
Share
يقول الله تعالى :{ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [الأنعام:153]
ما أعظم فضل الله تعالى ونعمته على ألأمة الإسلامية ، بتمام الدين وكماله وشموله ، مهيمنا على الرسالات السابقة ، ومنفتحا بتشريعه الرباني الحكيم على الحياة كلها وعلى الناس أجمعين ، في كل زمان ومكان ، لا يقبل زيادة ولا نقصا ولا تعديلا ، تنزيل من حكيم حميد { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } .
دين رباني واحد في تشريعه وصبغته المذهبية الفريدة ،لا يتعدد ولا يتجزأ و لا يتداخل مع غيره بحال : { إن الدين عند الله الإسلام } فلا بديل غيره للناس ،ولا سبيل للنجاة والفلاح ، في الدنيا والآخرة إلا به : { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين}.
ومن تمام دين الله وكماله في التشريع ، تمامه وكماله في التبليغ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذي كانت سيرته، بالأقوال والأفعال والأحوال ، تطبيقا عمليا واقعيا له ، عقائد وعبادات وأخلاقا. ولا غرابة فقد كان خلقه القرآن ، كما وصفت عائشة رضي الله عنها . فكان التلازم والتكامل ، بين الرسالة والرسول ، أي بين القرآن والسنة النبوية ، أساسا لازما لفهم الدين وتطبيقه : { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم }.
فالله تعالى واحد ،ودينه واحد ، والمبلغ الأمين واحد ؛ لذلك كان الطريق إلى التحلي بالدين والعمل به ، أي إلى التدين الصحيح ، طريقا واحدا، يقوم على الاتباع ، أي على الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليثبت ويستقيم على وحدة النهج والمنهج ، كما يحب الله ويرضى ، وهو القائل سبحانه : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا } .
كذلك كان صراط الله تعالى واحدا ، بالتدين السني الصحيح اقتداء ، وكانت سبل الضلال عديدة بالابتداع الذي يغوي الشيطان به أصحاب الأهواء ، إضلالا لهم ولأتباعهم عن سواء السبيل . يقول ابن مسعود : ( خط لنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم خطا، ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطا عن يمينه، وعن شماله، وقال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، وقرأ: { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله }. أخرجه أحمد.
إن حقيقة العمل بالدين هي في تمام الاستجابة و الاتباع ،لا في أوهام الأهواء والابتداع ، { ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن } ؛ لهذا صان الله دينه فقيده بمنهج الاقتداء ، وجعل محبته وطاعته في اتباع رسوله اقتداء وتسليما ، وليس من طريق آخر إلى مرضاة الله تعالى والاستقامة على مراده إلا من خلاله . وفي ذلك آيات القرآن الكريم واضحة صريحة :
- { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعون يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم } آل عمران 31
ـ { من يطع الرسول فقد أطاع الله، ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا}النساء 80
ـ { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما } النساء:65
فمن أبتغى سبيل النجاة والفوز برضا الله و رضوانه ، فهذا هو النهج والمنهج . ومن خالف النبي صلى الله عليه وسلم وأبى إلا أن يتدين وفق أوهام عقله وأهواء نفسه ، فليعلم أن وعيد الله أكيد وشديد :
ـ { ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين ، نوله ما تولى ونصله جهنم ، وساءت مصيرا }النساء114.
ـ { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليـم} النـور 63
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى " رواه البخاري. . و إنها لخيبة عظيمة وعاقبة وخيمة ، لمن عاشوا دنياهم على التدين الباطل واهمين ، مخالفين للسنة النبوية ، ثم تؤول أعمالهم ومتاعبها يوم القيامة إلى البوار والخسران المبين : { قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا } الكهف 99، { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا}. الفرقان 23
من أجل ذلك كان التفقه في الدين واجبا ، ومن ذلك أن يعرف المسلم الفرق بين السنة والبدعة وحدودهما ، ليتبين سبيل الاتباع فيتحراه ، وسبل الابتداع فيتقيها صونا لدينه و إيمانه وطاعته :
ـ فالسنة هي الطريقة التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في العمل بدين الله تعالى ، اعتقادا وعبادة وخلقا ، بما ثبت من أقواله و أفعاله و تقريراته .
ـ والبدعة : إضافة أو طريقة مخترعة في الدين والتدين ،اعتقادا أو عبادة ، يتقرب بها إلى الله تعالى على غير أصل من الشرع ولا موافقة للسنة النبوية الصحيحة .
فالعمل بالسنة من شروط صحة الإيمان وقبول الطاعات ، وهو الاقتداء بالمبلغ الأمين ، صاحب المنهج الرباني الوحيد الذي لا يقبل الله من أحد غيره في طاعته وعبادته . وكل تدين على غير السنة النبوية فهو بدعة وضلالة، لا يشفع لصاحبها العالم بمخالفته للسنة حسن نيته وسلامة قصده ، كيفما كانت مسوغات بدعته ، ومهما توهم من شاهد أو دليل على ذلك بلا تأويل يتفق مع لغة القرآن وأصول الشريعة؛ لأنه لا يعدم أن يجد بتوهمه العقلي ، أو هواه النفسي ، ما يتأول به النصوص الشرعية ، تأييدا لبدعته .وقد حسم القرآن في ذلك بقوله تعالى :{ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }. {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم . ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت , ويسلموا تسليمًا} . كما سد النبي الطريق على مسالك البدعة بقراره الجازم الحاسم :
ـ ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) ، وقوله ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ) (رواهما الشيخان) . ويقول في خطبته : ( أما بعد : فإن خير الحديث كتاب الله تعالى ، وخير الهدى هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة ) رواه مسلم.
إن المبتدع ، يدل بصنيعه على عدم رضاه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويتوهم ببدعته ما هو أفضل وأولى ، ويتهم الدين بالقصور في التشريع ، و النبي بالتقصير في أمانة التبليغ . وفي ذلك يقول الإمام مالك بن أنس رحمه الله : من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدا خان الرسالة ؛ لأن الله تعالى يقول : { اليوم أكملت لكم دينكم } فما لم يكن يومئذ دينا ، لا يكون اليوم دينا.
وجاء رجل إلى الإمام مالك يسأله : من أين أحرم ؟ قال: من حيث أحرم رسول الله. قال: فإن أحرمت من أبعد من ذلك؟ قال مالك : أخشى عليك الفتنة. قال الرجل: وهل في الزيادة من الخير فتنة ؟ قال مالك : إن الله تعالى يقول { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } ، وليس أعظم فتنة من أن ترى أنك خصصت بفضل لم يخصص به رسول الله صلى الله عليه وسلم . [ الجامع لأبي بكر الخلال].
انه لما كان الإسلام قد تم واكتمل بالتنزيل من الله تعالى ،و بالتبليغ والتطبيق من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن الشيطان الذي يئس أن ينال من الدين المحفوظ ،يحرص على النيل من التدين عن طريق الإيقاع في البدع، لما يعلم من خطرها الوخيم على عقيدة المسلم وعبادته ، لذلك يسعى بكل مكره وجنده ليستدرج إليها الغافلين الجاهلين ، يزينها لهم بالإغراء والغواية ، ويحرك هممهم للتمسك بها ، والاجتهاد فيها ، والدعوة إليها ،عملا بسابق وعيده لصرف العباد عن ذكر الله وشكره وعبادته :{ قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين } (الاعراف 16 ). لذلك تجد من أهل البدع من هم أقوى حماسا واندفاعا في طاعاتهم البدعية الباطلة ، من بعض أهل السنة والاقتداء . وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم على هذا ، وحذر من الافتتان به ، فقال في شأن الخوارج الذين خالفوا الكتاب والسنة مع شدة حماسهم في الصلاة وتلاوة القرآن :
" قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وقراءته مع قراءتهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " . رواه الشيخان من حديث الزهري.
فاتقوا الله عباد الله ، وتفقهوا في دينكم ، واحذروا البدع الضالة المضلة ، وتمسكوا بالمحجة البيضاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الذي يقول : " و أيم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك " ابن ماجة .
جعلني الله تعالى وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب .
الخطــــبة الثــــــانيـــة
عن العرباض بن سارية قال : صلى بنا رسول الله ذات يوم ثم أقبل علينا ، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب ، فقال قائل : كأنها موعظة مودع يارسول الله ، فماذا تعهد إلينا ؟ فقال : " أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا ، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة".سنن أبي داود,صحيح الألباني.
كفى بهذا الحديث بيانا صريحا وموعظة بليغة ، في التحذير من مغبة البدع ، والتوجيه إلى الاعتصام بالسنة النبوية ، والتمسك بها ، ونحن في زمن الفتن الكثيرة ، وأشدها وأنكاها ، الفتنة في الدين ، التي عمت بها البلوى ، بنوازع الابتداع التي ذاعت وشاعت ، وتناسلت في المذاهب والطرائق والطوائف الكثيرة التي توزعت المسلمين ، فأقبل عليها بعضهم عميا وصما لايهتدون بكتاب الله ولا سنة رسوله ولا بيان العلماء الأتقياء .ولا يقبلون في ضلالاتهم نصحا ولا إرشادا. { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين }.
إن واقع البدع الموجودة في المسلمين ، خاصة تلك البدع التي تخرج الإنسان من حظيرة الإسلام لهو الحقيقة المستقبلية التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار ، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) أصحاب السنن وغيرهم .
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذي لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، ففي أخباره شاهد تاريخي دليله القرآن الكريم في مثل قوله تعالى : { فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به ، فقد اهتدوا ، وان تولوا فإنما هم في شقاق}. فماذا يتبقى لأهل البدع المنكرة بعد هذا البيان الأكيد والوعيد الشديد .
فتفقهوا أيها المسلمون في أمور دينكم ، على بصيرة من نور الكتاب وهدي النبوة، واستجيبوا لله على منهج الاتباع والاقتداء برسوله ، ولا تحكموا أهواء النفوس في دين الله تعالى ، فإنكم مأمورون في ذلك غير مخيرين ، واذكروا قول الله تعالى :{ يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ، واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون} .
جعلني الله وإياكم من أهل الاستجابة لله ولرسوله ،غير ضالين ولا مضلين و لا مبدلين ولا مغيرين ولا مبتدعين . وصلى الله وسلم على أسوة المؤمنين محمد واله وصحبه أجمعينجعلني الله وإياكم من أهل الاستجابة لله ولرسوله ،غير ضالين ولا مضلين و لا مبدلين ولا مغيرين ولا مبتدعين . وصلى الله وسلم على أسوة المؤمنين محمد واله وصحبه أجمعين.
·حسن السبيكي