
Share
يقول الله تعالى :{ َيا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ }(لقمان 32،33).
الحياة الدنيا دار ابتلاء واختبار ، والآخرة هي دار القرار ، وليس بعدها من دار إلا الجنة أو النار . تلك حقيقة معلومة ، لكن كثيرا من الناس عنها غافلون . فالأعمار مهما طالت فهي قصيرة ، موقوتة بالآجال المقدرة التي لا تتقدم ولا تتأخر، ولا مجال معها لإضاعة فرص العمر والحياة ، في الملاهي والملذات بغير عمل للآخرة الأبدية ، فيكون ذلك خسارة لنعيم الجنات بعد الممات .
فبين هم الآخرة والانشغال بها ، وهم الدنيا والاغترار بها ، يفترق الناس ما بين عاقل حازم عامل ، يغتنم دنياه لبناء آخرته وإعمارها ليكون يوم القيامة من الفائزين ، وجاهل غافل خامل ، تشغله دنياه بمتاعها ومتعها عن آخرته ، حتى يدركه الأجل فيصبح من النادمين:{يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} [الفجر: 24]
ويتحسر على ما فات ويستجدي فرصة حياة إضافية ، لكن هيهات { فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ ، وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا، وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } (المنافقون 10،11).
إن العاقل الحازم يبادر إلى اغتنام لحظات العمر قبل فواتها والندم عليها ، والعاجز المتقاعس يعيش على الأماني مستغرقا في أهواء النفس اللاهية لا يأبه بالمصير، كما يصفه القرآن الكريم:{ ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون }. {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ }(الزخرف:83) ، وفي بيان الحالين يقول النبي صلى الله عليه وسلم :( الكيس من دان نفسة وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ) (أحمد وغيره).
ومن أجل نبذ الغفلة والكسل ودواعي التقاعس والأمل ، التي تلهي عن الإعداد والاستعداد للآخرة بصالح الأعمال، يحفز كتاب الله تعالى همم المؤمنين بمطمع الجنة ، ويحضهم على المبادرة والمسارعة إلى مغفرته ورضوان جنته التي أعدت للمتقين العاملين : { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }(آل عمران 133) نداء رباني للمسارعة إلى صالح الأعمال ، ابتغاء نيل مغفرته والفوز بدار القرار ومقام الأبرار ، الجنة التي هي سلعة الله الغالية ، يعرضها الرب الكريم على عباده المؤمنين بأبخس الأثمان . يقول النبي المختار :( من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة)،رواه الترمذي وحسنه الألباني.
وجدير بالمؤمن الكيس العاقل أن يجتهد ويصبر ويثابر ويواصل السير حتى يدرك هذه السلعة العظيمة الغالية الباقية ، التي تهون أمامها كل سلع المطالب الدنيوية الفانية.
ومن حكمة الله تعالى ورحمته وعنايته ، أن هيأ لعباده كل أسباب الهداية والرشاد ، وآتاهم بشرائعه كل ما يعينهم على الطاعات وفعل الخيرات ، ليكونوا من أهل رضاه ورضوانه وجنته . لكن أكثر الناس عن هذه الفضائل والنعم غافلون ، مشغولون بالدنيا ، مفتونون ببريقها ، والآجال لهم بالمرصاد :{ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ }(العنكبوت64).
فواعجبا لمن يعلم ما ينتظره بعد الموت من أهوال القبور ، والبعث والنشور ، والحساب والميزان ، ومصير الجنة والرضوان أو العذاب والخسران ، ويعلم أن الموت يطارده بالأجل المحتوم ، ثم هو يقتل أوقات العمر الثمينة والمعدودة فيما يلهيه ويقصيه عن ربه والتزود لحتمية الرحيل :{ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } (الجمعة 8).
فليحذر المسلم الاغترار بالدنيا والتعلق فيها بالآمال دون عمل، وليعلم أن العمر فرص غالية تغتنم بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة ما دامت متاحة لا تمتد دونها الحواجز والموانع المباغتة ، وما أكثرها ، لهذا يقدم النبي الأمين لأمته نصيحة غالية جامعة مانعة ، لاغتنام العمر في طاعة الله وفعل الخيرات قبل فوات الأوان: فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال:( بادروا بالأعمال سبعًا، هل تنتظرون إلا غنى مُطغيًا، أو فقرًا مُنسيًا ، أو مرضًا مُفسدًا، أوهرمًا مُفندًا، أوموتًا مُجهزًا، أو الدجال ،فشر غائب يُنتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر) ( الترمذي).
توصية وتحضيض نبوي أكيد على المبادرة والمسارعة إلى اغتنام فرص الطاعات والقربات وفعل الخيرات ، قبل أن تحول دون ذلك ، كليا أو جزئيا ، موانع وقواطع ، وهي كثيرة ، إن سلم الإنسان من بعضها لم يسلم من بقيتها ، منها ما هو طارئ ، ومنها ما هو محتوم في موعده من العمر إن طال .
ـ فاعمل لخير دنياك وأخرتك من قبل أن يأتيك الغنى بعد الفقر ، وقد لا تطيق اختبارات فتنته، بالمال والمتاع ، فيشغلك عن الطاعات والصالحات بالغرور ، أو الاستكبار والفجور، أو الإغراق في المتع والشهوات ، فتنقلب نعمة الغنى نقمة : { كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى }، ولنا في قصة قارون واستكباره وغروره وسوء مصيره ، موعظة وذكرى واعتبار. ولحكمة ربانية بالغة كانت الأرزاق بمقدار :{ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ } ( الشورى:27). وفي الحديث النبوي القدسي عن ربنا جل في علاه: ( إن من عبادي من لو أغنيته لأفسده الغنى ،وإن من عبادي من لو أفقرته لأفسده الفقر ).ضعفه الألباني.
ـ وبادر بالعمل الصالح ما دمت ميسور الحال ، تستطيع كثيرا من أعمال البر التي يعجز عنها غيرك ، من قبل أن يصيبك الفقر والاحتياج ، فيشغلك بالهم والغم ونصب العيش ‘عن ذكر الله وفعل الخيرات ، فتحرم مما كنت عليه قادرا ، ففي المأثور ، كاد الفقر أن يكون كفرا ، لما تغري به الحاجة من المعاصي لسد الحاجات ، أو تعجز عنه من أعمال البر والإحسان لانعدام القدرة المادية .
ـ واغتنم نعمة الصحة والعافية التي أنت فيها، فيما يرضي مولاك وينفعك يوم لقائه، قبل أن تصاب بمرض قد يفسد عليك عقلك أو بدنك . فمن فسد عقله ضاع وعيه وضاعت معه صلته العقلية بربه . ومن فسد بدنه ، فقد القدرة على فعل الطاعات والصالحات . لذلك ينبه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى عظيم نعمة الصحة والوقت المتاح: ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ )( رواه البخاري) ، وقلما تدرك لهما قيمة حقيقية إلا مع فقدانهما ، وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر .
ـ وبادر بالعمل النافع لدينك ودنياك وآخرتك قبل أن يلحقك الهرم وعجز الشيخوخة ، فينال من قوتك وحيويتك ، فتعجز عما كنت قادرا على فعله ، وتضعف طاقتك في طاعة الله وحسن عبادته، فيحق عليك قول الله تعالى :{ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} ( النحل70) ، ويوم القيامة تقوم الحجة على المفرطين في فرص الأعمار، كما يقرر القرآن :{ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ، فذوقوا فما للظالمين من نصير } (فاطر:37)، وحينها يكون لسان الحال :
ألا ليت الشباب يعود يوما فأخبـره بما فعـل المشيــب
ـ واغتنم فرصة العمر والحياة قبل الممات ، فإن الموت مجهز مباغت سريع ، ولا أحد يملك أجله. فكم من الناس فاجأهم الموت وهم في غفلة وسرور واغترار بالشباب أو بالقوة أو المتاع والجاه ، فلم يغن عنهم شيء من ذلك ، وكانت حسرة الندم ، ولات حين مندم ، إذ لا فرصة بعدها لتدارك ما فات : {حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ، كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} (المؤمنون 99 – 100). وليتأمل الغافل لحظات الكوارث القاتلة التي تأخذ الناس على حين غرة ، وهم فيما هم فيه من أحوال اللهو وأفعال المعاصي ، وكل يبعث على ما مات عليه .
ـ والعائق السادس ، يقترن بإحدى علامات الساعة الكبرى ، وهو خروج الدجال الذي لا يعلم ميقاته إلا الله . ومن أدركه فان فتنته شديدة لا ينجو منها إلا أهل الإيمان والتقوى، بما يجري الله على يديه من الخوارق الباهرة ، كما أخبر بذلك الصادق الأمين. وفي التحذير من فتنته تحريك لهمم العاملين للثبات على الإيمان والطاعات.
ـ والحاجز المانع السابع ، هو قيام الساعة التي { لا تأتيكم إلا بغتة } والساعة أدهى في سرعتها وهولها ، وأمر في فجيعتها ، وهي لحظة الفناء العام الشامل لكل الدنيا وما فيها ومن فيها . وما بعدها إلا الآخرة :{ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ }(الروم 55) . وكفى بهولها المباغت نذيرا وموعظة، وحافزا قويا إلى المبادرة إلى الأعمال الصالحات ، والتحرر من جواذب اللهو الشاغلة عن الله تعالى واليوم الآخر.
أيها المؤمنون، حين نعلم هذه الحقائق ، وندرك مخاطر تلك الآفات ، وما يتهددنا فيها من الفتن بالحواجز المانعة من الطاعات والقربات ، ألا يجدر بنا أن ننبذ حجب الغفلة ، ونثور على دواعي التقاعس والكسل ،والتعلق بكاذب الآمال بغير عمل ، ونحن لا نعلم مما يخبئ الغيب شيئا ، فليس لنا إلا أن نبادر عاملين بأمر الله تعالى ، ووصية رسول الله صلى الله عليه وسلم في اغتنام فرص العمر ونعم الله تعالى علينا فيها من أجل الآخرة ، والآخرة خير وأبقى : ( اغتنم خمسا قبل خمس : شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك ) (رواه الحاكم وصححه الألباني)، فهذه الخمس هي فرص العمل والتأهب والاستعداد والاستكثار من الزاد ، فمن فاته العمل فيها لم يدركه عند مجيء أضدادها، ولا ينفعه التمني للأعمال بعد التفريط منه والإهمال في زمن الفرصة والإمهال .
الخطبـــــــــــة الثـانيـــــــــــــــة
في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بادروا بالأعمال الصالحة فتنا كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا ، يبيع دينه بعرض من الدنيا ).
وصية أخرى من رسول الله صلى الله عليه وسلم تحمل نظرة مستقبلية في زمانه إلى ما هو آت من الأزمان ، فيها دعوة إلى المبادرة إلى الأعمال الصالحة ، ولكن هذه المرة ، ليس تحذيرا من ضياع فرص الطاعات والقربات بحضور الموانع المفاجئة فحسب ، ولكن خوفا من الفتن الشديدة التي تهدد المسلمين ، وما أكثرها في هذا العصر ، وهو عصر الفتن بامتياز ، وقد بلغت بكثير من الناس أن باعوا دينهم بمتاع الدنيا الرخيص، طلبا للأموال والمناصب والسلطة والجاه والامتيازات. لذلك كانت دعوة النبي توكيدا على حماية الدين والإيمان من غوائل الفتـن ، فهما أثمن وأغلى لدى المسلم العاقل الذي قد يضحي بكل شيء من أجل دينه وإيمانه ، ولا يضحي بالدين من أجل أي شيء مهما كان شأنه وإغراؤه .
فاعملوا عباد الله بوصية رسول الله ، واحفظوا دينكم وإيمانكم ، واجتهدوا في الأعمال الصالحة لخير دينكم ودنياكم وآخرتكم . وسابقوا وسارعوا إلى رضا الله تعالى ورضوانه ، واستعينوا بربكم على الثبات على الإيمان والاستقامة ، في وجه الفتن ، ما ظهر منها وما بطن . وتزودوا من دنياكم ، وهي مزرعة الآخرة ، بما ينجيكم من عذاب يوم القيامة ، وتكونوا به من الفائزين ، فانه ليس بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار:{ يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَلتَنظُر نَفسٌ مَّا قَدَّمَت لِغَدٍ واتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعمَلُونَ } (الحشر /18 ) . قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: ( ارتحلت الدنيا مدبرة وارتحلت الآخرة مقبلة ولكل واحدة منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإن اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل ). ولله در القائل :
تـزود من الدنيـا فإنـك لا تـدرى إذا جـن ليـل هل تعيش إلى الفجـر
فكم من صحيح مات من غير عــلة وكم من سقيم عاش حينا من الدهـر
وكم من فتـى يمسى ويصبــــــــــح لاهيـا وقد نسجت أكفـانه وهـو لا يـــــــــدري
جعلني الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، أولئك الذين هداهم الله ، وأولئك هم أولو الألباب .