
Share
أمة الإسلام ..لنطوي سنيّ التأريخ وحقب الأعوام ..لنرقب باب عمر الفاروق وقد شُغل رضي الله عنه بأمور المسلمين فأقام حاجباً على بابه يستأذنه من أراد الدخول فجاء أشياخ قربش وأسياد وادي مكة , أبو سفيان بن حرب ,والحارث بن هشام وسهل بن عمرو رضي الله عنهم فاستأذنوا على عمر فلم يأذن لهم !!
فجلسوا فطال بهم الجلوس حتى علق التراب بثيابهم ثم خرج الآذن , لا ليأذن لهم !ولكن ليأذن لرهط آخرين ؟
جاء الآذن ليقول : ليدخل بلال بن رباح وصهيب بن سنان وخباب بن الأرت رضي الله عنهم!!هؤلاء الضعفة من المسلمين كانوا أعبداً ويباعون في سوق مكة , فنظر أبو سفيان إلى سهيل بن عمرو والحارث بن هشام رضي الله عنهم ..
التفت إليهم يقول : " ما رأيت ذلاً كهذا اليوم قط , يأذن لهؤلاء الأعبد ويدعنا ".
فقال سهيل بن عمرو رضي الله عنه ; وكان أعقل القوم وأسددهم رأياً قال : " إن كانت بكم ملامة فلوموا أنفسكم , لقد آمنوا وكفرتم وصدقوا وكذبتم , وأسرعوا وأبطأتم , ولله لما سبقوكم إليه من الخير أعظم من بابكم هذا الذي تتنافسون عليه , وإنه سبيل لكم إلى إدراك ما سبقوكم إليه إلاّ بأن تعملوا اعملوا ".
ثم قام سهيل ينفض التراب عن ثوبه ميمّناً صوب الشام فتحمّل بأهله وذهب إلى الشام غازياً لعله يستدرك في بقايا عمره , ما سُبق إليه فيما مضى , حتى قُتل رضي الله عنه; هناك مجاهداً .
ولئن استنطقنا التاريخ فنطق , ليقولن : يا سهل مقالك رشيداً ورأيك سديداً , ولكن لا سبيل إلى استدراك ما سبق إليه هؤلاء , ولو عمّرت عمر نوح عليه السلام; , أنى لك أن تدرك مقام أحدهم في بدر يوم قال الله لأهل بدر (( اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم )) .
وموقف أحدهم في أحد , يوم قال المولى .( الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ).
أو مقام حدهم يوم الأحزاب , يوم قال عزّ في علاه :( وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً) ..
أو مقام أحدهم تحت الشجرة يوم بسطوا أيديهم يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جل وعلا :( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ) فكان أحدهم يمشي على الأرض وهو يعلم أن رضى الله عليه قد كتب له في السماء , أنى لك يا سهيل أن تدرك وأنت من مسلمة الفتح ونفقتهم قبل الفتح , وأمامك آية عظيمة تقول :( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ).
إنها فرص في حياة الناس , يستغلها قليل فيسعدون , ويعرض عنها كثير فيشقون , ويتباطؤ عنها فئام فيندمون , خلل في البدايات .
الخطأ في تحديد الاتجاه, إضاعة فرصة السبق للإسلام , عناوين تصلح أن تكون لهذه القصة ...
إن الحياة كلها فرصة .. وسيندم الكثيرون على فوات اغتنامها فيما يقربهم إلى الله , وينيلهم مرضاته , ثم يفيقون ولكن متى ؟ عند غمرات الموت . فيأتيهم الجواب يوم يقول قائلهم :{ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} .
سيتحسرون ولكن في دركات النار يوم ينادون بل يستغيثون .(رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ) فيأتيهم الجواب .( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ).
ذهبت الحياة كلها , كانت فرصة كانت معمورة بموائد الخير , وأعمال البر , ونفحات الإيمان وصنائع المعروف ، وقربات شتى فأضيعت , فطال عليها هنالك الندم ..
المال فرصة يفرط فيه أناس حتى إذا بلغت الحلقوم , قال هو لفلان ..ولفلان , وصدقة للمشروع الخيري , ويبنى بشيء مسجد في محلة كذا . انتقلت ملكيته إلى الورثة.
.
إنها الفرصة التي فرط فيها كثير فلكأنك تسمع زفرات بعضهم وهو يقول . ( رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) . فيأتي الجواب ..( وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
الشباب و زهرة العمر فرصة .. وأمام الشاب عرض سخيّ مشرع يقول صلى الله عليه وسلم:" سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلاّ ظله :..فذكر :" شاب نشأ في طاعة الله "
نشأ في حلق القرآن نشأ في صحبة الأخيار .. نشأ في مجالس العلم .. نشأ في سماع المفيد .. نشأ في قراءة النافع , نشأ في برّ والديه , نشأ في خلق زكيّ وأدب جم , ومنطق كريم , نشأ في بعد عن خنا وزنا , وأفلام وقنوات وأسواق ومنتزهات , نشأ وله قلب موصول بالله , معلق بالمساجد , معمور بالإيمان , نشأ في طاعة الله , هذا العرض فرصة يُغلق الاكتتاب فيه بعد مرحلة الشباب , فلا يمكن لمن اختلط في عارضيه ورأسه بياض وسواد . أن يقول أني مشمر لعرض جزل سخيّ كهذا ؟! ! .
أخي باغي الخير ..
ها هو أبو إسحاق السبيعي يقول للشباب لمّا رق عظمه وكبر سنه واحدودب ظهره " اغتنموا قوتكم وشبابك قلّ ما قرّت بي ليلة إلاّ وأقرأ فيها ألف آية ، وإني لأقرأ البقرة في ركعة ، وإني لأصوم الأشهر الحرم " .
إن الصحة فرصة والفراغ فرصة (( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ )).
زر أخي مصحات المعاقين سنين عدداً , منّ الله عليهم بشفاء من عنده , وأنظركم هي الحسرات على صحة أضاعوها , وعافية كانوا فيها , ألاّ يكونوا اغتنموها , وفي مرضات الله عمروها , ألا إنها تاج على رؤوس الأصحاء لا يراها إلاّ المرضى , وقل مثل ذلك في فراغ الأوقات قبل هجوم المشاغل والالتزامات وتكاثر الواجبات والعلاقات ..
إن في الحياة لفرص , والفرصة سريعة المجيء بطيئة العود ..
إنها فرص إذا تأملتها أخي الفطن اللبيب , وجدتها متنازعة بين طائفتين وفرقتين:
طائفة من شبيبة أخيار , وكوكبة أبرار , حرموا أنفسهم وأهليهم متعة الإجازة في عنفوانها , ليقوموا محتسبين مأجورين على مراكز صيفية قد ضمت بين جوانحها مئات من الشباب لو لم يكونوا فيها لصرفت أوقاتهم في ملاه وطرقات وسهرات ومسلسلات لا ترضي الله عز وجل .
أو مثل ذلك ممن قاموا على ملتقيات دعوية وبرامج أسرية وزواجية , وقد نظموا مناشطها وهياؤا سبلها ووسائلها , لتكون بديلاً مباركاً عن غيرها مما لا يحسن بالمرء ولا بأسرته بل لا يصح حضورهم إليها وتكثير سواد الناس فيها .
أو قريباً من ذلك من أعدوا دورات علمية أو شاركوا في قوافل دعوية أو حبسوا أنفسهم على جمعيات خيرية ونحو ذلك كثير ممن قال الله فيهم ( وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فشكر الله سعيهم وبارك جهودهم .
أما الفريق الآخر فهم كذلك أفنوا أوقاتهم وأسهروا لياليهم , وأنفقوا أموالهم ونظموا برامجهم ولكن في اتجاه آخر . وفي سبيل معاكس ما لا نتاج له ولاثمرة إلا معصية الله عز وجل .. ألا فليتقوا الله .. وليتق الله معهم , من ليتهم يوم أن رضوا بالقعود عن دور ينهضون به ومناشط يخدمون بها الصالح العام اكتفوا بذلك .
بل نسأل الله السلامة والعافية كانوا مغاليق للخير معوقين ومخذولين عن أعمال مباركة وجهود مثمرة وبرامج نافعة .
فلنتدارك الأنفاس , قبل حلول الزفرات ولنكن على الخير أعواناً .. وللقيام بالحق إخواناً, نبارك كل مشروع وندعم كل مصلح , ونسهم في مجالات المعروف والنفع , ولنفتح أبواب البر والإحسان .
وإني لأستجير الله وإياكم أن نكون ممن قال الله فيهم { قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً}
أخي راجي البر .
ولعلها فرصة أن تنتهز , أُذكر نفسي وأخي بها قبل فواتها وانقضائها , ألا وهي من أدرك أحد أبويه أو كليهما حال حياتهما .. البر البر , الزم قدميها فثم الجنة ، باب من أبواب الجنة , رضا الرب في رضاهما وسخطه في سخطهما , وإن أردت أن تعلم قدر هذه الفرصة فاجلس إلى من فقدهما , كم هي الحسرات تعصر فؤاده , والأنات والزفرات تخنق أنفاسه على فواتهما وعدم إدرك برهما . ..
الخطبة الثانية :
الحمدلله .. تتابع برك , واتصل خيرك , وعظم رفدك , وتناهى إحسانك وصدق وعدك , وبر قسمك , فلك الحمد أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً ..
نسألك ألا تستعملنا إلا في طاعتك وألا تشغل عوارضنا إلا في مرضاتك , وألا تعمر أقاتنا إلا فيما يقربنا إليك ويرضيك عنا ..
والصلاة السلام على محمد الأمين قام فأنذر .. ورغب ورهب آخذ بحجزنا عن النار فمن تقحّم فيها فعلى نفسه جنا ولهواه اتبع , فصلى الله وسلم عليه وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ..
أيها المؤمنون :
الحياة فرص .. وعمر الإنسان فيها محدود فلا مجال فيه لأن يكون محطة تجارب ، فالسعيد من وُعظ بغيره فليس في العمر سعة لأن نتعلم من أخطائنا , فلنتعلم من أخطاء غيرنا فإن لم تكن المبادرة والمنافسة والمصارعة والمسابقة في طاعة الله , فإننا جميعاً نعوذ بالله من وقفة الحسرة ونظرة الندامة إلى ماضي العمر وقد أخطأنا في تحديد الهدف ورسم الاتجاه ..
وإن من نعمة الله على العبد أن يُمد له في أنفاسه وأيامه لعله أن يتدارك بعد طول عمر ما تداركه سهل بن عمرو رضي الله عنه .
وهناك من يفيق ولكن متى في لحظة قد استدبر فيها الدنيا وستقبل الآخرة ..
حضرت عبَد الملك بن مروان الوفاة فأمر أن تُفتحَ شرفةُ القصر ، أن يرفع حتى ينظر إليها . فأطّلّ من شرفة القصر ، فإذا غسالاً لوي ثوباً يقصره ، فتنهد عبد الملك الخليفة ، وقد استدبر عُمُرَهُ وملكه واستقبل آخرته فقال :
ليتني كنت غسالاً أكسِبُ قوتي يوماً بيوم ، ليتني كنت عبداً الرجل بجبال تهامة ولم أل من أمر الناس ما وَلِيْتُ ، وطارت الكلمة إلى سعيد بن المسيب ، فقال الحمد لله الذي جعلهم يَغرّون إلينا عند الموت ولا نغرّ إليهم .
أَخيَّ في الله .. هل سمعت أحداً عند الموت يقول يا ليتني كنت ملكاً ؟! ، أما الملوك فقد حضر أحد خلفاء بني العباس الموتُ ، فجعل يستجمع قواه هو ويقول ، احملوني على الفرس فحملوه تحت قدماه فقال أنزلوني احفروا قبري فحفروا قبره فجعل ينظر إليه ( مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ) إفاقة .. نظرة ولكن أني له التدارك ).
أتدري من أعظم من هؤلاء حسرة إنهم الذين لا يفيقون ولا يرعون إلا هناك يوم الفزع الأكبر وهم يصطرخون ( قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) الآن صدق المرسلون .
أخي الراغب في الخير .
دونك غنائم متاحة وفرصاً ثمينة أُلمح إلماحاً .
1) الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم .
من صلى عليه صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً.
2) كفالة اليتيم .
3) الصلاة في الحرم .
4) الساعي على الأرملة والمسكين .
5) الأوقاف وبناء المساجد أو الإسهام فيها.وكل عمل صالح يجري أجره للعبد بعد موته.
ومن أعجب العجب أن يكون تحسّر أقوام على فرص أضاعوها لم يغتنموها في معصية الله ... أتدري حال من هذا أٌخيًّ ..
إنه حال منْ مَنَّ الله عليهم وأكرمهم في مقتبل عُمُرهم بالستر والعافية ، ثم لما تطاولت بهم العُمُر ورزقهم الله المال ورحلوا في السعي وراء تجاراتهم أو خرجوا في بعض إجازاتهم إلى بلاد بعيدة أو قريبة ، فوجدوا هناك أبواباً للفسق مشرعة ، وفواحش والعياذ بالله متاحة ، أخذوا يتحسرون أين منهم هذه النعم أيام الصبا !!حرياً بأحدهم أتن يكون شأنه كما قال الله تعالى ( حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) .
أيها الأخ المبارك طبت وطابت أنفاسك
كن شجاعاً واتخذ القرار ... عزمة جدة .. وإرادة جازمة ، وتوبة صادقة ، وتدارك مُعّجل ،وانتهز فرص العُمُر
" وفي ذلك فليتنافس المتنافسون "
" لمثل هذا فليعمل العاملون "
" والسابقون السابقون "