
Share
إنه مع تطاول الزمان ، واندراس العلم ، وبعد الناس عن عهد النبوة بصفائه وقوته ، فقدنا أخلاقا كانت للمسلمين هامة ، وكانت على العلماء منهم شامة ، وعلى الصالحين والأولياء آية وعلامة… تركناها ، فتخبطنا في حياتنا بكل نواحيها :
فمن مستعجل للرزق يطلبه ويغضب إذا تأخر عنه ، إلى متباطئ للإجابة عند الدعاء ، إلى متعجل للنصر على الأعداء ، إلى حامل للناس بالقوة على ترك ما هم عليه من الأخطاء ،
فتعبنا و أتعبنا من حولنا، وأوقعنا أنفسنا في صراعات ومنازلات لسنا لها بأهل ، فتعثرت المسيرة ، وتباعدت الخطى ، وقلّ السائرون إلا من رحم الله … وفرح الأعداء المارقون ، فتكالبت على الأمة الأمم ، فاصبح الحليم حيرانا ، والرويبضة مفكرا ومنظرا ، والجبان مهددا لنا ومتوعدا ، والجاهل فينا مفتيا ومعلما …
جاء وفد من وفود العرب إلى المدينة فرحين بمقدمهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما أن وطئت أقدام رواحلهم أرض المدينة ، إلا تبادروا من على ظهورها ميممين تجاه مسجد النبي عليه الصلاة والسلام ، لينضروا إلى وجهه المبارك ، ويسمعوا حديثه ، ويبايعوه على الإسلام ، إلا شابا منهم ، من أحدثهم سنا ، تأخر حتى أتى عيبته ، فلبس ثوبيه ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم ،فقال له النبي عليه الصلاة والسلام : (( إن فيك خصلتين يحبهما الله : الحلم والأناة ))
الأناة : التأني والطمأنينة والسكينة ،… نفسٌ لا تعجلها الظروف ، ولا تفقدها صوابها الخطوب ، تمشي بخطى ثابتة ، ورؤى صائبة …
ما أجمل أن يتحلى المسلمون بالسكينة لتهدأ عجلتهم ، وتتهذب أخلاقُهم ، وتتحقق بإذن الله أهدافُهم ، وينالون محبة ربهم …
إنها السكينة : الخلق المفقود …إنها سمة العلماء ، وصفة الأولياء ، …لهم في نبيهم قدوة ، ولهم في أخلاقه أسوة ، قال ابن القيم رحمه الله : (( جاء في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة : إني باعث نبيا أمياً ، ليس بفظ ولا غليظ ، ولا صخاب في الأسواق ، ولا متزين بالفحش ، ولا قوّال للخنا ، أسدده لكل جميل ، وأهب له كل خلق كريم ، ثم أجعل السكينة لباسَه، والبر شَعاره، والتقوى ضميَره ، والحكمةَ مقولَه ، والصدقَ والوفاءَ طبيعتَه ، والعفوَ والمعروفَ خلقَه ، والعدلَ سيرتَه ، والحقَ شريعتَه ، والهدى إمامَه ، والإسلام ملتَه ، وأحمدَ أسمَه ))
والذي يتأمل لفظ السكينة الوارد في السنة المطهرة ،يجد أن لها مواطن يحتاجها الناس ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بها أصحابه عندها ، ومن تلك المواطن :وقتُ مجيء الناس للصلاة فيشرع المشي بسكينة ووقار كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ، وأتوها تمشون ، عليكم السكينة ، فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا )) وقال محذرا من عجلة الناس في القيام إلى الصلاة قبل رؤيتهم للنبي عليه السلام : (( لا تقوموا حتى تروني ، وعليكم السكينة ))
ومن المواطن التي أمر الناس بالسكينة فيها :
عند قيادة الجموع الغفيرة ، حفاظاً على الاجتماع وعدم الفرقة ، وحتى ينتظر بعضهم بعضا . فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر الناس بالسكينة ، عندما رأى اندفاعهم من عرفات إلى المشعر الحرام وهو ممسك بزمام ناقته يجرها إليه ، ويشير إلى الناس بيده اليمنى ويقول : (أيها الناس السكينة ، السكينة )
ومن أشد ما يحتاج الناس فيه إلى السكينة والهدوء ، ذلك الموقف العصيب عند ثوران الفتن ، واجتماع الجيوش ، وملاقاة الأعداء ..
قال البراء : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب ينقل التراب ـ وقد وارى التراب بياض بطنه ـ وهو يقول :
والله لولا أنت ما اهتدينا .... ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا .... وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا علينا .... وإذا أرادوا فتنة أبينا
ومن مواطن الحاجة إلى السكينة إذا تصدر المسلم لحل المشكلات، والإصلاح بين المتنازعين بحيث تفهم الدوافع، وتوزن الأقوال والأفعال، مما يقرب بين النفوس ويزيل الأحقاد.
ومن مواطن الحاجة إليها إذا تصدر العالم للفتوى وإصدار الأحكام، فعليه بالروية وتفهم السؤال، ولا بأسس من تكرار ما فهمه من السوال على مسمع السائل حتى يقرره به ثم يعطيه الفتوى.
ومن مواطن الحاجة للسكينة أيضاً : عند دعوة الناس إلى الدين بالترغيب والترهيب ، فلا نتعجل على المدعو بالتعنيف ، فربما له عذر وأنت تلوم ، بل لابد من معرفة أحوالهم ، والدوافع التي جعلتهم يفعلون ذلك ، حتى نتألف قلوبهم ، فلا ينفروا من الخير ، واسمعوا إلى قول شيخ الإسلام رحمه الله وهو يبين المنهج الأمثل في إنكار المنكرات على الناس : ((وبقيت هنا المسألة التي تشتبه غالبا ، وهو : أن يظهر من بعض الرجال المجهول الحال أمر مخالف للشرع في الظاهر ويجوز أن يكون معذورا فيه عذرا شرعيا مثل : أخذ مال بغير إذن صاحبه في الظاهر ، مع تجويز أن يكون علم طيب قلب صاحبه به ، فهذا إن قيل ينكر عليه جاز أن يكون معذورا ، وان قيل لا ينكر عليه لزم إقرار المجهولين على مخالفة الشرع في الظاهر ، فالواجب في مثل هذا أن يخاطب صاحبه أولا برفق ويقال له : هذا في الظاهر منكر ، وأما في الباطن فأنت أمين الله على نفسك ، فاخبرنا بحالك فيه ، أو لا تظهره ، حيث يكون إظهاره فتنة ، وتسلك في ذلك طريقة لا تفضي إلى إقرار المنكرات ولا لوم البرآء )) .. إنها السكينة في أجمل صورها . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( يسروا ولا تعسروا ، وسكنوا ولا تنفروا ))
عباد الله :
وللسكينة مواطن ينزلها الله على من يشاء من عباده رحمة بهم ، فعن البراء قال : كان رجل يقرأ سورة الكهف ، وعنده فرس مربوط بشطنين ، فتغشته سحابة ، فجعلت تدور وتدنوا ، وجعل فرسه ينفر منها ، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له ، فقال : (( تلك السكينة تنزلت للقرآن ))
وتتنزل أيضاً على المؤمنين في مجالس الذكر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله ، يتلون كتاب الله ، ويتدارسونه بينهم ، إلا نزلت عليهم السكينة ، وغشيتهم الرحمة ، وحفتهم الملائكة ، وذكرهم لله فيمن عنده ))
قال ابن القيم : ( السكينة إذا نزلت على القلب اطمأن بها ، وسكنت إليها الجوارح ، وخشعت واكتسبت الوقار ، أنطقت اللسان بالصواب والحكمة ، وحالت بينه وبين قول الخنا والفحش واللغو والهجر وكل باطل )
الخطبة الثانية :
وللسكينة عباد الله فوائد عظيمة ، ينالها من اتصف بتلك الخصلة الحميدة فمنها :
أنها علامة على رضا الله تعالى على العبد ، كما قال الله تعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهو في الغار مع صاحبه : ( إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ، فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلي وكلمة الله هي العليا ، والله عزيز حكيم )
ومنها : أنها تؤدي إلى الرضا بما قسم الله عز وجل للعبد من الخير ، في رزقه ، ونفسه ، وولده ، فلا ضجر ولا اعتراض ، ولا تطلعَ لما في أيدي الناس ، بل روح قانعة ، ونفس شاكرة …
ومنها : جلب المحبة وشيوع الألفة بين المسلمين ، لأن النفس إذا كانت مطمئنة فإنها تراعي النفوس والخواطر ، فلا يجد الشيطان مدخلا للمباعدة بينها .
ومنها : تثبيت قلوب المؤمنين ، وزيادة ثقتهم بالله ، وإيمانهم به .
ومنها: أنها تلبس صاحبها ثوب الوقار ، وتنبت في قلبه الخشوع ، وتجلب له الطمأنينة .
ومنها: أنها تُنطق صاحبها بالصواب والحكمة ، وتحول بينه وبين قول الخنا والفحش والبذاءة.
ومنها : أنها تسكن الخائف الوجل ، وتسلي الحزين الضجر ، لما يقذفه الله من الطمأنينة في القلب .
كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إذا اشتدت عليه الأمور قرأ آيات السكينة . قال تلميذه ابن القيم : سمعته ـ يعني ابن تيمية ـ يقول في واقعة عظيمة جرت له في مرضه : لما اشتد علي الأمر ، قلت لأقاربي ومن حولي : أقرأوا آيات السكينة ، قال: ثم أقلع عني ذلك الحال ، وجلست وما بي علّة.
والآيات التي ذكرت فيها السكينة ست آيات ، واحدة في سورة البقرة ، واثنتان في التوبة ، وثلاث في سورة الفتح هي : قول الله تعالى :
( وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ) [ البقرة 248 ]
وقوله: ( ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين ) [ التوبة 26 ]
وقوله: ( إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم ) [ التوبة 40 ]
وقوله: ( هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما ) [ الفتح 4 ]
وقوله: ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ) [ الفتح 18 ]
وقوله: ( إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما ) [ الفتح 26 ]
قال ابن القيم : وقد جربت أنا أيضاً قراءة هذه الآيات عند اضطراب القلب بما يمر عليه ، فرأيت لها تأثيرأً عظيماً في سكونه وطمأنينته .
فما أحوجنا معاشر المؤمنين إلى قراءة تلك الآيات في هذا الزمن الذي تكالبت على أمة الإسلام الأمم ، وكثرت الفتن ، وانتشرت المنكرات ، وكشر كل عدو عن نابه ، وأظهر كل منافق ما كان يخفيه …
فالحذر الحذر من أن نفقد السكينة والطمأنينة ، والحذر كل الحذر أن يخرجنا عدونا عن طورنا ، لنفعل ما يكون ذريعة له ليحكم قبضته علينا . فالصبر الصبر ، فإن مع العسر يسرا ، ولن يغلب عسر يسرين ، وتلك الأيام نداولها بين الناس ، وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء ، والله لا يحب الظالمين...ولنوطن أنفسنا ونربيها على الهدوء والسكينة ، فليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب .
- الشيخ : عابد الثبيتي..إمام وخطيب جامع خادم الحرمين بحي المنتزه بمدينة الطائف .