2014/09/19 ميلادية
الجمعة 24/11/1435 هجرية    
المسجد منبر الجمعة الوقف في الإسلام
lang_03 lang_05  lang_07  lang_09

 

. . .



الوقف في الإسلام طباعة إرسال إلى صديق
منبر الجمعة
الكاتب الشيخ عبدالله بن علي الغامدي   
الأربعاء, 15 سبتمبر 2010 13:37
Share

Share

الحمد لله على عميم فضله ونعمته وجميل إحسانه ومنته، حمداً يوجب المزيد من رحمته , سبحانه تتابع بره , واتصل خيره وصدق وعده، وبرً قسمه، وعمّت فواضله، وتمّت نوافله , شرع لعباده من القربات والطاعات ما ينقطع أجره بعد الممات {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ }.

 
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله القائل : " إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته : علماً علمه ونشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً ورثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقه بعد موته". إسناده حسن .
وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم : "ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه " رواه أبو داود وصححه الألباني ،صلى الله عليه وعلى أنبياء الله ورسله الذين من وصفهم  { إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ }الأنبياء90 ، ورضي الله عمن لهديهم اقتفى وعلى سنتهم مضى وسلم تسليماً كثيرا ...                                      أما بعد:

 

 فأوصيكم ونفسي بتقوى الله ، ولنعلم أن أيام العافية غنيمة باردة، وأوقات السلامة لا يعدلها فائدة ،وليست ساعة من العمر مضت بعائدة . قال سبحانه . {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّون }۔


أمة التآزر والتآخي ..

 
لقد أمر الإسلام وحث ورغب أهله في كل ما يقوي عرى الصلة والتراحم بينهم، ويحقق التكافل لهم؛ فكان من أبواب ذلك الوقف الذي هو " حبس العين وتسبيل المنفعة " .


 فها هو عمر رضي الله عنه تصدق بمال له ، يقال له ثمغ ، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان نخلاً . فقال عمر : يا رسول الله استفدت مالاً وهو عندي نفيس فأردت أن أتصدق به. فقال صلى الله عليه وسلم  ":تصدق بأصله لا يباع ولا يُوهب ولا يورث، ولكن ينفق ثمره". رواه البخاري.

ولقد كان للحبيب صلوات ربي وسلامه عليه ثلاث صفايا: " بنو النضير ، وخيبر، وفدك " . فأما بنو النضير : فكانت حبساً لنوائبه مما هو من أقدار الله المؤلمة أو الضرورات الملجئة ، وأما فدك : فكانت حبساً أي وقفاً لأبناء السبيل ، وأما خيبر :فجزّأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أجزاء" رواه أبو داود وحسنه الألباني .

وللصحابة في تنافسهم في الوقف لله عز وجل مآثر مشرقة؛ فعن أنس رضي الله عنه : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أمر بالمسجد .وقال لبني النجار :" ثامنوني بحائطكم هذا ", فقالوا : لا والله ،لا نطلب ثمنه إلا إلى الله " رواه البخاري.

 

ووقف الكثير من الصحابة رضي الله عنهم وقوفاً كثيرة ، وهو أمر متواتر جيلاً بعد جيل كما يقول ابن حزم رحمه الله .

 

قال الواقدي : ما من أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وقد أوقف وحبس أرضاً , وحبس عثمان رضي الله عنه بئر رومة على المسلمين بعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتصدق بأرض له كانت تُغلّ مائة وسق بوادي القرى , وكل ذلك حبساً ووقفاً لايباع ولا يشترى , أسنده إلى حفصة , ثم إلى ذوي الرأي من أهله , وأوقف عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه الوهط في الطائف على بنيه , واحتبس خالد بن الوليد رضي الله عنه أدرعه وأفراسه في سبيل الله .

 

وأوقف أنس رضي الله عنه دارا له بالمدينة , وأوقف الزبير رضي الله عنه دوره على بنيه لا تباع ولا توهب ولا تورث , وجعل ابن عمر رضي الله عنه نصيبه من دار عمر سكنى لذوي الحاجات من آل عبد الله بن عمر.

وقد تصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبعة حوائط بالمدينة " الحائط البستان " وتصدق أبو بكر رضي الله عنه بداره على ولده من بعده ، وعمر رضي الله عنه بريعه عند المروة على ولده ، وعثمان رضي الله عنه ببئر رومة , وعلي رضي الله عنه بأرضه بينبع , والزبير بداره بمكة وداره بمصر ، وأمواله بالمدينة على ولده , ومعاذ بن جبل بداره في المدينة , وزيد بن ثابت بداره على ولده وولد ولده وعلى أعقابهم لا تباع ولا توهب ولا تورث ، وعائشة اشترت داراً وأوقفتها صدقة , وأسماء بنت أبي بكر تصدقت بدارها وقفا ولا يباع ولا يوهب ولا يورث , وكذا روي عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة وحبيبة وصفية رضي الله عنهن , ورُوي عن سعد بن أبي وقاص , وخالد بن الوليد , وجابر , وسعد بن عبادة , وعقبة بن عامر , وعبدالله بن الزبير رضي الله عنهم أجمعين وأرضاهم.

 

 وكثير من التابعين كأبي جعفر , وعمر بن خالد , والزهري وغيرهم . قال جابر رضي الله عنه :" لم يكن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ذو مقدرة إلا وقف " .

أخي باغي الخير :

إن فكرة حبس المال والاستفادة من ريعه لغرض من الأغراض كانت معروفة من قديم الزمان إلى وقتنا الحاضر عن غير المسلمين , ذلك أن تلك الأمم كانت تعبد آلهة كثيرة لها معابدها الخاصة ولتلك المعابد أناس يقومون على شأنها ويتولون أمورها وصيانتها ولا بد لهم من نفقة تقيمهم مقابل خدمتهم؛ لذا قال الإمام الشافعي رحمه الله " لم يحبس أهل الجاهلية فيما علمته داراً ولا أرضا تبرعاً بحبسها وإنما حبسها أهل الإسلام " .

 

نعم لقد كانوا يوقفون ولكن على ما حرم الله من أصنام وآلهة ونحو ذلك .

 

لكن الوقف في ديننا جاء أسمى وأزكى فهل يستويان مثلاً ؟

 

 إنه معلم رائد استفاد منه وتأثرت به أوروبا وغيرها من بلدان العالم بمفهومه في ديننا , وذلك عن طريق التواصل الذي حصل خلال البعثات لجامعات الأندلس وما أخرجه العلماء من مؤلفات في هذا الشأن ؛ عندها نشأ عن الغربيين ما يُسمى بنظام الترست ( الوقف ) حتى إن الإنسان ليدهش أن يجد أعرق الجامعات الأمريكية تعتمد في جزء كبير من إيراداتها على الوقف , وتشير الإحصاءات إلى أن حوالي أحد عشر في المائة من العقارات الموجودة في الولايات المتحدة تملكها مؤسسات غير هادفة للربح ، وأن قيمة الأوقاف في جامعة هارفارد .. على سبيل المثال .. يزيد عن خمسة مليارات دولار لعام 1992م ، وبلغت غير إيرادات الجامعة من استثمارات الأوقاف حوالي ثلاثمائة مليون دولار عام 1993 م ..


ومع ذلك كله يظل نظام الوقف في الإسلام بخلفيته ومنطلقاته وغاياته منهجاً فريداً وأسلوباً إنسانياً وخيرياً رائداً تميزت به الحضارة الإسلامية ..


أخي زاكي الأنفاس . .

هنيئاً لعبد قد ثوى في قبره وهيل عليه ترابه .. وفارقه أهله وخلاّنه ثم هو هناك في دار الوحدة والبلى يجري عليه أجره .. ولا ينقطع عنه سبل حسناته وثواب صدقاته وأوقافه .


لقد تنافس المسلمون منذ العهد الأول ولا زالوا بحمد الله إلى وقف أملاك وأعيان لهم كثيرة حين دعاهم الإسلام إلى ذلك على: المساجد، والمصحات والمستشفيات، وحلق الذكر، وطلب العلم، ودفن الموتى، وتزويج المعسرين، وكفالة الأيتام واللقطاء والمعوزين، وعلى كل غرض إنساني شريف .

ودونك أخي ملهم الخير :


صوراً رائعة تبصر من خلالها مدى إعمال السلف الصالح عقولهم ، وتلمسهم لأبواب الإحسان حتى يوقفوا عليها ؛ مما يدل على نبل نفوسهم ، ويقظة ضمائرهم وعلو إنسانيتهم ..

ففي مجال الرعاية الاجتماعية امتدت الأوقاف لتشمل رعاية النساء المطلقات والأرامل بإقامة دور خاصة بهن حتى يتزوجن أو يرجعن إلى أزواجهن؛ صيانة لهن؛ يقمن في تلك الدور العبادات، ويتعلمن ما يصلح حالهن ديناً ودنيا ..

 

ومن الأوقاف في مجال البر والإحسان ماكان يوقفه الواقفون على مناسبات شهر رمضان وعيدي الفطر والأضحى؛ مما فيه توسعة على الفقراء والمساكين وطلبة العلم والفقهاء , غير كساوي كانت توزع ، ومن أولئك الأخيار القاضي زكي الدين أبو العباس؛ وقف جزءاً من بستانه المعروف بالمخاريق الكبرى على مثل ما ذكر آنفاً .

وفي مجال الجهاد في سبيل الله تعالى.. فقد وقف الكثير من الصحابة رضي الله عنهم خيلهم ودروعهم في سبيل الله؛ كخالد بن الوليد رضي الله عنه؛ فقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب على الصدقات فمنع  بن جميل وخالد بن الوليد والعباس , أي لم يدفعوا ولم يعطوا؛ فقال صلى الله عليه وسلم : " ما ينقم بن جميل إلا أن كان فقيراً فأغناه الله ، وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً وقد احتبس أدرعه وعتاده في سبيل الله، وأما العباس عم رسول لله صلى الله عليه وسلم فهي عليّ ومثلها"  .رواه البخاري  .

وفي العصر الأيوبي نص بعض الواقفين على صرف ريع أوقافهم في فك أسرى المسلمين من أيدي الصليبيين .

وأما في مجال العلم والتعليم ..

فها هو الشافعي رحمه الله في القاهرة يوقف مدرسته وبيته وبعض أملاكه على طلبة العلم , ويذكر ابن بطوطة في رحلته إلى مصر وبلاد الشام أنه شاهد بنفسه عشرين مدرسة في دمشق وثلاثين مدرسة في بغداد عاشت على أموال الوقف , وأنه درس فيها واستفاد من أوقافها ..

وفي مجال الصحة.. فقد كان هناك تنافس عجيب في الوقف على مستشفيات متخصصة كمستشفيات الأمراض العقلية والرمد والخدم , وكان نزيل هذه المستشفيات يتلقى العلاج إضافة إلى الغداء واللباس , بل امتد ذلك إلى تخصيص أوقاف لمن يخدمون في هذه المستشفيات كتوظيف الكحّالين والملاقين والغسالين ..

وكذا كان الحال في الجانب الاقتصادي.. فمنهم من وقف على معامل الورق، وصناعة النسخ والتجليد ، وعلى صناعة الأغذية، ونسج الملابس ونحو ذلك ..

أخي في الله :

للعلم / فالوقف وقفان :

 
*الوقف الخيري : ومقصوده من الوقف ما كان على جهة خيرية من جهات البر والإحسان .

 
*والوقف الأهلي (الذري ) : وهو جعل استحقاق الريع فيه على الواقف أو على أحفاده أو على أقاربه ، أو على من أراد ، ثم يكون على جهة بر لا تنقطع بعد موتهم وفنائهم
.

وهنا كلمة يُهمس بها في أذن من ولي وقفاً فرداً كان أو جماعة , مؤسسة كانت أو إدارة :

 

 إن وظيفة الوالي على الوقف حفظ عين الوقف والقيام بشؤونها , وتنفيذ شرط واقفها , وطلب الحظ لها , وكل هذا يكون بحماية العين عن الهلاك أو التعطيل , وصيانتها , وعمارتها , ورعاية غلتها بالتأجير والزراعة ونحوها , والاجتهاد في تنميتها , وتحصيل الغلة وتوزيعها على مستحقيها , وشراء ما شرطه الواقف من ريعه كطعام وشراب ولباس ومركب ونحوه , وجعله حيث شرطه الواقف , وكذا يقوم الوالي بدفع كل ضرر متوقع عن عين الوقف ويخاصم فيه , ويضع يده على الوقف ويعين في وظائفه ؛ لأن ذلك من مصالح الوقف .

ولا يكلف الوالي على الوقف بالعمل بنفسه إلا مثل ما يفعله أمثاله ، ولا يجب عليه أن يعمل ما تعمله الأجراء والوكلاء ، ولكن ينبغي له أن لا يقْصُرَ عما يفعله أمثاله ، وينبغي له أن يحرى في تصرفات النظر للوقف والغبطة .

أمة الهدى والنور :

قال صلى الله عليه وسلم :" من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا " رواه مسلم. وقال أيضاً :" أيما رجل أعتق امرءاً مسلماً استنقذ الله بكل عضو منه عضواً من  النار " رواه البخاري .

 
إذا كان هذا في حق القلة من الرق بنقلهم إلى الحرية !! فكيف بها من العمى إلى النور ؟! ومن الكفر والوثنية إلى الحياة الإسلامية ؟!إلى الرشد والهداية إلى الشفاء والنور . نقلة من حرّ النار إلى ربيع الجنة

 

  • الكاتب : الشيخ عبدالله بن علي الغامدي
آخر تحديث: الأربعاء, 15 سبتمبر 2010 14:36
 


حب الإسلام يجمعنا