2012/02/08 ميلادية
الأربعاء 15/3/1433 هجرية    
المسجد منبر الجمعة اعتبار المآلات في الأحداث
English  |  oromo اردو   |   中文

. . .



اعتبار المآلات في الأحداث طباعة إرسال إلى صديق
منبر الجمعة
الكاتب الشيخ عبدالله بن علي الغامدي   
الخميس, 20 أغسطس 2009 12:08
Share

Share


لك الحمد اللهم ربنا , تؤتي الحكمة من تشاء , ومن يؤت الحكمة فقد أُوتي خيراً كثيراً , اهدنا يا كريم وأنت رجاؤنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك , إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم .( وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) .

نسألك واسع المن والعطاء وأن ترزقنا بصيرة ثاقبة , وعقلاً راجحاً وفقهاً بتقدير المصالح والمفاسد ,و حسن نظر في عواقب الأمور , ورأياً أسدّ في اعتبار مآلات الأقوال والأفعال , واجعل أمرنا شورى بيننا . )ُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).

نؤمل منك خالقنا وبارئنا الهدى عند الاختلاف , و الرشد عند الاضطراب , والخيرة عند الاشتباه , والسداد عند إعمال الرأي , والتوفيق عند الشروع في الأمر .
نعوذ بك ونستجير بحماك أن نكون ممن تشعبت بهم الأهواء , وتباينت فيهم الآراء , واستحكم بينهم العداء .

نحمدك ونشكرك , ونثني عليك الخير كله ولا نكفرك , وأشهد ألا إله إلا الله وحدك لا شريك لك , وأشهد أن محمداً عبدك ورسولك , سن لنا المنهاج وأبان لنا المعالم , وأوضح لنا السبل , كان أحرص الناس على هدايتهم قبل سفك دمائهم , ومن أرغب الخليقة في استنقاذهم من حر ولفح جهنم إلى بحبوحة وربيع الجنة , أرسله الله رحمة للعالمين لا عذاباً على البشر أجمعين ، بُعث داعياً وهادياً وميسراً لا معسراً , شعاره :" فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ من أن يكون لك حُمر النّعم ".

قال ذلك لعلي رضي الله عنه وقد أعطاه الراية ووجهه إلى خيبر لملاقاة يهود نقضت العهود من قد استحكم عداؤهم واشتد على المسلمين بلاؤهم ومع كل ذلك لم يقل صلوات ربي وسلامه عليه لابن عمه دونكهم إذا ما ظفرت بهم الأعناق فاضربها ، والدماء اسفكها ، دمر عليهم حصونهم حرّق عليهم بيوتهم لا تبق فيهم عيناً تطرف ولا نفساً يتردد , بل قال له وهو داعية الخير ورسول الهداية ونبي الرحمة :" انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام ، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعلى فيه ، فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حُمر النعم ".

وهل ينسى منا من قرأ سيرته بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم وهو يسرع إلى ذلكم الغلام اليهودي اليافع على فراش الموت وروحه تقعقع ونزعه يشتد فزاره المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه فقال له :" أسلم ".
فينظر الغلام إلى والده اليهودي .
ثم يقول له الحبيب صلى الله عليه وسلم :" أسلم ".
فما كان من أبيه إلا أن قال له : أطع أبا القاسم !
فإذا بالغلام يقول : أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله.
وفاضت روحه على بارئها . فخرج المصطفى عليه الصلاة والسلام فرحاً مسروراً تتهلل أسارير وجهه بهذا الإنجاز والاستنقاذ وهو يقول :" الحمد لله الذي أنقذه من النار ".

هذا منهج الرسول وتلك سنته وهاتيكم طريقته صلى الله عليه وسلم وعلى أنبياء الله ورسله جميعاً ورضي الله عمن سلك سبيلهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين .

أما بعد .. عباد الله ..

فوصايتي لنفسي وإياكم بتقوى الله ولنلزم الهدى ولنقتفي الخطى ففي مشكاة النبوة أمان من الشطط وضمان من الزلل وحصانة من الزيغ . (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ).

أخي راجح الحلم رزين الحصاة ..

لا يخفى على عاقل الخندق الوعر الذي تمر في مضايقه أمة الإسلام اليوم فتن تترى وأحداث تتلاحق , وجراح تنزف وأرواح تزهق وأعراض تستباح عدو غاشم , و كيد حاقد , وبغي قاهر , فيا ترى تجاه هذه المآسي في عراقنا الحبيب وفي قدسنا الشريف بل وعلى ثرى كل أرض مسلمة تسلطت عليها قوى التحالف الظالمة ما الحل وما العلاج ؟!

إنه السؤال المر .

ما الدواء والشفاء لعولمة وغزو وتطبيع واستعمار وتكالب وتآمر ؟!
ما الحل لمنكرات تقع , وتجاوزات تحدث ، وتعد على شيء من حدود الله يقتحم ؟!
ما الحل والعلاج لكثير من المعضلات والمجريات والمنعطفات ؟ لا أظن حراً أبياً يرضى بكل هذا ولا يقبله قد غلبه حزنه وأساه و تفطر لذلك قلبه وحشاه ..

ولكن ما الحل وما العلاج ؟!

أهو سفك دماء ؟! وتدمير بناء ؟! وتمزيق أشلاء ؟! هل الحل في ترويع آمنين ونشر الرعب والهلع وإشاعة الاضطراب والفزع ؟

هل الحل في قتل من عصم الله دماءهم من المسلمين أو المستأمنين ؟!

وعلى النقيض تماماً .. هل العلاج هو الرضى بالدون والخنوع وقبول الذل والهوان ؟!
أم الحل الاستكانة للأعداء والخلود إلى الطمع في ودهم والركون على مقاربتهم ؟!

     
 
وما هديٌ ونور وسراج نستصبح به كشمس الوحي وضياء التنزيل ومنهاج الرسول صلى الله عليه وسلم , لزاماً كان على كل مسلم يصبوا إلى نيل رضا الله ومغفرته ورضوانه أن يزن الأمور قبل الإقدام ، وأن يتأمل العواقب قبل الشروع ، وأن يعتبر المآلات قبل الوقوع ، وألا يستجّر إلى وقائع وأحداث وتصرفات وأفعال مفسدتها أعظم من مصلحتها ومغبتها أكثر من نفعها وضررها أجل من فائدتها .
 
     

من أجل ذلك جاءت قواعد الشرع الحكيم مما استنبطه العلماء لتحكم المسار ، وتضبط التوازن ، وتوضيح المعالم حتى لا يقع الطيش ، ولا يستخف العقل ، ولا تختل الأوضاع ، ولا تحل الكوارث.

فمن ذلك :

قاعدة [ درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ] ،
وقاعدة [ الضرر لا يزال بمثله ] ،
وقاعدة [ تحصيل أعظم المنفعتين بتفويت أدناهما ] ،
وقاعدة [ دفع أعظم المفسدتين بارتكاب أخفهما ] .

أخي باغي الخير ..

ها هو المصطفى صلى الله عليه وسلم يبين لنا هذا المنهج بجلاء من تقدير للمصالح واعتبار لمآلات التصرفات ؛ فدونك بعضها وإلا فسنته وسيرته زاخرة بشواهد ذلك وأمثلته .. :

مكث النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث عشرة سنة ! كم أُوذي هو أصحابه فيها ؟!
بل وقتل من قتل ، وصُلب من صُلب ، واعتدى على سمية أم عمار فطعنت في عنقها ، وأُخرج وطرد الرسول الكريم من دياره ، وشرد عن أهله !! مآس وآلام ! لكنه مع كل هذه المواجع والكوارث كان متجلداً بالصبر، مراعياً لمصلحة الدعوة ، آخذاً الأمور بحكمة ونظرة بصيرة ، وإلا فهل كان يعجزه أن يبعث نفراً من أصحابه ليلاً لتكسير أصنام حول الكعبة ، أو لقطف رؤوس عليّة الكفر والإجرام ، أو غير ذلك من تصرفات سيكون لها نكايتها وغورها في أوضاع من بغى وطغى وحاصر في الشعب ومنع المؤنة وجر بعض الصحابة في بطحاء مكة ...الخ

لماذا لم يتخذ النبي عليه الصلاة والسلام بعض هذه الضربات الموجعة؟
لعلمه أنه وفئته المؤمنة لازالوا بعد لم يبلغوا قدرتهم على المقاومة وستستأصل شأفتهم وتباد خضراؤهم فلا يقم بعد للإسلام قائمة تقديراً منه للمآلات ، ووزناً للأمور ، وأناة منه وحلماً وبعداً للنظر في عواقب الأفعال والتصرفات والقرارات .

بل سار على هذا المنهج حتى في أواخر العهد المكي قبل الهجرة بقليل وذلك في بيعة العقبة الثانية وقد قدم عليه الأنصار رضي الله عنهم فقالوا له عليه الصلاة والسلام : والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غداً بأسيافنا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم "
فرجعوا وناموا حتى أصبحوا ".

أما قصة حذيفة في غزوة الأحزاب رضي الله عنه فعجب من العجب لقد أمره المصطفى عليه الصلاة والسلام بأن يذهب في تلك الليلة المخيفة شديدة البرد ليلة الأحزاب والتي بلغت فيها القلوب الحناجر واشتد على المؤمنين الحصار ونقضت قريظة يهود العهد , ويذهب حذيفة رضي الله عنه ويؤمر بالإتيان بخبر القوم ولا يحدث شيئاً ويذهب رضي الله عنه وفي ظلمة ذلك الاجتماع تلك الليلة لأبي سفيان رضي الله عنه مع قادته لم يكن بين حذيفة وقتله لأبي سفيان رضي الله عنهما إلا سهماً يضعه في كبد القوس ومع ذلك امتثل الأمر واستجاب للطلب" ولا تحدث شيئاً "

نعم إن في هذا الوضع والإجراء تقدير لمصالح هي أبعد وأعمق من قتل أبي سفيان إذ لو قتل لربما تدور الدوائر على المسلمين المحاصرين من كل جانب ومن الداخل والخارج ومن أعداء شتى المنافقون واليهود وقبائل العرب وقريش ومن ورائهم ثم لقد كانت رحمة لأبي سفيان رضي الله عنه فقد حُقن دمه فرزق الإسلام بعد ذلك وهُدي للإيمان .

أخي يا رعاك الله ..

ومع هذا المعنى العظيم والفقه العميق في اعتبار مآلات الأمور والنظر الراسخ في عواقب التصرفات نجد جميعا ً موقف المصطفى صلى الله عليه وسلم تنبعث من هذه الزاوية .
إنهم الطابور الخامس والطائفة الرديئة التي ما لُدغ المسلمون من جحر هو أشد من جحرهم ؟!
كم أوهنت من عزائم وخلخلت من صف ورمت بإفك وبهتان : أثاروا الفتن ، قذفوا بالبهتان ، قد رضوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ، ما من سوأة إلا ولهم فيها نصيب ، ولا من موبقة إلا ولهم فيها سبيل ؟!

ومع ذلك كله يقول عمر للنبي عليه الصلاة والسلام لما قال عدو الله ابن أبي السلولي .(لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا ) . وقوله . (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ). قال له: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق . فكان الجواب الحكيم والنظر الثاقب والتقدير للمصالح قال له المصطفى صلى الله عليه وسلم :" دعه لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ".

ودونك المصالح المعتبرة :

1) لكي لا ينفر الناس من الدخول في الإسلام لأن ظاهر عبدالله ابن أبي سلول الإسلام والصلاة والصيام .
2) ولكي تقوى شوكة الإسلام أكثر .
3) ولو قتل لأرعدت لقتله أنوف ، ولفتح النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه جبهة داخلية هو في غنى عنها الآن .

ذكر شيخ الإسلام رحمه الله معنى عظيماً في هذا الشأن ألا وهو ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها :" لولا أن قومك حديثو عهد بالجاهلية لنقضت الكعبة ولألصقتها بالأرض ولجعلت لها بابين , باباً يدخل الناس منه وباباً يخرجون منه ".
والحديث في الصحيحين , فترك النبي عليه الصلاة والسلام هذا الأمر الذي كان عنده أفضل الأمرين للمعارض الراجح وهو حدثان عهد قريش بالإسلام لما في ذلك من التغيير لهم , فكانت المفسدة راجحة على المصلحة .

الخطبة الثانية :

الحمد لله ذي العظمة والجلال . نحمده على كل حال بيده تبديل الأحوال . إذا غير العباد شأنهم من المعصية إلى الرضوان .

والصلاة والسلام على أصبر الخلق وأشجع البرية الذي مُثل بعمه حمزة بن عبد المطلب فحزن لذلك ولم ير باكياً مثل ذلك اليوم وأقسم عليه الصلاة والسلام لئن أظهره الله على قريش في موطن من المواطن ليمثلن بثلاثين رجلاً منهم فأنزل الله ما به تقدير المصالح والنظر في المآلات أنزل قوله تعالى . (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ) .
وصبر ونُهي عن المثلة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

أمة الرسالة الخالدة .

إلى من يرجع تقدير المصالح والمفاسد حال النهوض ببعض التصرفات أو الإقدام على بعض الأعمال ؟
لا جواب إلا إلى أنه إلى كتاب الله وسنة رسوله ، بل والرد على ذلك إلى العلماء الأجلاء الأوطاد الراسخين في العلم والفهم والفقه للواقع ، والبصيرة في العواقب ؛ حتى لا تفهم النصوص على غير مراد الله منها ، وحتى لا تتنزل الأحكام مجردة عن اعتبار الزمان والمكان والحال .

ومعلوم أن الفتوى تتغير بتغيير الظروف والأحوال مما فيه مصلحة العباد والبلاد .

ثم ليعلم أن الجهاد تبع للدعوة ، وأن إراقة الدماء وزهق الأرواح ليس مقصود الإسلام الأعظم ، ثم هل نحن أمام هؤلاء الذين قد وفدوا إلينا وأُعطوا الأمان قد بذلنا جهدنا في دعوتهم لديننا واستنقاذهم من ضلالهم وكفرهم كما هو هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم .

ولئن نسيت فلن أنسى ذلكم الداعية الموفق الذي كان يعمل في قسم التوعية الإسلامية بأحد القطاعات العسكرية أيام أزمة الخليج وقد ألقى كلمة يستحث فيها الناس والتجار ومكاتب الدعوة والجاليات بمدّه وإخوانه بالكتب المترجمة عن الإسلام لأن فئاماً من الجنود الأمريكان وغيرهم منهم من أسلم ومنهم من له رغبة جامحة في التعرف على الإسلام .
من أجل ذلك لنتجرد لله عز وجل حال شروعنا في شأن من الشئون وخصوصاً ما تلحق آثاره بعموم الأمة من الهوى والجهل والأخذ بظواهر النصوص ، وأن نتق الله من الاستدلال بأدلة الوحي في غير مواضعها ، ولنحذر من قلة التجربة ، والجرأة على الفتوى ، وألا نقدم على قرارات فردية أو ثنائية أو ثلاثية دون رد العلماء .

ونعوذ بالله من أن نكون سطحيي النظرة ، وموسميي العمل والارتجال ، ولنضبط النفس ، ولا نخلط بين الأوراق ولا تستهوينا ردود الأفعال غير المتزنة .

ومع ذلك كله لنجهد جهدنا في إصلاح الأوضاع ، ونشر الخير ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومناصحة ولاة أمرنا ، ولننفذ على رسلنا للوافدين إلينا ولندعهم إلى الله قبل أن ينشروا مللهم ومذاهبهم في ربوعنا.

 
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية


حب الإسلام يجمعنا
JoomlaWatch Stats 1.2.9 by Matej Koval