
Share
الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور , (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ) .
أنزل كتبه فيها هدى ونور , ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور , الله نور السموات والأرض , فسبحان من قسم عطاءه بين عباده فهذا مقبول وهذا مردود , وهذا مجبور وهذا مكسور , أحمده عز شأنه أحق محمود وأعظم مذكور , غفور شكور , وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، النور صفته ، وحجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه .
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي كان من دعائه :" اللهم اجعل في قلبي نوراً وعن يساري نوراً ومن فوقي نوراً ومن تحتي نوراً ومن أمامي نوراً ومن خلفي نوراً واجعل لي في نفسي نوراً وأعظم لي نوراً ".
ولما سئل : هل رأى ربه يوم عرج به ؟ قال :" نور أنى أراه ".
وكان إذا استيقظ من الليل يقول :" اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ".
صلى الله عليه وعلى رسل الله وأنبيائه جميعاً و رضي الله عمن اقتفى أثرهم واتبع هداهم إلى يوم الحشر والنشور .
أما بعد .. عباد الله :
أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، واعلموا أن كتاب الله نور وشرعه نور والإيمان نور وكل طاعة نور ؛ فيا فوز من شرح الله صدره للإسلام ؛ فهو نور على نور من ربه . (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ).
أخي باغي الخير :
لا أحسبك إلا محباً للنور مقبلاً عليه داعياً له حاملاً مشعله مكتسياً بحلته :
فمطعمك نور ، وممشاك نور ، وصحبتك نور ، وأخلاقك نور ، وكلامك نور .. لا تسمع إلا نوراً ولا تقرأ إلا نوراً ، إن أمرت فعلى نور ، وإن نهيت فعن ظلمة ، وإن خطوت في دعوتك وبلاغك ونذارتك فعلى نور وإلى نور : نور البصر والبصيرة والإيمان والقرآن في الدنيا , ونور النجاة والفوز في دار الرضوان والرحمة والغفران .
ذاك المؤمن التقي النقي سراج يشع وشمس تسطع ونجم يضيء .
( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) .
| |
|
|
| |
والحظ هنا أن النور واحد لا يتعدد لأنه صراط مستقيم وهدى قويم سبيل أوحد ومسلك أمجد . (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) . أما الظلمة فظلمات : الشرك ، والشك ، والنفاق ، والبدع ، والكفر ، والإلحاد .. فرق شتى وطوائف وأحزاب وشيع لا تنقضي عداً .
|
|
| |
|
|
( يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
قال مجاهد والضحاك والحسن البصري وغيرهم رحمهم الله : هذا يقوله المؤمنون حين يرون يوم القيامة نور المنافقين قد طفئ .
وقال ابن عباس رضي الله عنهما عند قوله تعالى . (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ) . قال : يوم القيامة تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة .
أيها المؤمنون :
( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ) .
فسائل النفس أُخي الحبيب هل لك من النور قبس ومن التقوى زاد ومن الضياء مصباح ؟
ألا إن للحسنة لنوراً في الوجه وضياء في القلب وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الناس ، وإن للسيئة لسواداً في الوجه وظلمة في القلب وضيق في الرزق وكراهية في قلوب الناس .قال عليه الصلاة والسلام مبيناً هذا المعنى مجليا لحقيقته ضارباً الأمثلة له فمن ذلك :
1) الوضوء ..
قال عليه الصلاة والسلام في شأن معرفته لأمته يوم القيامة قال : " فإنهم يأتون غراً محجلين من الوضوء ". والغرة: البياض
وسبحان الله كم يكسو الوضوء الوجه والأعضاء من بهاء وإشراقة ونضرة وسرور .
2) الصلاة ..
قال عليه الصلاة والسلام :" والصلاة نور ". وفي الحديث الآخر :" من مشى في ظلمة الليل إلى المسجد لقي الله عز وجل بنور يوم القيامة ". وفي رواية " بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة ". والجزاء من جنس العمل .
ألا فلتقطع نياط قلوب أقوام حسرة وألماً على تفويتهم الصلوات وتركهم الجماعات .
عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الصلاة يوما ً فقال :" من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف ".
قال عنه العلامة أحمد شاكر رحمه الله إسناده صحيح : فهل ترضى أخي العائد التائب أن يأتي المؤمنون يوم القيامة ونورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم وأنت بتهاونك في الصلاة لا نور لك ؟!
سئل الحسن البصري رحمه الله : لم كان المتهجدون أحسن الناس وجوهاً ؟! فقال : لأنهم خلوا بربهم فأعطاهم من نوره .
3) الصبر ..
قال عليه الصلاة والسلام :" والصبر ضياء ".
4) سورة الكهف ..
فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء الله له من النور ما بين الجمعتين ".
5) أما القرآن فنور كله ..
قال عليه الصلاة والسلام عنه في طرف حديث له :" فيه الهدى والنور من استمسك به كان على الهدى ومن أخطأه ضل ".
لذا روى البخاري رحمه الله عن أنس بن مالك رضي الله عنه : أنه سمع خطبة عمر الآخرة حين جلس رضي الله عنه على المنبر وذلك الغد من يوم توفي النبي صلى الله عليه وسلم فتشهد ، وأبو بكر رضي الله عنه صامت يتكلم ! قال : كنت أرجو أن تعيش ! يعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يدبرنا – يريد بذلك أن يكون آخرهم – فإن يك محمد صلى الله عليه وسلم قد مات ؛ فإن الله تعالى قد جعل بين أظهركم نوراً تهتدون به ؛ بما هدى الله محمداً صلى الله عليه وسلم .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم عنده جبريل عليه الصلاة والسلام إذ سمع نقيضاً فوقه فرفع جبريل عليه الصلاة والسلام بصره إلى السماء فقال : هذا باب فتح من السماء ما فتح قط ! قال : فنزل منه ملك فأتى النبي عليه الصلاة والسلام فقال له :" أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك : فاتحة الكتاب ، وخواتيم سورة البقرة ؛ لن تقرأ حرفاً منهما إلا أُوتيته ".
6) الشيب للمؤمن ..
قال عليه الصلاة والسلام :" من شاب شيبة في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة ". وفي رواية " الشيب نور المؤمن ".
وهذا وارد في النهي عن نتف الشيب , وعن تغييره بالسواد ؛ أما صبغة بالحناء أو الكتم فوارد ؛لقوله عليه الصلاة والسلام :" إن أحسن ما غيرتم به هذا الشيب الحناء والكتم ". والكتم : نبات يشبه الفلفل يستخدم في الخضاب وصنع المداد..
7) المتحابون بجلال الله ..
قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه :" حقت محبتي للمتحابين فيّ ، وحُقت محبتي للمتناصحين فيّ ، وحُقت محبتي للمتزاورين فيّ ، وحُقت محبتي للمتباذلين فيّ ، المتحابون فيّ على منابر من نور ! يغبطهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء ".
8) المقسطون العادلون ..
وممن هم على منابر من نور من أخبر عنهم الحبيب بقوله عليه الصلاة والسلام :" إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل وكلتا يديه يمين , الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا ".
9) أما الصراط يوم القيامة فنور وظلمة ..
سألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم : أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات ؟
فقال :" في الظلمة دون الجسر ". أي الصراط .
صحح الشيخ الألباني رحمه الله أثراً رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما جاء فيه :" يجمع الله الناس يوم القيامة " على أن قال :" فيُعطون نورهم على قدر أعمالهم وقال : فمنهم من يُعطى نوره مثل الجبل بين يديه ومنهم من يُعطى نوره فوق ذلك , ومنهم من يُعطى نوره مثل النخلة يمينه ومنهم من يُعطى دون ذلك بيمينه حتى يكون آخر من يُعطى نوره إبهام قدمه يضيء مرة ويطفأ مرة إذا أضاء قدّم قدمه وإذا طفيء قام – إلى أن قال – حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه تخر يد وتخر رجل وتصيب رجل وتصيب جوانبه النار فإذا خلصوا قالوا :الحمد لله الذي نجانا منك بعد أن أراناك لقد أعطانا الله ما لم يعط أحد ..." الحديث .
اللهم أجرنا من النار .. وأتمم لنا نورنا .. ونجنا من مزلة الصراط وعثرته .
- الخطبة الثانية :
الحمد لله . (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً) . رد كيد أعدائه في نحورهم . (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) .
والصلاة والسلام على البشير النذير القائل :"إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل ؛ فلذلك أقول : جف القلم على علم الله ".
أخي الوجل من ظلمة المحشر ..
ألا إن من مرادفات النور ما ذكر الله في شأن المؤمنين يوم القيامة حين قال . (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) . وقال سبحانه . (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) .
أما القبور فنور وظلمة .. كانت امرأة سوداء تقم المسجد أو شاب ,فقدها عليه الصلاة والسلام فسأل عنها أو عنه فقالوا :مات. قال: " أفلا كنتم آذنتموني؟! " قال : فكأنهم صغروا أمرها أو أمره ! فقال دلوني على قبره فدلوه فصلى عليها ثم قال : " إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله عز وجل ينورها لهم بصلاتي عليهم ".
ألا إنها أخي المؤمن ظلمة المعاصي جاورتهم في قبورهم , زد على ذلك أن الحديث عنه عليه الصلاة والسلام جاء فيه :" إذا قبر الميت أو قال -أحدكم – أتاه ملكان أسودان أزرقان ...." والسواد من مفردات الظلمة أما قرأت قوله تعالى . (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) .
وليس المراد هنا المؤمن ؛ فبلال وأسامة بن زيد رضي الله عنهما سود البشرة ولكنهم من فضلاء الصحابة رضي الله عنهم , ومما يدل على ظلمة المعاصي وقتر وجوه أهلها واستطارة شرورهم أن الحبيب عليه الصلاة والسلام قال :" كان الحجر الأسود أشد بياضاً من الثلج , حتى سودته خطايا بني آدم". كما أن العمى والعياذ بالله عن الهدى والنور من مرادفات الظلمة قال سبحانه : ( قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى) . وقال المولى . (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ) .
أخي يا رعاك الله ..
الله .. الله في نور الطاعة والعبادة ..احرص عليه ورسخ القدم فيه ..أفعمه قلبك ، وأملأ جوانحك ، وزكي به جوارحك .
احرص على نور المحبة لله ولرسوله وللعصبة المؤمنة .. لنصابر النفس معهم ، ولنحرص على مجالستهم وحضور موائد علمهم ؛ فهم يوم القيامة على منابر من نور ..
ها قد استبان لي ولأخي ما النور والظلمة فإلى الله نحث الخطى عسى أن يجعل لنا في ظلمة المحشر نوراً ..