2012/02/08 ميلادية
الأربعاء 15/3/1433 هجرية    
المسجد منبر الجمعة التدين بين الاتبـــاع و الابتـــداع
English  |  oromo اردو   |   中文

. . .



التدين بين الاتبـــاع و الابتـــداع طباعة إرسال إلى صديق
منبر الجمعة
الكاتب الشيخ/ حسن السبيكي   
الأربعاء, 21 يوليو 2010 02:48
Share

Share


يقول الله تعالى :{ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }  [الأنعام:153]

ما أعظم فضل الله تعالى ونعمته على ألأمة الإسلامية ، بتمام الدين وكماله وشموله ، مهيمنا على الرسالات السابقة ، ومنفتحا بتشريعه الرباني الحكيم على الحياة كلها وعلى الناس أجمعين ، في كل زمان ومكان ، لا يقبل زيادة ولا نقصا ولا تعديلا ، تنزيل من حكيم حميد { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } .

 

دين رباني واحد في تشريعه وصبغته المذهبية الفريدة ،لا يتعدد ولا يتجزأ و لا يتداخل مع غيره بحال : { إن الدين عند الله الإسلام } فلا بديل غيره للناس ،ولا سبيل للنجاة والفلاح ، في الدنيا والآخرة إلا به : { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين}.

 
ومن تمام دين الله وكماله في التشريع ، تمامه وكماله في التبليغ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذي كانت سيرته، بالأقوال والأفعال والأحوال ، تطبيقا عمليا واقعيا له ، عقائد وعبادات وأخلاقا. ولا غرابة فقد كان خلقه القرآن ، كما وصفت عائشة رضي الله عنها . فكان التلازم والتكامل ، بين الرسالة والرسول ، أي بين القرآن والسنة  النبوية ، أساسا لازما لفهم الدين وتطبيقه : { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم }.

 

 فالله تعالى واحد ،ودينه واحد ، والمبلغ الأمين واحد ؛ لذلك كان الطريق إلى التحلي بالدين والعمل به ، أي إلى التدين الصحيح ، طريقا واحدا، يقوم على الاتباع ، أي على الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليثبت ويستقيم على وحدة النهج والمنهج ، كما يحب الله ويرضى ، وهو القائل سبحانه : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا } .

 
   كذلك كان صراط الله تعالى واحدا ، بالتدين السني الصحيح اقتداء ، وكانت سبل الضلال عديدة  بالابتداع  الذي يغوي الشيطان به أصحاب الأهواء ، إضلالا لهم ولأتباعهم عن سواء السبيل . يقول ابن مسعود :  ( خط لنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم خطا، ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطا عن يمينه، وعن شماله، وقال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، وقرأ:   { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله }. أخرجه أحمد.

 

 إن حقيقة العمل بالدين هي في تمام الاستجابة  و الاتباع  ،لا في  أوهام الأهواء والابتداع ، { ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن } ؛ لهذا  صان الله دينه فقيده بمنهج الاقتداء ، وجعل محبته وطاعته في اتباع رسوله اقتداء وتسليما ، وليس من طريق آخر إلى مرضاة الله تعالى والاستقامة على مراده إلا من خلاله . وفي ذلك آيات القرآن الكريم واضحة صريحة :

 

- { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعون يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم } آل عمران 31

 

ـ { من يطع الرسول فقد أطاع الله، ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا}النساء 80

 ـ { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما } النساء:65

 

فمن أبتغى سبيل النجاة والفوز برضا الله و رضوانه ، فهذا هو النهج والمنهج  . ومن خالف النبي صلى الله عليه وسلم وأبى إلا أن يتدين  وفق أوهام  عقله وأهواء نفسه ، فليعلم أن وعيد الله  أكيد وشديد :

 

ـ {  ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى  ويتبع غير سبيل المؤمنين ، نوله ما تولى ونصله جهنم ، وساءت مصيرا  }النساء114.

 


 ـ { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليـم} النـور 63

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى " رواه البخاري. . و إنها لخيبة عظيمة وعاقبة وخيمة ، لمن عاشوا دنياهم على التدين الباطل واهمين ، مخالفين للسنة النبوية ، ثم تؤول أعمالهم ومتاعبها يوم القيامة إلى البوار والخسران المبين : { قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا } الكهف 99، { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا}. الفرقان 23

 

من أجل ذلك كان التفقه في الدين واجبا ، ومن ذلك أن يعرف المسلم الفرق بين السنة والبدعة وحدودهما ، ليتبين سبيل الاتباع فيتحراه ، وسبل الابتداع فيتقيها صونا لدينه و إيمانه وطاعته :

 

 ـ فالسنة هي الطريقة التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في العمل بدين الله تعالى ، اعتقادا وعبادة وخلقا ، بما ثبت من أقواله و أفعاله و تقريراته .
 ـ والبدعة : إضافة أو طريقة مخترعة في الدين والتدين ،اعتقادا أو عبادة ، يتقرب بها إلى الله تعالى على غير أصل من الشرع ولا موافقة للسنة النبوية الصحيحة .

 

  فالعمل بالسنة من شروط صحة الإيمان وقبول الطاعات ، وهو الاقتداء بالمبلغ الأمين ، صاحب المنهج الرباني الوحيد الذي لا يقبل الله من أحد غيره في طاعته وعبادته . وكل تدين على غير السنة النبوية فهو بدعة وضلالة،  لا يشفع لصاحبها  العالم بمخالفته للسنة حسن نيته وسلامة قصده ، كيفما  كانت مسوغات بدعته ، ومهما توهم من شاهد أو دليل على ذلك بلا تأويل يتفق مع لغة القرآن وأصول الشريعة؛ لأنه لا يعدم أن  يجد بتوهمه العقلي ، أو هواه النفسي ، ما يتأول به النصوص الشرعية ، تأييدا لبدعته .وقد حسم القرآن في ذلك بقوله تعالى :{ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }. {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم . ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت , ويسلموا تسليمًا} .  كما سد النبي الطريق على مسالك البدعة بقراره الجازم الحاسم :
 ـ ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) ، وقوله ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ) (رواهما الشيخان) . ويقول في خطبته : (  أما بعد : فإن خير الحديث كتاب الله تعالى ، وخير الهدى هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة  ) رواه مسلم.

 إن المبتدع ، يدل بصنيعه على عدم رضاه  بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويتوهم ببدعته ما هو أفضل وأولى ، ويتهم الدين بالقصور في التشريع ، و النبي بالتقصير في أمانة التبليغ . وفي ذلك يقول  الإمام مالك بن أنس رحمه الله : من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدا خان الرسالة ؛ لأن الله تعالى يقول : { اليوم أكملت لكم دينكم } فما لم يكن يومئذ دينا ، لا يكون اليوم دينا.

 

 وجاء رجل إلى الإمام مالك يسأله : من أين أحرم ؟ قال: من حيث أحرم رسول الله. قال: فإن أحرمت من أبعد من ذلك؟ قال مالك : أخشى عليك الفتنة. قال الرجل: وهل في الزيادة من الخير فتنة ؟ قال مالك : إن الله تعالى يقول { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } ، وليس أعظم  فتنة من أن ترى أنك خصصت بفضل لم يخصص به رسول الله صلى الله عليه وسلم . [ الجامع لأبي بكر الخلال].

 

انه لما كان الإسلام قد تم واكتمل بالتنزيل من الله تعالى ،و بالتبليغ والتطبيق من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن الشيطان الذي يئس أن ينال من الدين المحفوظ ،يحرص على النيل من التدين عن طريق الإيقاع في البدع، لما يعلم من خطرها الوخيم على عقيدة المسلم وعبادته ، لذلك يسعى بكل مكره وجنده  ليستدرج إليها الغافلين الجاهلين ، يزينها لهم بالإغراء والغواية ، ويحرك هممهم للتمسك بها ، والاجتهاد فيها ، والدعوة إليها ،عملا بسابق وعيده لصرف العباد عن ذكر الله وشكره وعبادته :{ قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين } (الاعراف 16 ). لذلك تجد من أهل البدع من هم  أقوى حماسا واندفاعا في طاعاتهم البدعية الباطلة ، من بعض أهل السنة والاقتداء . وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم  على هذا ، وحذر من الافتتان به ، فقال في شأن الخوارج الذين خالفوا الكتاب والسنة  مع شدة حماسهم  في الصلاة وتلاوة القرآن :
" قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وقراءته مع قراءتهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " . رواه الشيخان من حديث الزهري.
      فاتقوا الله عباد الله ، وتفقهوا في دينكم ، واحذروا البدع  الضالة المضلة ، وتمسكوا بالمحجة البيضاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الذي يقول   : " و أيم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك " ابن ماجة .
  جعلني الله تعالى وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك  الذين هداهم الله  وأولئك هم أولو الألباب .

 

  

                                                                     الخطــــبة الثــــــانيـــة

 عن العرباض بن سارية قال : صلى بنا رسول الله ذات يوم ثم أقبل  علينا ، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب ، فقال قائل : كأنها موعظة مودع يارسول الله ، فماذا تعهد إلينا ؟ فقال : " أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا ، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة".سنن أبي داود,صحيح الألباني.

 

كفى بهذا الحديث بيانا صريحا وموعظة بليغة ، في التحذير من مغبة البدع ، والتوجيه إلى الاعتصام بالسنة النبوية ، والتمسك بها ، ونحن في زمن الفتن الكثيرة  ، وأشدها وأنكاها ، الفتنة في الدين ، التي عمت بها البلوى ، بنوازع الابتداع التي ذاعت وشاعت ، وتناسلت في المذاهب والطرائق والطوائف الكثيرة التي  توزعت المسلمين ، فأقبل عليها بعضهم عميا وصما  لايهتدون بكتاب الله ولا سنة رسوله ولا بيان العلماء الأتقياء .ولا يقبلون في ضلالاتهم نصحا ولا إرشادا. { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين }.

 

إن واقع البدع الموجودة في المسلمين ، خاصة تلك البدع التي تخرج الإنسان من حظيرة الإسلام لهو الحقيقة المستقبلية التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار ، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) أصحاب السنن وغيرهم .

 

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذي لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، ففي أخباره شاهد تاريخي دليله القرآن الكريم في مثل قوله تعالى : { فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به ، فقد اهتدوا ، وان تولوا فإنما هم في شقاق}. فماذا يتبقى لأهل البدع المنكرة بعد هذا البيان الأكيد والوعيد الشديد  .
 فتفقهوا أيها  المسلمون في أمور دينكم ، على بصيرة  من نور الكتاب وهدي النبوة، واستجيبوا  لله على منهج  الاتباع والاقتداء برسوله ، ولا تحكموا أهواء النفوس في دين الله تعالى ، فإنكم مأمورون في ذلك غير مخيرين ، واذكروا قول الله تعالى :{ يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ، واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون}   .

 

جعلني الله وإياكم من أهل الاستجابة لله ولرسوله ،غير ضالين ولا مضلين و لا مبدلين ولا مغيرين ولا مبتدعين . وصلى الله وسلم على أسوة المؤمنين محمد واله وصحبه أجمعينجعلني الله وإياكم من أهل الاستجابة لله ولرسوله ،غير ضالين ولا مضلين و لا مبدلين ولا مغيرين ولا مبتدعين . وصلى الله وسلم على أسوة المؤمنين محمد واله وصحبه أجمعين.

 

·حسن السبيكي

 

 

 

آخر تحديث: الأربعاء, 21 يوليو 2010 03:21
 
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية


حب الإسلام يجمعنا
JoomlaWatch Stats 1.2.9 by Matej Koval