً مترفاً لين الطعام حسن الثياب معطر اللمة , مسرح الشعر , شاب نشأ في ترف عظيم أغدقت عليه أمه , ثم إذا به يستدير ذلك كله ويضعه خلفه ظهرياً ويمم شطر المدينة فيؤدي إلى غير مال .. وينسى كل نعيم ينطر إليه أصحابه من الصحابة رضي الله عنهم يقولون :
[ أتينا المدينة فلقينا فيها شظفاً , ولكنا قد اعتدناه في مكة إلا مصعب فلما لقي الشظف وجد عيشة لم يعهدها فإذا بجلده يتقشر كما يتقشر جلد الأفعى !! وإذا به يعيا فلا يستطيع أن يقوم فيعرض له أصحابه الأعواد فيحملونه عليها من الأعياء !!
فهل حدثته يوماً نفسه بالرجوع يوماً على نعيمه الذي تركه أو رفاهيته التي كان ينعم بها ؟!
كلا فقد ضحى بها غير مأسوف عليها ..
أما أبو سلمة وأم سلمة وما جرى لهما من نزاع مع قومهما وابنهما بينهما فعجب عجاب ، فقد نتج عن أخذ قوم أم سلمة لها ، ثم أرادوا الصبي ، فقال قوم أبي سلمة :
أخذتم المرأة فعلام تأخذون الصبي ؟ فينتزعونه منهم فيتجاذبون طفلاً رضيعاً حتى انخلع كتفه !!
أما أبو سلمة فهو الزوج المحب وهو الأب الروؤم لكن هذه العاطفة كلها قد فشلت في ثني عزمه , وإرجاعه عن مراده فغذا به يغالب حبه وعطفه وأبوته ويستعلي بإيمانه على مشاعره ووجداناته كلها فإن له شاناً أهمه وغاية شمر إليها .. فيتركهم ويمضي صوب المدينة يغالب أشواقه ويكابد معاناته .
أما أم سلمة رضي الله عنها فبقيت سنة كاملة وهي تعيش مناحة كاملة على زوجها وطفلها حتى إذا ما أشرفت على الهلكة قال أهلها – غلاظ الأكباد وقساة القلوب – ما لنا وشأنها دعوها تلحق بزوجها ..
أخي الهاجر للآثام والخطايا :
فإذا ما أشرفت على دور أولئك الركب الطاهر بمكة وجدتها تخفق بها الرياح ليس فيها ديارا ..
مر عتبة بن ربيعة والعباس بن عبد المطلب على دار بني جحش فإذا بها خاوية على عروشها ليس فيها أحد .. فقال عتبة : ها هي الدار لا أحد فيها . فقال أبو جهل للعباس : أي شر جره إلينا ابن أخيك يفرقنا ..
ومع ذلك فلم يأذن الله للمهاجرين بالعودة سكنى في هاتيكم ا الديار ولا تملكها لأنهم قد تركوها لله فإذا ما كانوا حاجين أو معتمرين أذن لهم المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله :" يمكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثاً ".
- الخطبة الثانية :
الحمد لله .. أعز أهل طاعته بنصره .. وأيدهم بجنده , وخذل أعداءهم بقهره وملكه .( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)(يوسف: من الآية21) ...
و صلى الله وسلم على نبينا محمد القائل لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه :
" أتعلم أول زمرة تدخل الجنة من أمتي ؟ قال : الله ورسوله أعلم . فقال : المهاجرون , يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة ويستفتحون فيقول الخزنة : أوقد حوسبتم ؟؟ فيقولون : بأي شيء نحاسب ؟! وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك , قال : فيفتح لهم , فيقيلون فيه أربعين عاماً قبل أن يدخلها الناس
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ..
أيها المؤمنون :
أذكر نفسي وإياكم بهذه المناسبة حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم القائل فيه :" إن افضل الصلاة بعد المفروضة الصلاة في جوف الليل وأفضل الصيام بعد شهر رمضان الذي تدعونه المحرم ".
أما دروس الهجرة وغيرها فأكثر من أن تحصى أو تعد فمن أهمها :
1) عظم هذا الدين وهذه النفوس التي من أجله بذلت كل غال ونفيس في نصرته ..وجهاداً وتضحية وإيثاراً ..هجرت الأوطان ومفارقة الخلان فراراً بدينهم .
2) اليأس والقنوط بابان لا وجود لهما في حياة المؤمن بل همة وتسامي ومثابرة محاطة بتوكل ودعاء واستغاثة ورجاء .
3) وسبحان الله مهما انتفش الباطل فهو إلى زوال وإن كاد فتدبيره إلى تبات .( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)(يوسف: من الآية21) .
4) أما الهجرة فطريقة ماضية وسنة باقية في حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وفي أتباعهم إلى أن تقوم الساعة .
5) لا تنافي بين التوكل على الله وحده والأخذ بالأسباب وحسن التخطيط والترتيب .
6) حب الصحابة رضي الله عنهم لنبيهم عليه الصلاة والسلام وخوفهم عليه وفداءهم له .
7) الثبات على المبدأ والاعتزاز بالمنهج والصمود أمام المحن والفتن من مقومات شخصية المسلم .
8) لا تحزن إن الله معنا :" ما ضرك باثنين الله ثالثهما ". توكل ويقين .
أما ذلك الجندي غير المجهول علي رضي الله عنه فثابت الجنان وراسخ الإيمان .
المسجد فهو للانطلاقة وعنوان للرسالة وبيت للرحمة ومؤل للعلوم ...الخ .
الأخوة الإيمانية بناء شامخ .. وصرح عامر بالإيثار والمحبة والفداء .. ".
إن حدث الهجرة حدث ضخم كان له ما بعده إذ تغيرت به الخرائط السياسية والبنى الاجتماعية , بل تغيرت به التصورات والعقائد ودخلت هذه الأمة التاريخ من أوسع أبوابه وأرحبها .. فبهذا اليوم ومنه بدأنا لذا فإنه لزاماً علينا أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن نكون أحفياء بهذا التاريخ الهجري لا ليكون عيداً من أعيادنا ولا محلاً لاحتفالات وبدع وخرافات ومناسبات ولكننا نذكر به ونتذكر . وبه نؤرخ أحداثنا وأعمارنا وحوادثنا وشؤوننا ، ينبغي أن نذكره بعزة , وأن نتشبث به بوثوق، ونعلم أنه هو التاريخ الذي يعنينا ويخصنا ..
وإنك تأسى .. تأسى والله عندما تسمع أخا لك يؤرخ بالتاريخ الميلادي ولا يعرف التأريخ الهجري .
إن الذي عندي وعندك هو مقدم الحبيب صلى الله عليه وسلم إلى طيبة الطيبة , فنحن من هنا نبدأ ومن هنا بدأنا , .
( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً )(البقرة: من الآية143) .