
Share
يقول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (آل عمران 20 ).
إخواني ..الدين شطران : شطر للشكر وشطر للصبر ، وهما مظهران لتدين المسلم وصلته بالله تعالى ، إما بعبودية السراء التي تقتضي الشكر ،أو عبودية الضراء وتقتضي الصبر . وبين الشكر والصبر تتجلى حقيقة المؤمنين الصادقين { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ }لقمان 31.
و الصبر من أكرم الخصال وأشرف الفضائل ، لا يثبت إيمان المرء ولا يكون جديرا بمقام القرب من ربه وأهلا لنيل رضاه ورضوانه إلا بقدر ما يكون صابرا محتسبا ، يبرهن بصبره على صدق عبوديته واستقامة تدينه ، وتحمل أعباء التكاليف الشرعية عقيدة وعبادة وخلقا على الرضا والاستجابة .
والصبر بتعريف وجيز ، مظهر التحكم في أهواء النفس ، وحملها على الاستقامة بين الأوامر والنواهي ، على الرضا والتسليم بغير جزع ولا تسخط . فالصبر والجزع ضدان متقابلان كما في قوله تعالى عن أهل النار: { سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ } (ابراهيم21)، ذلك أن الجزع قرين العجز وشقيقه ، بينما الصبر قرين الكيس والعزم . وجوهره أن يؤثر العبد رضا الله تعالى على كل ما تهوى النفس . يقول الله تعالى : { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}الأنعام 58.
إذا أنت لم تزدد على كل نعمــــة لواهبهـــا حبـــا فلسـت بشاكـــــر
وإن أنت لم تؤثر رضا الله وحده على كل ما تهــوى فلست بصابــــر
والصبر من صفات الله كما في صحيح البخاري (22/ 371) قال النبي صلى الله عليه وسلم:" مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ يَدَّعُونَ لَهُ الْوَلَدَ ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ "، أثنى به على أنبيائه ، وخاصة منهم أولي العزم ، وأمر بالاقتداء بهم فيه : { فَاْصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ }) الأحقاف 35) .
وأوصى بالصبر في كل أحواله ومستوياته ، الصبر والاصطبار والمصابرة ، ووعد الصابرين بثواب عظيم وأجر هو أعلى وأوفى وأحسن مما عملوا ، بما لا يدرك مداه إلا هو سبحانه : {وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} النحل 96 ،{ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}(الزمر 10) ،{ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ *أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } (البقرة 55ـ56) . ونعم البشارة الربانية الكبرى للصابرين ، أن يتكرم الله عليهم بصلواته ورحمته وهدايته ، وذلك هو الفوز العظيم .
إن الصبر خير كله ، بموازين الدين والدنيا و الآخرة جميعا { وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ } (النحل 126) ، فهو حليف الفوز والظفر ، وقرين النجاة والسلامة، ومركب النجاح والفلاح في حياة الأفراد والجماعات والمجتمعات ، وفي كل ذلك يحضر المعنى والمغزى من قوله تعالى{ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ }فصلت 35 : وقـــلّ من جـــــد في أمــر يؤملــه واستصحب الصبـــر إلا فــاز بالظفــــر والصبر سلاح المؤمنين وملاذ الصالحين وطمأنينة القلقين وأمل اليائسين . بل هو عدة السالكين إلى رضا الله ورضوانه والفائزين بجنة النعيم ، لا يحظى بذلك إلا الصابرون ، قال تعالى : { إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون } ، { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } آل عمران 142 . قال ابن تيمية ( انما تنال الإمامة في الدين بالصبر واليقين ، لقوله تعالى : { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ} '(السجدة 24)
والصبــر مثل اسمه مـــر مذاقتـــــــه لكن عواقبــه أحلـــى من العســــــــل
ولما كان الصبر محك الإيمان والثبات واليقين في الطاعة والعبادة ، فإن له حقائقه وتجلياته في تدين العبد وسيرته بين الأوامر والنواهي على ثلاث حالات :
ـ صبر على الطاعة ، في العمل بالأوامر الإلهية على السمع والطاعة والرضا ، دون ضجر ولا ملل.
ـ صبر على المعصية ، باجتناب المحرمات واتقاء المعاصي والتزام حدود الله خوفا رجاء .
ـ صبر على البــلاء ، وذلك بالرضا بقضاء الله وقدره ، والثبات أمام الشدائد والنكبات والمكاره :{ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } لقمان 17 .
ومهما تكبدت النفس من وطأة الصبر على البلاء ، فإن الصبر على فعل الطاعات وعلى ترك المعاصي أشرف وأجل ، لأن في ذلك عزيمة الإرادة والاختيار، ولأن النفس فيه تنتصر على الأهواء وغواية الشيطان لتؤثر الله تعالى بالطاعة والتقوى : {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (يوسف 90) .
فإن صبر يوسف على مطاوعة امرأة العزيز ، وهو محاصر بكل دوافع الغواية وجواذبها، لهو أشد وأشرف من صبره على محن الجب والعبودية والسجن ، على قسوتها ، وهي أقدار لا إرادة له فيها ، فهذا صبر اضطرار ، وذاك صبر إيمان وخشية لله تعالى وتعفف وأمانة واستقامة :{ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ }يوسف 23. وشتان بين صبر الصائم إيمانا واحتسابا ، وصبر الجائع الذي لا يجد الطعام ، فالأول صبر طاعة وعبادة ، والثاني صبر احتياج واضطرار . لكن المؤمن الصابر مأجور بفضل الله على كل حال ،{ وبشر الصابرين } .
وإني لصبــــار على مـا ينوبنـــــي وحسبــك أن الله أثنـــى على الصبـــر
هكذا يكون الصبر مظهرا لثبات عزائم الإيمان والاستقامة وانتصارها على دوافع الهوى والغواية . وذلك ما يشخصه الإمام الغزالي في مثال معركة بين باعث الدين وباعث الهوى ، والحرب بينهما سجال ، وموطنها القلب . ولباعث الدين مدده من الملائكة المناصرين لحزب الله ، ولباعث الهوى مدده من الشياطين الغاوين لحزب الشيطان .
لذلك كان الناس مع الصبر ثلاثة : صنف تغلبوا على أهوائهم وانتصروا عليها بالصبر والتصبر طلبا لرضا الله ورضوانه ، وهم عباد الله المخلصون ، وفي أعلى مراتبهم مقام أولي العزم من الرسل :{ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} (الأحقاف 35) .
وصنف تغلبت عليهم شقوة أهوائهم ، فانقادوا لها بغير مقاومة ولا مجاهدة ، لغفلتهم وضعف عزائمهم في الإيمان : { قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ } المؤمنون106 . وصنف توسطوا مذبذبين بين الفريقين ، يترددون بين الثبات على الصبر حينا والضجر والاستسلام حينا { خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم }. وإنما امتاز أولو العزم لأنهم يؤثرون رضا الله على كل ما تهوى الأنفس ، وكان صبرهم على قدر يقينهم ومحبتهم لله ؛ فيمدهم منه سبحانه بعزائم التحمل والثبات كما في الحديث : ( ومن يتصبر يصبره الله ).
والناس مع الصبر على مراتب ومقامات ، يتفاوتون فيها كما تتفاوت عزائمهم في مبلغ الرضا والتحمل والثبات ، اعتقادا وعبادة وعملا . والصابرون خمسة :
صابر ومصطبر ومتصبر وصبور وصبار، وكلها واردة في القرآن الكريم في سياقات مختلفة وبأساليب الترغيب والثناء والوعد الحسن . فالصبر بالله لأهل الاستعانة بالله في كل الأمور ، ومن لم يصبره الله فمن أين له الاصطبار{ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ }النحل 17 .
والصبر لله ثمرة محبته وابتغاء مرضاته في غير ضجر ولا امتعاض :{ ولربك فاصبر } { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا }الطور 48 . والصبر مع الله حال المتفانين في الله، الذين يدورون مع مراده في كل أوامره ونواهيه صابرين محتسبين .
وفي كل ذلك يؤمر العبد المسلم بالصبر الجميل الذي لا شكوى فيه ولا معه :{ فاصبر صبرا جميلا } وهو الصبر الذي لاذ به نبي الله يعقوب عليه السلام في محنة ضياع ابنه يوسف ثم أخيه فقال :{ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ }يوسف18.
إذا ما رمــاك الدهــــر يوما بنكبــــــة فهـــيء لـه صبــرا وأوســع له صـــدرا
فإن تصاريــــف الزمــان عجيبــــــــة فيوما تـرى يســرا ويوما تـرى عســــرا
والشكوى إلى الله تعالى لا تنافي حقيقة الصبر ومقاصده ؛ فقد شكا الأنبياء والمرسلون إلى الله ما يصيبهم في الدعوة من أقوامهم ، مع أنهم أولو العزم في الصبر والثبات، إنما شكواهم عبودية افتقار إلى الله تعالى وتوكل عليه واستعانة به :{َ نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ }العنكبوت 58 59 .
والنبي صلى الله عليه وسلم يوصي فيقول : ( مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ " إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا " إِلا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا ) روى مسلم .
وإنما ينافي الصبر حال الشكوى لغير الله ، لما في ذلك من منافاة التوحيد الخالص والتوكل على الله . يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ( إذا صبرت جرى عليك القلم وأنت مأجور ، وإذا جزعت جرى عليك القلم وأنت مأزور ) . ويقول ابن المبارك : ( المصيبة واحدة ، فإذا جزع صاحبها تكون اثنتين ، إحداهما المصيبة ، والثانية ضياع أجر المصيبة ، وهي أعظم ) .
و إذا عرتـك بليــة فاصبـــــر لهـــــــا صبـــر الكريــم ، فإنـه بـك أعلـــــــم
وإذا شكـــوت إلى ابــــن آدم إنما تشكــــو الرحيــم إلى الذي لا يرحــم
فاتقوا الله عباد الله واستعينوا به على الصبر ، وبالصبر على طاعته ومرضاته { وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ }.
في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ) ( رواه مسلم ).
هذه حقيقة المؤمنين العارفين بفضيلة الشكر و الصبر ، فهم في كل الأحوال عبيد لله عابدون له ، في السراء بشكر النعم ، وفي الضراء بالصبر على البلاء والمحن ، مبدؤهم ومنهجهم في قوله تعالى : { إياك نعبد وإياك نستعين }، فهم يدركون شرف مقام الصبر وعظيم ثوابه ، فيستزيدون فيه من فضل الله تعالى . وهذا سيد الصابرين و إمام المتقين عليه الصلاة والسلام يقول : ( مَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ)( الشيخان) .
ولقد ضرب سلف الأمة والتابعون ومن تبعهم من الصالحين أروع المواقف في الرضا بالقضاء والصبر على البلاء . أسوق لكم منها خلاصة قصة التابعي عروة بن الزبير الذي أصيب في إحدى رجليه بمرض الآكلة الذي لم يكن معه بد من بترها ، فعرض عليه الأطباء أن يشرب شرابا مخدرا ، فأبى أن يغيب عقله عن ربه لحظة ، وأوصاهم بنشرها وهو مستغرق في سجوده ، ففعلوا ولم يبد تألما حتى أغمي عليه ، ثم أخذ قدمه المقطوعة وهو يقول : أما والله إنه ليعلم أني ما مشيت بك إلى حرام قط . وفي اليوم نفسه جاءه نعي أحد أبنائه رفسته دابة فقتلته . وحين دخل عليه الناس يعزونه ، وجدوه راضيا صابرا يقول : ( اللهم إنه كان لي أطراف أربعة فأخذت واحداً وأبقيت لي ثلاثة ، فلك الحمد ، وكان لي بنون أربعة فأخذت واحداً وأبقيت ثلاثة ، فلك الحمد ، وأيم الله لئن أخذت لقد أبقيت ولئن ابتليت فلطالما عافيت ).
أيها المؤمنون ، إنما الدنيا دار ابتلاء واختبار ، و ما هي إلا مزرعة الآخرة التي هي دار القرار ، وان الجنة سلعة الله الغالية ، فابتغوها من طريق الصبر والشكر .
واذكروا وصية ربكم هي أزكى لكم :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وليس من طريق للفوز والفلاح في الدين والدنيا والآخرة إلا الحق والصبر { وَالْعَصْرِ إِنَّ الإْنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ }.
جعلني الله وإياكم من أهل الشكر والصبر وألهمنا الثبات على طاعته وحسن عبادته...أميــن .