يقول الله تعالى :
(وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة : 188 ).
ما زلنا مع موضوع المال ، وما يتعلق به من الأوامر والنواهي ، وما يقع الناس فيه من الفتن في كسبه وإنفاقه ومعاملاته. وإنما وضع الله تعالى القواعد والضوابط ،وبين الحلال والحرام ، ورتب على ذلك الجزاء والعقاب في الدنيا والآخرة؛ لتستقيم حياة الناس على الحق والعدل في مجتمع الأمن والاستقرار والحياة الطيبة التي تليق بكرامة الإنسان .
فكل خرق لحدود الله تعالى في المعاملات المالية ، هو استحلال لما حرم الله ، وتنكر لمقتضيات الحق والعدل الذي قامت عليه السموات والأرض ، ويجب أن تقوم عليه الحياة البشرية: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ..) (الحديد : 25 ). فإن قام الناس بالقسط في الأعمال والمعاملات ، تحققت الحياة الطيبة التي ترضي الله عز وجل وترضيهم ، وان تمردوا قليلا أو كثيرا ، اضطربت حياتهم تبعاً لذلك بالمفاسد والشرور .
وإن من أشد الظواهر الاجتماعية والأمراض الخلقية إفساداً وتدميراً للدين والمجتمع والأمة والحياة ، داء الـرشـوة.. التي شاعت وانتشرت في مختلف مجالات الحياة والمعاملات ؛ وذلك لما ينتج عنها من ضياع الأمانات ، وتعطيل الواجبات ، وخرق العهود والمواثيق ، واكل أموال الناس بالباطل ، وإفساد أخلاق المعاملات التي ينبغي أن تقوم على الصدق والإخلاص والعفة والنزاهة ، فإذا هي كذب ونفاق وخداع واحتيال ، وتمكين للفساد والمفسدين .
وفي التعريف ، يتسع معنى الرشوة لكل ما يعطى أو يؤخذ لأبطال حق أو غصبه أو إقرار باطل أو التملص من واجب أو مسؤولية . وهي في كل ذلك بيع للأمانة والضمير والمسؤولية بمكسب مادي أو معنوي غير مشروع . وبهذا تكون الرشوة مفسدة كبيرة وخطيرة للأفراد والجماعات والمجتمعات ، ومن الإثم والعدوان اللذين نهى الله سبحانه وتعالى عن التعاون عليهما: { وَتَعَاوَنُوا على البِرّ والتَّقْوى وَلا تَعَاوَنُوا على الإثْمِ والعُدْوان } [المائدة:3].
وهي في الإسلام من أفظع الجرائم الخلقية والاجتماعية ،ومن أخبث المكاسب؛ لذلك حرم تعاطيها بأي وجه كان ؛ لأن مدارها على مناقضة الحق والعدل، وأكل أموال الناس بالباطل: (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) .
وسواء كانت مالاً مدفوعاً أو موعودا ، أو مقابلا معنويا ، أو كانت هدية مغرضة أو مأدبة طعام للمرتشي ، أو تبادلا لمصالح وخدمات لغرض غير مشروع ، فالأمر سواء . وإنما الأعمال بالنيات، فليستفت كل إنسان قلبه ، ليعلم الدافع الذي يدعوه إلى طلب عطاء أو دفعه بغير موجب حق أو عدل ( والبر حسن الخلق ، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس ) .
والرشوة من أخلاق اليهود الذين يقص القرآن الكريم علينا مكرهم وخداعهم وعيشهم على الربا والسحت : (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ..) (المائدة : 42 )، (وَتَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) (المائدة : 62 ).وقد فسر ابن مسعود السحت هنا بالرشوة ؛ فهي مكروهة بالطبع ، مذمومة بالعرف ، محرمة بالدين والقانون ، وتعلمون من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله :( كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به )صحيح الجامع.
وإن مصير المتعاطين للرشوة هو اللعنة من الله تعالى ، كما ورد على لسان النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم:( لعن الله الراشي والمرتشي )، وفي رواية : ( والرائش الذي يسعى بينهما ) رواه أحمد. واللعنة تعني الطرد من رحمة الله تعالى ، فمن يطيق غضب الله وسخطه ، وإنه لخسران الدنيا والآخرة ، وأن آكل الرشوة أو غيرها من الحرام لا يستجاب له دعاء، فمن ذا الذي يستغني عن الله - عز وجل.
فالراشي: هو الذي يدفع الرشوة لقضاء حاجة بغير حق أو بطريقة غير مشروعة . والمرتشي: هو الذي يطلب الرشوة أو يتقبلها مقابل الاستجابة لمراد الراشي . والرائش: الذي يتوسط بينهما في العملية بأية طريقة ، وقد يكون سمسار الصفقات الرشوية.
والرشوة كالإدمان على السجائر والمخدرات ، تعدي بالاعتياد الذي يجعل الراشي لا يتصور قضاء حاجة بغير رشوة ، ويصبح المرتشي متقاعساً لا يقوم بواجبه إلا مقابل رشوة، ويجد الرائش مجالاً للتخصص في سمسرة الرشوة .وهكذا ينعدم بينهم جميعا خلق التعفف والأمانة و المسؤولية ، ويتواطؤون على الإثم والعدوان . ولا تتوقف عدواها عند الأغنياء ، بل تسري بين كل الفئات والطبقات وفي كل مكان ومجال ، في الأسواق والإدارات ، والمحاكم والمستشفيات والمؤسسات التعليمية والسجون والطرقات وغيرها ، وفي صغار الأمور و كبارها و بأسماء ونعوت للتمويه والتبرير كما في كثير من المحرمات .
إن الرشوة داء يميت الضمائر ويحجر القلوب ويذيب المروءة والكرامة، لذلك تجد المرتشي وقد ضاعت هيبته ومات حياؤه ذليلا، يتلون ويتحايل ، ويستصعب القيام بالواجب ، حتى إذا رماه الراشي بقليل أو كثير ، تحول إلى البشاشة و الخفة والنشاط .
أيها المؤمنون ..
إن الرشوة خيانة وحرب على الدين والأمة والدولة . فلا يستقيم معها عدل ولا حق ولا أمانة ولا خلق ولا عيش كريم . تقلب الموازين وتفسد العلاقات وتنشر الأحقاد وتذيب الثقة بين الناس وتعطل المصالح العامة. و ما دخلت الرشوة عملاً إلا أفسدته ولا نظاماً إلا قلبته ولا قلباً إلا أفسدته ولا بيتاً إلا خربته. فكم من مشاريع ضاعت بالرشوة ، وكم من أحكام عدل صارت ظلما ، وكم من الحقوق انتزعت من أصحابها لتقع في أيدي المغتصبين ، وكم من ظالم صار مظلوما أو مظلوم أضحى ظالما ، أو برئ دخل سجنا ، بل ما أكثر الرشاوى التي أدت إلى القتل والإجرام . خذوا لذلك مثالا من عمارة تبنى بالرشوة على غير المعايير القانونية ، ثم تنتهي إلى الانهيار ليسقط تحتها أبرياء . أو معمل تغطي الرشوة على فقدانه شروط السلامة ، وحين تحدث كارثة قد يذهب ضحيتها العشرات ، أو حكم قضائي جائر بالرشوة يحطم أسرة أو يدفع مظلوما إلى الجريمة ، بل انظروا إلى حرب الطرقات كم تحصد يومياً لأسباب كثيرة من أهمها عامل الرشوة عند الفحوصات التقنية و المراقبات الطرقية وغيرها ، وهذا واقع مرير لا يحتاج إلى دليل . فهل يدري المتعاملون بالرشوة فداحة الشرور الناشئة عن أطماعهم الرشوية المقيتة؟
إنه واقع يستدعي الحزم والعزم والصرامة في تفعيل حكم الدين وتطبيق القوانين الزجرية لمواجهة هذا الوباء الفتاك الذي لا تستقيم معه حياة ولا تنمية ولا رقي ولا حضارة .وما الأحوال المتردية بالفتن والاضطرابات والأمراض والكوارث الطبيعية والاجتماعية إلا بكثرة المعاصي والمظالم (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) (الشورى : 30 ) . فاعتبروا يا أولي الأبصار .
جعلني الله تعالى وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، ونفعنا جميعا بالقران الكريم وسنة سيد المرسلين .
- الخطبـــــة الثــــانيـــة :
في الصحيحين عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: ( استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلا على الصدقة(الزكاة) فلما قدم قال : هذا لكم ، وهذا أهدي لي . فقام النبي مغضباً وصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : " ما بال العامل نبعثه فيأتي ويقول : هذا لكم وهذا أهدي لي ، فهلا جلس في بيت أبيه أو أمه فينظر أيهدى له أم لا ؟ والذي نفسي بيده ، لا ينال احد من ذلك شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته .. ثم رفع يديه حتى رأينا عُفرتي إبطيه، ثم قال: "اللهم هل بلغت؟" مرتين).
أيها المؤمنون ..
إذا كانت الهدية مشروعة محمودة بالنية الطيبة البريئة ، لتقوية أواصر المحبة بين المسلمين، فإنها عندما تحركها أطماع المصالح لشراء الضمائر ، فهي رشوة ممقوتة . فكم من الرشاوى لبست لبوس الهدايا و الإعانات والتبرعات، وهي مطايا لنصرة باطل أو تعطيل واجب أو غصب مال . والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا (أجرا) فما أخذه بعد ذلك فهو غلول ) رواه أبو داود ورواته ثقات. والغلول: كل ما يؤخذ بغير حق ظلماً وعدوانا ، والله تعالى يقول: ( وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) (آل عمران : 161 ).
ألا إن الرشوة من الكبائر المهلكة للفرد والجماعة والمجتمع ، ومعول هدم وتخريب للدين والأخلاق والحياة. فلا دين ولا كرامة لمتعاطيها؛ لأنها خيانة للعهد والأمانة ( ولا ايمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له.(
فاتقوا الله عباد الله ..وتذكروا أننا جميعا مسؤولون (وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) .واجتنبوا التعامل بالرشوة أيا كانت ، صونا لدينكم وأخلاقكم وسلامة حياتكم ، وتذكروا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .
سيقول قائل :ماذا يفعل صاحب الحق في مجتمع فشت فيه الرشوة، إلى درجة لا يستطيع معها الوصول إلى حقه إلا برشوة يدفعها ؟ ولقد قرر العلماء في مثل هذه الحالة أن الإثم يقع على الآخذ ويبرأ المعطي من الإثم إن كان عطاؤه بغرض التوصل إلى حق أو دفع ظلم قد يقع على النفس أو الدِّين أو المال { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} .
عباد الله ، اتقوا الله تعالى واستجيبوا لندائه ،فإنه العهد والأمانة : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ. وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (الأنفال 27: 28 ).
هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب .
ألا وصلوا على رسول الله...