2012/02/08 ميلادية
الأربعاء 15/3/1433 هجرية    
المسجد منبر الجمعة الديون .. المشكلة والحل
English  |  oromo اردو   |   中文

. . .



الديون .. المشكلة والحل طباعة إرسال إلى صديق
منبر الجمعة
الكاتب عابد الثبيتي   
الخميس, 20 أغسطس 2009 12:36
Share

Share

الحمد لله الذي كان بعباده خبيرا بصيرا، وتبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله ، بعثه الله للعالمين هاديا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد:

يا أيها الناس اتقوا ربكم...
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا...

أيها الأخوة المؤمنون:

إنها مشكلة دخلت كل بيت، واصطلى بنارها كل فرد، ولم يسلم من جحيمها المستعر إلا القليل النادر من أفراد المجتمع، كم أقضت من مضاجع، وكم أسهرت من عيون، وكم كسرت من نفوسٍ، حتى جعلتها ذليلة بين الناس، كم من عزيز قوم بها ذل ، وكم فُرِّقت بسببها من أسرة ، ويا لله كم لها من ضحايا يقبعون خلف قضبان السجون.
إنها حمى تضطرم نيرانها في قلوب المعذبين بها، وهم لا يجدون لها دواءً ، إنها داء إذا فشا في مجتمع أصابه بالاضطراب والتفكك، وفشت فيه الأمراض النفسية والعصبية، ولا يعرف حقيقة عظم البلاء بها إلا من اكتوى بنارها...

إنها مشكلة الديون...

الديون التي تراكمت على أفراد المجتمع في حين غفلة عن آثارها السيئة، ومازال أفراد منا يحاولون الخلاص منها فلا يعرفون المخرج، كلما حصلت منهم محاولة للخروج من مأزقها المالي إزدات الديون وتضاعفت ، وتفاقمت هنالك المشكلة، لذا وجب على المسلمين التناصح فيما بينهم لحل هذه المعضلة ، ولابد من المساهمة الفاعلة في التوعية بأضرار الديون وخطرها على الأفراد المجتمعات، لأن الخطوة الأولى في علاج كل مشكلة تكمن في بيان أسبابها ليحذر الناس من سلوكها، وبيان طرق الخروج من أزمتها ليسلكها كل متلهف للخلاص منها.

ولعلي أعرض في هذه الخطبة أهم الأسباب التي أوقعت الكثيرين منا في شرك الديون، مع التنبيه على أن اقتراض الإنسان من غيره ليس محرماً شرعاً ، ولا معيباً عقلاً ، فقد مات الصادق المصدوق ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعاً من طعام، أقترض أفضل الخلق  واقترض صحابته الكرام، ولا يزال الناس يقترضون لسد حاجاتهم إلى يومنا هذا. وإنَّ ما سأذكره من الأسباب إنما هو من الأسباب غير الوجيهة للاقتراض، فلن أعرض لم اقترض لاستكمال قيمة أرض أو شراء بيت أو للنكاح وإعفاف نفسة، وليت الديون التي تراكمت على الناس كانت لمثل هذه الأمور لخفَّ الخطب وهان المصاب.

فمن تلك الأسباب:

• عدم رضا الإنسان بما قسم الله له من الرزق، فالغني يزداد طمعه ، وصاحب الدخل القليل يريد أن يحيا حياة الأغنياء ، وهكذا يزداد سُعار الناس في التكثر من حطام الدنيا على غير وجهة صحيحة.
تعشُّقِ الكثيرين للمظاهر الزائفة والتشبع بما لم يعط الإنسان، فيحرصون على أن تكون السيارات فارهة، والجوالات على آخر جيل نزل الأسواق، وأثاث البيوت من أشهر بيوت الأثاث العالمية، وقد أخرج البخاري ومسلم عن أسماء رضي الله عنها قولها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (( المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور )).

• الاستعجال في تحقيق الأماني، فقد يتمنى الإنسان مسكنا أو زوجة أو غيرها من متع الدنيا فيندفع لتحقيق ما حَلُم به وتمناه من غير دراسة لوضعه المالي ولا رويَّة في اتخاذ القرارات، فيغرق في بحر الديون وتغرق معه أمانيه الوردية في تحقيق سعادته وراحته.

• الوقوع في أسر العادات، في النكاح أو الأعياد أو الالتزامات القبلية، فلا يفكر في مخالفتها ولا يجرؤ على تغييرها، يقول أحدهم أنه يقترض من معارفه ليعطي العيدية لأسرته، وآخر يستدين ليقيم وليمة نكاحه في صالة أفراح كبرى، ويدعو لزواجه كل القبيلة، وآخر يلتزم بدفع مهر كبير لولي امرأته خشية أن يُنعت بالفقر، أو حياءً من التراجع عن الخطبة. وهكذا تتراكم الديون حتى يعجز المسكين عن سدادها.

• نظر الإنسان إلى من فوقه ممن أغناهم الله ووسع عليهم في الرزق، لذا فهو يجاريهم مع أن حاله ليس كحالهم، فيدفعه ذلك لإنفاق كل دخله مجارة لهم، ثم يستدين ليسد حاجاته في بقية شهره .

• الفهم الخاطيء لبعض الأوامر الشرعية، فيفهم الكرم أنه كلما جاءه ضيف لابد له من ذبيحة، وكلما طلبت الزوجة أو الأولاد شيئا وجب عليه إحضاره ظناً منه أن هذه هي النفقة الشرعية، ويقحم نفسه فيما لا يطيقه من الالتزامات المادية مع الوالدين ظناً منه أن هذا هو البر بالوالدين. والله عز وجل يقول:  لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ويقول:  ليفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله، لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها.

• الحلم بالثراء الفاحش السريع، فبدل أن يبدأ بمشروع تجاري صغير يريد مركزً تجارياً كبيرا، وبدل أن يستثمر مبلغاً قليلاً ميسوراً يريد الاستثمار بمئات الألوف أو الملايين.

• الانسياق وراء عروض الإقراض التي تطرحها البنوك المحلية أو العالمية والتي تصل إلى عشرات أضعاف الراتب.

• الكفالات الغرامية، فكثيرا ما يُحرَج الإنسان عندما يطلب منه رجل من معارفه أن يكفله في قرض، أو سلعة مقسطة، فيستجيب للكفاله بدافع النخوة والمساعدة حيناً وبدافع الحياء أحيانا، وسرعان ماتذهب تلك الالتزامات بالسداد أدراج الرياح، فيكون الكفيل هو المطالب بالسداد، فتمر الأعوام وهو يتجرع خصص المكر والخديعة التي نالها من صاحبه.

• الاغترار بالمشاريع الوهمية: إنه تحت ضغط الرغبة في الثراء ومحاولة استحداث دخول إضافية وقع كثير من الناس في مصيدة بعض المحتالين، الذين يجمعون الأموال زعماً منهم أنهم يتاجرون بها في أسواق المال العالمية أو بعض البطاقات والسلع الداخلية، ويعدون بالأرباح السريعة التي تتجاوز ثلاثة أرباع رأس المال في الشهر الواحد، فباع صاحب الدار داره، وصاحب الأرض أرضه، واشترى بعض الناس السيارات بالأقساط، وباعوها وسلموا قيمتها في يد أولئك، واقترض البعض الآخر الأموال الطائلة من البنوك الربوية وسلموها في أيدي المنقذين لهم من شبح الفقر كما يزعمون.

فذهبت تلك الأحلام أدراج الرياح، حين صحا من صحا منهم على أصوات الذين سبقوهم بالمساهمة، فحاولوا تدارك الأمر ولكن دون جدوى ، ديون تكالبت، والرواتب تذهب في سداد الأقساط ، والغرماء يلاحقونهم في أقسام الشرط وردهات المحاكم. فإنا لله وإنا إليه راجعون.

• سيطرة بعض العبارات الشيطانية التي يتلقفها الناس ويعملون بها من غير التفكير في آثارها السيئة ولا وزنها بميزان الشرع، ومن تلك العبارات قول قائلهم: ( أنفق ما في الجيب، يأتيك ما في الغيب) وقولهم في تبرير إنفاقهم في غير مصلحة: (أنت تملك المال وليس المال يملكك) ، ( طأ بقدمك الدنيا، ولا تدع الدنيا تطأك) ، ( إذا خسرت فاستكثر) يعني استكثر من الخسارة، وكقول جهلتهم: ( دين النساء بالآلاف، أما دين الرجال فبالملايين).

تلك هي أكثر الأسباب شيوعاً ، وهي التي أدت إلى تفاقم مشكلة الديون في المجتمع، وأدت بكثير من الناس إلى الغرق في الديون، وتبعت ذلك الاضطرابات النفسية، والإصابة بالأمراض كالسكري وارتفاع ضغط الدم وغيرها، فهل من بصير يحذر؟ وهل من ذي قلب يتعض؟

عباد الله: لنرض بما قسم الله لنا، ولنعالج مشكلتنا برويَّة وعلى بصيرة، فإن المدين محجوب عن الجنة ولو كان شهيدا في سبيل الله حتى يقضى ما عليه من الدين، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين ). أخرجه مسلم
أقول ما سمعتم...



الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين ، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً. أما بعد:

إنه ما من مشكلة إلا ولها حلّ، وما من داء إلا وله دواء، فلنتعرف على بعض الأساليب والطرق التي نعالج بها مشكلتنا مع الديون، واعلموا أن من أساليب العلاج ما يعتبر وقائياً وذلك قبل حصول المشكلة، ومنها ما هو علاجي لمشكلة وقعت واستفحلت.

فمن طرق العلاج:

• الرضا بما قسم الله لنا من الرزق، ولنعلم أن ما قدَّره الله لنا هو خير، ولا يمنع هذا من السعي لتحسين الأحوال، ولكن بالتدريج بعد التفكير ولمشاورة والاستخارة.

• لننظر إلى من هو دوننا في الحال، فإنَّ ذلك أحرى ألا نزدري نعمة الله علينا.

• إذا أردت أن تستدين لحاجة ماسة فاستحضر نية السداد، فإنما الأعمال بالنيات، وأعلم أن الله سيعينك على سداد دينك متى ما علم منك النية الجازمة على ردِّ الحقوق إلى أصحابها، روى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم استدانت، فقيل لها: يا أم المؤمنين تستدينين وليس عندك وفاء !؟ قالت: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من أخذ دينا وهو يريد أن يؤديه أعانه الله عز وجل ) أخرجه النسائي وصححه الألباني.

• الحذر كل الحذر من القفزات المحطمة، فكم من مريد للخير لم يبلغه، فلا تبع شيئا من مقتنياتك التي تعبت في الحصول عليها سنين طويلة، فلا تبع بيتك لتدخل في مساهمة، أو تبع سيارتك لتشارك بقيمتها في تجارة، وذلك لأن التجارة معرضة للربح والخسارة، فلو خسرت فيها ذهبت بكل ما عندك، وهذا الأمر عينه هو الذي أوقع كثيرا من الناس في الديون.

• إن كان الدين ضروريا فاحرص ألا يزيد التزامك المالي للغرماء عن ثلث دخلك الشهري.

• إذا وقعت في الدين وشعرت أنك ستعجز عن سداده، أو كان سداده ثقيلاً ، فلا تسدَّ الدين بدين آخر، فقديما قيل: إنَّ الدم لا يغسل بالدم.

• إذا كان دينك مفرقا لأشخاص كثيرون فحاول توحيده على شخص واحد تدفع له على انتظام، ولا تفعل ذلك إلا بعد التفكير العميق والتأكد من فاعلية هذا التصرف.

• بيع ما يمكن الاستغناء عنه وتدفع قيمته في سداد الدين، فمن يملك سيارتين مثلاً فيكتفي بواحدة ويبيع الأخرى ويسد بها من الدين، وإن كانت سيارتك جديدة بعها واشتري أخرى قديمة نسبياً وما زاد من قيمتها سُدَّ به في الدين، وهكذا.

• الانتظام في السداد الشهري مهما كانت الظروف، وإذا شعرت أنك لن تستطيع الانتظام فاجعله استقطاعاً من قبل البنك يخصم فور نزول الراتب في حسابك.

• إذا كان لك ديون عند الناس فاسع في طلبها وتجميعها، ثم ادفعها في سداد ما عليك من الديون.

• لا تكفل أحدا إلا إذا وثقت به تمام الثقة بعد شدة معرفة وطول معاشرة، واطلاع على وضعه المالي وأنه يمكنه السداد. فلا تكفل رجلاً عليه أقساط أخرى فمثل هذا لا يستطيع السداد، ولا تكفل من لا تعرفه إلا من خلال زمالة في عمل أو مشاركة في دورة أو برنامج؛ بل لا تكفل إلا رجلاً تعرفه تمام المعرفة وتعرف قدرته على السداد، ولتكن أكثر شجاعة في الاعتذار ممن ترى أنه لن يستطيع السداد، مع نصيحته إلا يثقل على نفسه بالديون والالتزامات المالية.

• نظِّم مصروفاتك الشهرية. فبقليل من تنظيم المصرفات تسلم بإذن الله تعالى من السقوط في وحل الديون، ويمكن الاستفادة من المثال التالي: رجل يبلغ دخله الشهري خمسة آلاف ريال، ومجالات الصرف لديه على النحو التالي: إيجار مسكن باثني عشر ألفا سنوياً، وفواتير الكهرباء والهواتف تبلغ ستة الآف ريال سنوياً، ومصروفات السيارة ستة آلاف ريال، والطعام والشراب يستهلك سنوياً ثمانية عشر ألفاً، والملابس تحتاج في السنة إلى أربعة آلاف وثمانمائة ريال، والضيافات والصلات ستة آلاف، والعلاج ألفان وأربعمائة ريال.
وبعد حصر مجالات الصرف والمبالغ المتوقعة للصرف عليها يُجعل لكل مجال من تلك المجالات مظروف خاص يودع فيه شهرياً، فيضع في مظروف المسكن ألف ريال شهرياً، وفي مظروف الفواتير خمسمائة ريال شهرياً، وفي مظروف السيارة خمسمائة ريال شهرياً، وفي مظروف الطعام والشراب ألف وخمسمائة ريال، وفي مظروف الملابس أربعمائة ريال شهرياً، وللضيافة خمسمائة ريال شهرياً، وللعلاج مئتي ريال شهرياً، فمجموع ما وضع في المظاريف أربعة آلاف وستمائة ريال شهرياً، ويبقى أربعمائة ريال شهريا توضع في مظروف الادخار الاحتياطي.
وبهذه الطريقة تكون المحصلة النهائية أن الإنسان لا يحتاج إلى الدين فكلما عرضت حاجة للصرف وجد المال المخصص لها كافياً، وإذا مر شهر من الشهور لم يصرف فيه كل المبلغ وبقي فائض فإنه يحوَّل إلى مظروف الادخار الذي يمكن الاستفادة منه في التنزه أو السفر ونحو ذلك...

• تقليص المصروفات الشهرية والاكتفاء بما هو ضروري أو حاجي، والاستغناء عن الكماليات، كترك الجوال وترك الاشتراك في الانترنت، وهكذا.

• البحث عن عمل إضافي يسهم في سداد الديون ولو بالقليل.

• الدعاء ، دعاء الله تعالى أن يعافيك من الدين ، وأن لا يجعل للناس عليك تفضل أو منَّة، فقد روى البخاري في صحيحة عن أنس بن مالك رضي الله عنه : كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنت أسمعه كثيراً يقول: ( اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين وغلبة الرجال).

وإذا وقعت في الديون فعليك أيضاً بالدعاء، فقد روى الإمام مسلم في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام اضطجع على شقه الأيمن ثم قال: ( اللهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء ، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر ).

عباد الله:
هذه إلماحة عجلى، تسلط الضوء على جزء من المشكلة، وتبين أشهر أسباب الوقوع فيها وبعض أساليب علاجها والخلاص منها، وليس ما ذكر هو كل شيء ولكن حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق، والله الموفق للصواب.

اللهم رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، أنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، منزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين...

 
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية


حب الإسلام يجمعنا
JoomlaWatch Stats 1.2.9 by Matej Koval