HTML clipboard
ذكر شيخ الإسلام أحمد بن تيمية في كتابه ( الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 4/88-189) قصة إسلام الحسن بن أيوب ( توفي سنة 378هـ) ، والذي كان من أجلاء علماء النصارى ، ...... ، وأسلم على بصيرة بعد الخبرة بكتبهم ومقالاتهم .
وتبدأ القصة : بأن الحسن كتب بعد إسلامه رسالة إلى أخيه علي بن أيوب، يذكر فيها سبب إسلامه، ويذكر الأدلة على صحة دين الإسلام، فقال في رسالته إلى أخيه :
" إن ابتداء أمري في الشك الذي دخلني فيما كنت عليه، والاستبشاع بالقول به من أكثرمن عشرين سنة؛ لما كنت أقف عليه في المقالة من فساد التوحيد لله عز و جل بما أدخل فيه من القول بالثلاثة الأقانيم وغيرها، مما تضمنته شريعة النصارى، ووضع الاحتجاجات التي لا تزكو ولا تثبت في تقرير ذلك، وكنت إذا تبحرته وأجلت الفكر فيه بان لي عواره ونفرت نفسي من قبوله، وإذا فكرت في دين الإسلام الذي من الله علي به، وجدت أصوله ثابتة وفروعه مستقيمة وشرائعه جميلة .
وأصل ذلك ما لا يختلف فيه أحد ممن عرف الله عز و جل منكم ومن غيركم، وهو الإيمان بالله، الحي القيوم السميع البصير الواحد الفرد الملك القدوس الجواد العدل، إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وإله موسى وعيسى وسائر النبيين والخلق أجمعين، الذي لا ابتداء له ولا انتهاء، ولا ضد ولا ند، ولم يتخذ صاحبة ولا ولدا، الذي خلق الأشياء كلها لا من شيء ولا على مثال، بل كيف شاء، وبأن قال لها كوني فكانت على ما قدر وأراد، وهو العليم القدير الرؤوف الرحيم، الذي لا يشبهه شيء، وهو الغالب فلا يغلب والجواد فلا يبخل، لا يفوته مطلوب ولا تخفى عليه خافية يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وكل مذكور أو موهوم هو منه وكل ذلك به وكل له قانتون.
ثم نؤمن بأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، ونؤمن بموسى وعيسى وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا نفرق بين أحد منهم، ونؤمن بالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن، وسائر الكتب التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم، يصلونها يوم الدين، ذلك بما كسبت أيديهم وأن الله ليس بظلام للعبيد ".
وقال الحسن : " وكان يحملني إلف ديني وطول المدة والعهد عليه، والاجتماع مع الآباء والأمهات والإخوة والأخوات، والأقارب والإخوان والجيران وأهل المودات على التسويف بالعزم، والتلبث على إبرام الأمر، ويعرض مع ذلك الفكر في إمعان النظر، والازدياد في البصيرة، فلم أدع كتاباً من كتب أنبياء التوراة والإنجيل والزبور، وكتب الأنبياء والقرآن إلا نظرت فيه وتصفحته، ولا شيئاً من مقالات النصرانية إلا تأملته، فلما لم أجد للحق مدفعاً، ولا للشك فيه موضعاً، ولا للأناة والتلبث وجهاً؛ خرجت مهاجراً إلى الله عز و جل بنفسي هارباً بديني، عن نعمة، وأهل مستقر، ومحل وعز، ومتصرف في عمل؛ فأظهرت ما أظهرته عن نية صحيحة، وسريرة صادقة، ويقين ثابت، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، لقد جاءت رسل ربنا بالحق، وإياه تعالى نسأل أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا منه رحمةً إنه هو الوهاب" .
وقال الحسن :" ولما نظرت في مقالات النصارى، وجدت صنفاً منهم يعرفون بالأريوسية:
يجردون توحيد الله، ويعترفون بعبودية المسيح عليه السلام، ولا يقولون فيه شيئاً مما يقوله النصارى من ربوبية ولا بنوة خاصة ولا غيرهما، وهم متمسكون بإنجيل المسيح، مقرون بما جاء به تلاميذه والحاملون عنه؛ فكانت هذه الطبقة قريبة من الحق، مخالفة لبعضه في جحود نبوة محمد، ودفع ما جاء به من الكتاب والسنة " .
ثم وجدت منهم صنفا يعرفون باليعقوبية: يقولون إن المسيح طبيعة واحدة من طبيعيتين، إحداهما طبيعة الناسوت والأخرى طبيعة اللاهوت، وأن هاتين الطبيعتين تركبتا كما تركبت النفس مع البدن، فصارتا إنساناً واحداً، وجوهراً واحداً وشخصاً واحداً، وأن هذه الطبيعة الواحدة والشخص والواحد هو المسيح، وهو إله كله وإنسان كله، وهو شخص واحد وطبيعة واحدة من طبيعتين ، وقالوا: إن مريم ولدت الله - تعالى الله عما يقولون- وإن الله مات وتألم وصلب متجسداً ودفن، وقام من بين الأموات وصعد إلى السماء ! فجاءوا من القول بما لو عرض على السماء لانفطرت، أو على الأرض لانشقت، أو على الجبال لانهدت؛ فلم يكن لمحاجة هؤلاء وجه إذ كان كفرهم بما صرحوا به أوضح من أن يقع فيه الشك، وكان غيرهم من النصارى كالمالكانية والنسطورية يشهدون بذلك عليهم ".
ثم نظرت في قول الملكانية وهم الروم، وهم أكثر النصارى، فوجدتهم قالوا: إن الابن الأزلي الذي هو الله الكلمة، تجسد من مريم تجسداً كاملاً كسائر أجساد الناس، وركب في ذلك الجسد نفساً كاملة بالعقل والمعرفة والعلم كسائر أنفس الناس، وأنه صار إنساناً بالنفس والجسد اللذين هما من جوهر الناس، وإلهاً بجوهر اللاهوت كمثل أبيه لم يزل، وهو إنسان بجوهر الناسوت، مثل إبراهيم وداود، وهو شخص واحد لم يزد عدده، وثبت له جوهر اللاهوت كما لم يزل يصح له جوهر الناسوت الذي لبسه من مريم، وهو شخص واحد لم يزد عدده وطبيعتان، ولكل واحدة من الطبيعتين مشيئة كاملة؛ فله بلاهوته مشيئة مثل الأب والروح، وله بناسوته مشيئة مثل مشيئة إبراهيم وداود، وقالوا: إن مريم ولدت إلها، وأن المسيح وهو اسم يجمع اللاهوت والناسوت مات، وقالوا: إن الله لم يمت، والذي ولدت مريم قد مات بجوهر ناسوته، فهو إله تام بجوهر لاهوته، وإنسان تام بجوهر ناسوته، وله مشيئة اللاهوت ومشيئة الناسوت، وهو شخص واحد، لا نقول شخصان لئلا يلزمنا القول بأربعة أقانيم .
فهؤلاء أتوا من ذلك بمثل ما أتت به اليعقوبية؛ في ولادة مريم الله تعالى الله عما يقول الظالمون، وقالوا: إن المسيح وهو اسم لا تشك جماعة النصارى أنه واقع على اللاهوت والناسوت مات، وأن الله لم يمت!
فكيف يكون ميتاً لم يمت، وقائماً قاعداً في حال واحدة ،وهل بين المقالتين فرق إلا ما اختلفوا فيه من الطبائع ؟!
ثم نظرت في قول النسطورية، فوجدتهم قالوا: إن المسيح شخصان وطبيعتان لهما مشيئة واحدة، وأن طبيعة اللاهوت التي للمسيح غير طبيعة ناسوته، وأن طبيعة اللاهوت لما توحدت بالناسوت بشخصها الكلمة التي صارت الطبيعتان بجهة واحدة وإرادة واحدة، واللاهوت لا يقبل زيادة ولا نقصان ولا يمتزج بشيء، والناسوت يقبل الزيادة والنقصان؛ فكان المسيح بتلك إلها وإنساناً؛ فهو إله بجوهر اللاهوت الذي لا يزيد ولا ينقص، وهو إنسان بجوهر الناسوت القابل للزيادة والنقصان !
وقالوا: إن مريم ولدت المسيح بناسوته، وإن اللاهوت لم يفارقه قط منذ توحدت بناسوته.
فوجدنا اليعقوبية قد صرحوا بأن مريم ولدت الله - تعالى عما يصفه المبطلون ويقوله العادلون - وأنه تألم وصلب ومات، وقام بعد ثلاثة أيام من بين الموتى، وهذا الكفر الذي تشهد به عليهم سائر ملل النصارى وغيرهم، ووجدنا الملكانية قد حادوا عن هذا التصريح إلى ما هو دونه في الظاهر؛ فقالوا إن المسيح شخص واحد و طبيعتان ،فلكل واحدة من الطبيعتين مشيئة، فله بلاهوته مشيئة مثل الأب والروح، وله بناسوته مشيئة كمشيئة إبراهيم وداود، وأوهموا الواقف على قولهم أنهم بما اخترعوه من هذا الاختيار قد فرقوا بين اللاهوت والناسوت، ثم عادوا إلى قول اليعقوبية؛ فقالوا: إن مريم ولدت إلهاً، وأن المسيح وهو اسم يجمع اللاهوت والناسوت عند جماعتهم لا يشكون في ذلك مات بالجسد، وأن الله لم يمت، والذي قد ولدته مريم قد مات بجوهر ناسوته، فكيف يكون ميت لم يمت، وهل بين المقالتين إلا ما اختلفوا فيه من الطبائع فرق ؟!
وإذا كانوا قد اعترفوا بأن مريم ولدت الله، وأن الذي ولدته مريم وهو المسيح الاسم الجامع للجوهرين للاهوت والناسوت قد مات، فهل وقعت الولادة والموت وسائر الأفعال التي تحكي النصارى أنها فعلت بالمسيح إلا عليهما؟!
فكيف يصح لذي عقل عبادة مولود من امرأة بشرية قد مات، ونالته العلل والآفات؟! ([1])
ثم وجدنا النصارى المعروفين بالنسطورية قد خالفوا اليعقوبية والملكانية؛ في قولهم بشخصين لهما مشيئة واحدة، وأن الطبيعتين اتحدتا فصارتا بجهة واحدة، ثم عادوا إلى شبيه قولهم في أن مريم ولدت المسيح، فإذا كانت ولدت المسيح فقد لزمهم ووجب عليه الإقرار بأنها ولدت هذا اللاهوت والناسوت المتحدين، وقد رجع المعنى إلى قول اليعقوبية، إلا أنهم اختاروا لذلك ألفاظا زوقوها وقدروا بها التمويه على السامع، ولم يصرحوا بالقول كتصريح اليعقوبية؛ لأن المتحد بالشيء هو الممازج له والمجتمع معه حتى صار مازجه، وهو شيئاً واحدا، ثم أكدوا القول بإقرارهم أن الناسوت منذ اتحد باللاهوت لم يفارقه، فما لم يفارق الشيء هل هو إلا يجري مجراه في سائر متفرقاته، من ضر ونفع وخير وشر وحاجة وغنى ؟!
قال:" وأما قولهم: إن مريم ولدت المسيح بناسوته، فهذه أغلوطة؛ وإلا فكيف يولد ولد متحد بشيء آخر مجامع له دون ذلك الشيء؟! وكيف يكون ذاك وهم يقولون إنه لم يفارقه قط؟! وهل يصح هذا عند أهل النظر؟!
أو ليس الحكم عند كل ناظر ومن كل ذي عقل يوجب أن تكون الولادة واقعة على اللاهوت والناسوت معا، بمعنى الاتحاد، وبمعنى الاسم الجامع للاهوت والناسوت، وهو المسيح، وكذلك الحمل بهما جميعا، وأن يكون البطن قد حواهما .
قال:" فإن لجوا في الباطل ودافعوا عن قبيح هذه المقالة، ومالوا إلى تحسينها بالتمويهات المشككة لمن قصرت معرفته، فنحن نقيم عليهم شاهداً من أنفسهم لا يمكنهم دفعه، وذلك أن شريعة إيمانهم التي ألفها لهم رؤساؤهم من البطاركة والمطارنة والأساقفة والأحبار في دينهم، وذوي العلم منهم بحضرة الملك عند اجتماعهم من آفاق الأرض بمدينة قسطنطينية، وكانوا ثلثمائة وثمانية عشر رجلاً، يصفون أنهم نطقوا بها بروح القدس، وهي التي لم تختلف جماعتهم عند اختلافهم في المقالات فيها، ولا يتم لهم قربان إلا بها، على هذا النسق الذي نبينه:
" نؤمن بالله الأب مالك كل شيء صانع ما يرى وما لا يرى، وبالرب الواحد يسوع المسيح ابن الله الواحد بكر الخلائق كلها وليس بمصنوع إله حق من إله حق من جوهر أبيه، الذي بيده أتقنت العوالم وخلق كل شيء ، الذي من أجلنا معشر البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد من روح القدس وصار إنسانا، وحبل به وولد من مريم البتول، وتألم وصلب أيام قيطوس بن بيلاطوس، ودفن وقام في اليوم الثالث كما هو مكتوب، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين أبيه، وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء، ونؤمن بروح القدس الواحد روح الحق الذي يخرج من أبيه روح ومجيئه، وبمعمودية واحدة لغفران الخطايا، وبجماعة واحدة قديسية سليخية جاثليقية، وبقيامة أبداننا، وبالحياة الدائمة إلى أبد الآبدين ".
قال الحسن:" فهذه الشريعة يجتمع على الإيمان بها، وبذل المهج فيها، وإخراج الأنفس دونها جماهيرهم من الملكانية واليعقوبية والنسطورية، وقد اعترفوا فيها جميعا بأن الرب المسيح الذي هذه صفته على ما اقتصصناه منها الإله الحق من الإله الحق، نزل من السماء وتجسد من روح القدس وصار إنسانا، وحبل به وولد من مريم البتول، وتألم وصلب ،قال فهل في هذا الإقرار شبهة أو علقة يتعلق بها العنت المدافع عن الحجة؛ فتدبروا هذا القول يا معشر النصارى، فإنه لا يمكن أحد منكم أن يخرج عنه، ولا أن يدفع ما صرح به؛ فإنكم إن قلتم إن المقتول المصلوب هو الله؛ فمريم على قولكم ولدت الله -سبحانه وتعالى عما يقولون- وإن قلتم أنه إنسان؛ فمريم ولدت إنسانا، وفي ذلك أجمع بطلان شريعة إيمانكم؛ فاختاروا أي القولين شئتم؛ فإن فيه نقض الدين".
قال الحسن : " وقد يجب على ذوي العقول أن تزجرهم عقولهم عن عبادة إله ولدته مريم، وهي امرأة آدمية، ثم مكث على الأرض ثلاثين سنة تجري عليه أحكام الآدميين: من غذاء وتربية وصحة وسقم وخوف وأمن وتعلم وتعليم، لا يتهيأ لكم أن تدعوا أنه كان منه في تلك المدة من أسباب اللاهوتية شيء، ولا له من أحوال الآدميين كلها من حاجتهم وضروراتهم وهمومهم ومحنهم وتصرفاتهم مخرج، ثم أحدث بعد هذه المدة الطويلة ما أحدثه من إظهار أمر الله تعالى، والنبوات والآيات الباهرة المعجزة بقوة الله تعالى، وقد كان من غيره من الأنبياء مثلها، وما هو أعلى منها، فكانت مدته في ذلك أقل من ثلاث سنين، ثم انقضى أمره بما يصفون أنه انقضى به، وينسبونه إليه من حبس وضرب وقذف وصلب وقتل، فهل تقبل العقول ما يقولون من أن إلها نال عباده منه مثل ما تذكرون أنه نيل منه ؟!
فإن تأولتم أن ذلك حل بالجسم، وليس بالقياس يحتمل ذلك؛ لِما شرحناه من معنى اتحاد اللاهوت به، أفليس قد وقع بجسم توحدت اللاهوتية به وحلت الروح فيه، وقد أنجبه الله على ما تزعمون وتصفون لخلاص الخلق، وفوض إليه القضاء بين العباد في اليوم الذي يجتمع فيه الأولون والآخرون للحساب، وقد وجدناكم تؤثرون أخبارا في قوم عرضوا التوابيت فيها شهداء لكم، بأن الأيدي التي بسطت إليها جفت، أو هل نال أحدا من الجزع والهلع والغم والقلق والتضرع إلى الله في إزالة ما حل به مثل ما يحكى في الإنجيل أنه ناله، ووجدنا الكتب تنبىء بأنه نيل من جورجيس( أحد من كان على دين المسيح) من العذاب الشديد: بالقتل، والحرق، والنشر بالمناشير، ما لم يسمع بمثله في أحد من الخلق، ونال خلقاً كثيراً من تلامذته أيضا عذاب شديد!
وقيل لما كان الملوك المحاربون لهم يسومونهم إياه من الرجوع عن أديانهم إلى الكفر الذي كان أولئك الملوك عليه، فصبروا على ذلك واحتسبوا أنفسهم، فلم يهربوا من الموت، وقد كان يمكنهم الهرب من بلد إلى بلد والاستتار، وإخفاء أشخاصهم، وما أظهروا في حال من تلك الأحوال جزعا ولا هلعا، وهم بعض الآدميين التابعين له؛ لأنه خفف عنهم ما كانوا ينالون به بتأييد الله عز و جل إياهم .
قال:" ثم نقول قولاً آخر، قد نستدل على صحة هذه الشريعة من سقمها بأربعة أوجه لا يقع في شيء منها شك ولا طعن ولا زيادة ولا نقصان، وهي أصل أمر المسيح عندكم :
فأولها: البشرى التي أتى بها جبريل عليه السلام .
والثانية: قول يحيى بن زكريا، الذي شهد له المسيح بأنه لم تقم النساء عن مثله .
والثالثة: النداء المسموع من السماء .
والرابعة: قول المسيح عن نفسه، حين سأله يحيى عن شأنه .
والذي قال جبريل على ما ثبت في إنجيلكم لمريم حين بشرها:" السلام عليك أيتها الممتلئة نعما، ربنا معك أيتها المباركة في النساء، فلما رأته مريم ذعرت منه؛ فقال: لا ترهبي يا مريم؛ فقد فزت بنعمة من ربك، فها أنت تحبلين وتلدين ابنا، وتسميه يسوع ويكون كبيرا، ويسمى ابن الله العلي، ويعطيه الله الرب كرسي أبيه داود، ويكون ملكا على آل يعقوب إلى الأبد، فقالت مريم: أنى يكون لي ذلك ولم يمسسني رجل، قال له الملك: إن روح القدس يأتيك، أو قال يحل فيك، وقوة العلي تحبلك؛ من أجل ذلك يكون الذي يولد منك قديسا، ويسمى ابن الله العلي".
قال الحسن : " فلم نر الملك قال لها إن الذي تلدين هو خالقك وهو الرب كما سميتموه، بل أزال الشك في ذلك بأن قال: إن الله الرب يعطيه كرسي أبيه داود ، ويصطفيه ويكرمه، وأن داود النبي أبوه، وأنه يسمى ابن الله.
وما قال أيضا أنه يكون ملكاً على الأرض، وإنما جعل له الملك على بني إسرائيل فقط، وقد علمتم أن من يسمى بابن الله كثير لا يحصون؛ فمن ذلك إقراركم بأنكم جميعا أبناء الله بالمحبة، وقول المسيح :" أبي وأبيكم، وإلهي وإلهكم" في غير موضع من الإنجيل، ثم تسمية الله يعقوب وغيره بنيه خصوصا، فالسبيل في المسيح إذا لم تلحقوه في هذا الاسم بالجمهور أن يجري في هذه التسمية مجرى الجماعة الذين اختصوا بها من الأنبياء والأبرار، ونسبة الملك إياه إلى أبيه داود تحقق أن أباه داود، وأن التسمية الأولى على جهة الاصطفاء والمحبة، وأن حلول الروح عليه على الجهة التي قالها متى التلميذ للشعب عن المسيح في الإنجيل" لستم أنتم متكلمين، بل روح الله تأتيكم تتكلم فيكم " فأخبر أن الروح تحل في القوم أجمعين وتتكلم فيهم.
وقال الملك في بشارته لمريم بالمسيح عليه السلام" إنه يكون ملكاً على آل يعقوب، فخص آل يعقوب بتملكه عليهم دون غيرهم من الناس، ولم يقل إنه يكون إلها للخلائق.
ومعنى قول جبريل عليه السلام لمريم " ربنا معك" مثل معنى قول الله عز و جل لموسى وغيره من الأنبياء" إني معكم " فقد قال ليوشع بن نون" إني أكون معك كما كنت مع موسى عبدي" فقول النصارى كلهم في مجاري لغتهم ومعاني ألفاظهم أن الله عز و جل وروح القدس مع كل خطيب وراهب وفاضل في دينه على هذه السبيل .
قال الحسن : " وأما النداء الذي سمعه يحيى بن زكريا من السماء في المسيح، وشهادة يحيى له، فإن متى قال في إنجيله" إن المسيح عليه السلام لما خرج من الأردن تفتحت له السماء فنظر يحيى إلى روح القدس قد نزلت على المسيح كهيئة حمامة وسمع نداء من السماء إن هذا ابني الحبيب الذي اصطفيته " فقد علمنا وعلمتم أن المصطفى مفعول، والمفعول مخلوق، وليس يستنكف المسيح عليه السلام من الاعتراف بذلك في كل كلامه، وما زال يقول" إلهي وإلهكم وأبي وأبيكم" وكلما يصح به أنه: عبد، مرسل، مربوب، مبعوث، مأمور، يؤدي ما سمع، ويفعل ما حد له.
ثم قال الحسن : " وقد وجدنا المسيح عليه السلام احتاج إلى تكميل أمره بمعمودية يحيى له، فصار إليه لذلك وسأله إياه، فليس مرتبة المقصود بدون مرتبة القاصد الراغب، وقال لوقا التلميذ في إنجيله" إن يحيى المعمداني أرسل إلى المسيح بعد أن عمده وسأله: أنت ذلك الذي تجيء، أو نتوقع غيرك؟ فكان جواب المسيح لرسله:" أن ارجعوا فأخبروه بما ترون من عميان يبصرون، وزمن ينهضون، وصم يسمعون، فطوبى لمن لم يغتر بي، أو يذل في أمري ".
قال الحسن : فوجدنا يحيى مع محله وجلالة قدره عند الله عز و جل، ثم ما شهد به المسيح له من أنه ما قامت النساء عن مثله، قد شك فيه؛ فاحتاج إلى أن يسأله عن شأنه ، ثم لم يكن من جواب المسيح له بشيء مما تصفون من الربوبية، ولا قال إني خالقك وخالق كل شيء، كما في شريعة إيمانكم، بل حذر الغلط في أمره والاغترار، ولا كان من قوله أكثر مما ذكر أنه أظهر بنبوته من هذه الآيات، التي سبق إلى مثلها أكثر الأنبياء ، ولا رأينا يحيى زاد في وضعه إياه لما قرظه وأعلا ذكره مع تشككه في أمره، وحاجته إلى مسألته عن حاله على أن قال:" هو أقوى مني، وأني لا أستحق أن أحل معقد خفه" ولم يقل إنه خالقي، وقد يقول الرجل الخير فيمن هو دونه، مثل الذي قال يحيى فيه تواضعاً لله وخشوعا، كما قال المسيح في يحيى:" إنه ما قامت النساء عن مثله".
قال الحسن : " افتركتم ما أتت به الرسل والنبوات في المسيح، وهو أصلكم الذي وقع عليه بناؤكم، وجعلتم لأنفسكم شريعة غيرها؟!
ومثل الذين عقدوا هذه الشريعة لكم مثل من آمن بنبوة رجل ينتفي من النبوة؛ لأن المسيح عليه السلام يقول إنه مربوب مبعوث، ويقول جبريل إنه مكرم مصطفى، وأن أباه داود، وأن الله جعله ملكاً على آل يعقوب، وينادي مناد من السماء بمثل ذلك، ويشهد يحيى بن زكريا على مثله، وتقولون بل هو خالق أزلي إلا أنه يستر نفسه!
ويقول المسيح وغيره ممن سمينا أنه معطى، وأن الله معطيه، وتقولون بل رازق النعم وواهبها!
ويقول إن الله أرسله، وتقولون بل هو الذي نزل لخلاصنا!
وتعتقدون سبب نزوله من السماء أنه أراد أن يخلصكم، ويحتمل الخطيئة، ويربط الشيطان، فقد وجدنا الخلاص لم يقع، والخطيئة قائمة لم تزل، والشيطان أعتى ما كان يربط، بل سلطه الله عليه على ما تقولون؛ فحصره في الجبل أربعين يوماً يمتحنه، وقال له في بعض أحواله معه: إن كنت ابن الله فقل لهذه الصخور تصير خبزا ؟ فقال له المسيح مجيبا له:" إنه مكتوب أن حياة الإنسان لا تكون بالخبز، بل بكل كلمة تخرج من الله"، ثم ساقه الشيطان إلى مدينة بيت المقدس وأقامه على قرنة الهيكل، وقال له: إن كنت ابن الله فارم بنفسك من هاهنا، فإنه مكتوب إن الملائكة توكل بك لئلا تعثر رجلك بالحجر. قال يسوع:" ومكتوب أيضا لا تجرب الرب إلهك" ثم ساقه إلى جبل عال وأراه جميع مملكات الدنيا وزخارفها، وقال له: إن خررت على وجهك ساجدا لي جعلت هذا الذي ترى كله لك. قال له المسيح:" اغرب أيها الشيطان؛ فإنه مكتوب اسجد للرب إلهك، ولا تعبد شيئا سواه"، ثم بعث الله عز و جل ملكا اقتلع العدو من مكانه، ورمى به في البحر وأطلق السبيل للمسيح .
أفلا يعلم من كان في عقله أدنى مسكة أن هذا الفعل لا يكون من شيطان إلى إله؟! ولو كان إلها لأزاله عن نفسه قبل أن يأتيه الملك من عند ربه، ولما قال" أمرنا أن لا نجرب الله" " وأن نسجد للرب، ولا نعبد شيئا سواه" وكيف لم يربط الشيطان عن نفسه قبل أن يربط عن أمته!
فهذه أمور إذا تأملها المتأمل قبحت جدا، وكثر اختلافها واشتد تناقضها واضطرابها.
وقال الحسن :
" ومما يعجب منه أنكم تعتقدون أن الابن الأزلي اتحد بالمسيح فصارا بجهة واحدة، ولم يفارقه قط منذ اتحد به، ومكث على ذلك في بطن أمه تسعة أشهر، ثم أقام مولودا، وتغذى باللبن، ومربوبا صبيا مغذى بالأغذية إلى أن بلغ ثلاثين سنة، لا يظهر منه شيء من آلة الربوبية، ولا أمر يوجب هذا المحل، ولا كان بينه وبين نظرائه من الآدميين فرق، ولا سطع منه نور، ولا ظهرت له سكينة، ولا حفته الملائكة بالتهليل ، ولا ألم به الشعث بعد ذلك فوق ما كان من الأنبياء قبله، فقد كلم الله موسى من العوسجة كيف شاء فأشرق ما حولها نورا، وكلمه من طور سيناء فاضطربت في الجبل النيران، والتبس وجهة النور الساطع حتى كان يتبرقع إذا جلس مع بني إسرائيل بعد ذلك؛ لأنهم كانوا لا يستطيعون النظر إليه، ثم سأل موسى ربه عز و جل لما قرب
منه فقال" رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا" فلما أفاق من صعقته استغفر ربه فتاب عليه، وتجلى مجد الله لجماعة من الأنبياء فرأوا حول مجده ربوات الملائكة، وقال داود :" يا رب إنك حيث عبرت ببلاد سنين تزلزلت الأرض منك وانفطرت من هيبتك" ، وقال أيضا كالمخاطب للبحر والجبال والمتعجب منها:" ما لك أيها البحر هاربا، وأنت يا نهر الأردن لم وليت راجعا، وما لك أيتها الجبال تنفرين كالأبابيل، وما لكن أيتها الشوامخ والهضبات تنزو نزو الشياء"، ثم قال كالمجيب عنهم:" من قدام الرب تزلزلت البقاع "، قال فإن كان المسيح هو الأزلي الخالق، أو كان متحداً به، فكيف لم ترجف بين يديه الجبال، ولم تتصرف عن مشيئته الأنهار والبحار؟! أو كيف لم تظهر منه آيات باهرات أجل من آيات الأنبياء قبله، مثل المشي على متون الهواء والاضطجاع على أكتاف الرياح، والاستغناء عن المآكل والمشارب، وإحراق من قرب منه من الشياطين والجن، كما أحرق إيليا من قرب منه من جند أحاب الملك، ويمنع الآدميين من نفسه وما فعلوا على زعمكم بجسمه؛ ليعلم الناس أنه خالقهم، أو أنه هيكل الخالق ؟!
قال الحسن : " ووجدناكم تقولون أن الابن إنما يسمى ابن الله وكلامه لأنه تولد من الأب وظهر منه، فلم نقف على معنى ذلك؛ لأن شريعة إيمانكم تقول إن الروح أيضا تخرج من الأب، فإن كان الأمر كما تقولون فالروح أيضا ابن؛ لأنها تخرج عن الله تعالى وإلا فما الفرق بينهما ؟
قال:" ولم نفهم أيضا قولكم أن الابن تجسد من روح القدس، وأن روح القدس ساقه إلى البر ليمتحنه الشيطان، فما كانت حاجة الابن إلى أن تكون الروح وهي في قولكم مثله تدبره وتغيره من حال إلى حال، أو ما علمتم أن الغير السابق المدبر فاعل والمسبوق المدبر مفعول به؛ فالابن إذن دون الروح وليس مثله؛ لأن الأزلي لا ينفك من الأزلي وهو مثله .
قال:" وإن كان المسيح من روح القدس كما قال جبريل الملك لأمه مريم، فلم سميتموه كلمة الله وابنه ولم تسموه روحه؟! فإنما قال لها الملك" إن الذي تلدين من روح القدس" والروح غير الابن، ولو كان المعنى واحداً لما قالت الشريعة إنه تجسد من روح القدس ، وإن روح القدس ساقه إلى البر، وإن روح القدس نزل عليه، ولم تثلثون به في إيمانكم فتقولون نؤمن بالأب والابن والروح القدس ".
قال :"ووجدناكم تقولون أيتها النسطورية: إن لله علما وحكمة هما الابن، وحياة هي الروح، قديمين، ولعلمه وحياته ذات كذات الله؛ وذلك أن علم الله له علم وحياة، ولحياته التي هي روحه علم وحياة، وأن الله الأب لما رأى استيلاء العدو على خلقه ونكول الأنبياء عن مناوأته أرسل إليه ابنه الفرد وحبيبه، وجعله فداء ووفاء للناس أجمعين، وأن ابنه نزل من السماء وتجسد من روح القدس وصار إنسانا، ثم ولد ونشأ وعاش ثلاثين سنة، يتقلب بين بني إسرائيل كواحد منهم، يصلي في كنائسهم ويستن بسننهم، لا يدعى دينا غير دينهم، ولا ينتحل رسالة ولا نبوة، حتى إذا انقضت تلك السنون أظهر الدعوة وجاء بالآيات الباهرة والبراهين المشهورة؛ فأنكرته اليهود وقتلته وصلبته، ثم صعد إلى السماء .
وصدقتم بشريعة الإيمان وكفرتم من خالفها، ثم لم تلبثوا أن خلعتموها وانسلختم منها وقلتم: إن المسيح جوهران وأقنومان، جوهر قديم وجوهر حديث، ولكل جوهر أقنوم على حياله، وإن الله جوهر قديم يقوم بمعنيين، فهو واحد يقوم بثلاثة معان، وثلاثة لها معنى واحد، كالشمس التي هي شيء واحد ولها ثلاثة معان القرص والحر والنور، فالمسيح هو الله، وهو مبعوث غير أنه ليس يعبد . فكان معنى قولكم هذا أن المسيح مولود لكنه ليس مفعولاً به، وهو مبعوث مرسل لكنكم تستحيون أن تسموه رسولا، إذ كنتم لا تفرقون بين الله وبينه في شيء من الأشياء، وأقبلتم على الملكانية واليعقوبية بالتكفير واللعن لقولهم إن الله والمسيح شيء واحد، ثم لم تلبثوا أن قدمتم المسيح على الله تبارك وتعالى، وبدأتم به في التمجيد ورفعتم إليه تهاليلكم ورغائبكم في أوقات القرابين خاصة، وهي أجل صلواتكم وأفضل محافلكم عندكم، فإنه يقوم الإمام منكم على المذبح من مذابحكم وأهله مرعوبون فتتوقعون نزول روح القدس بزعمكم من السماء بدعائه فيفتح دعاءه ويقول:" ليتم علينا وعليكم نعمة يسوع المسيح ومحبة الله الأب ومشاركة روح القدس إلى دهر الداهرين"، ثم يختم صلاته بمثل ذلك، فهذا تصريح بالشرك، وتصغير لعظمة الله وعزته أن جعلتم النعم والمواهب لمن هو دونه؛ وهو معطى ومخول من عند الله على قولكم، وجعلتم لله بعد المسيح محبة ولروحه مشاركة ".
قال : ووجدناكم قد عبتم على اليعقوبية قولهم إن مريم ولدت الله - عز الله وجل عن ذلك- وفي شريعة الإيمان التي بيناها المجتمع عليها" أن المسيح إله حق، وأنه ولد من مريم" فما معنى المنافرة، وما الفرق؟! وما تنكرون من قولهم إن المقتول المصلوب هو الله - عز الله وجل عن ذلك- وشريعة إيمانكم تقول" نؤمن بالرب المسيح الذي من خبره وحاله الذي ولد من مريم وتألم وصلب على عهد الملك بيلاطس النبطي ودفن وقام في اليوم الثالث" أليس هذا إقرارا بمثل قولهم؛ فتدبروا هذا القول يا أولي الألباب ، فإنكم إن قلتم إن المقتول المصلوب هو الله؛ فإن مريم عندكم ولدت الله ، وإن قلتم إنه إنسان فإن مريم ولدت إنساناً وبطلت الشريعة؛ فأي القولين اخترتموه ففيه نقض دينكم .
ثم عبتم على الملكانية قولهم إنه ليس للمسيح إلا أقنوماً واحدا؛ لأنه صار مع الأزلي الخالق شيئاً واحداً لا فرق بينهما، وقلتم بأن له أقنومين لكل جوهر أقنوم على حياله، ثم لم تلبثوا أن رجعتم إلى مثل قولهم؛ فقلتم إن المسيح وإن كان مخلوقاً من مريم مبعوثا ، فإنه هيكل لابن الله الأزلي، ونحن لا نفرق بينهما، فإذا كان الأمر عندكم على هذا فما تنقمون على الملكية، وما معنى الافتراق وقد رجعتم في الاتحاد إلى مثل قولهم؟!
إن هذا الأمر تحار فيه الأفهام !
فإن كانت الشريعة بمعنى الأمانة عندكم حقا؛ فالقول ما قال يعقوب، وذلك أنا إذا ابتدأنا من الشريعة في ذكر المسيح، ثم نسقنا المعاني نسقاً واحداً وانحدرنا فيها إلى آخرها، وجدنا القوم الذين ألقوها لكم قد صححوا أن يسوع المسيح هو ابن الله، وهو بكر الخلائق كلها، وهو الذي ولد من مريم ليس بمصنوع، وهو إله حق من إله حق
من جوهر أبيه، وهو الذي أتقن العوالم وخلق كل شيء على يده، وهو الذي نزل لخلاصكم فتجسد وحملته مريم وولدته وقتل وصلب، فمن أنكر قول اليعقوبية لزمه أن ينكر هذه الشريعة التي تشهد بصحة قولهم ويلعن من ألفها.
قال:" وإنما أخذت تلك الطائفة يعني الذين وضعوا الأمانة بكلمات، وذكروا أنهم وجدوها في الإنجيل مشكلات، تأولت فيها ما وقع بهواها وتركت ما في الإنجيل من الكلام البين الواضح الذي يشهد بعبودية المسيح، وشهادته بذلك على نفسه، وشهادة تلاميذه به عليه؛ فأخذت بالمشكل اليسير وجعلت له ما أحبت من التأويل، وألغت الواضح الكثير الذي لا يحتاج إلى تأويل.
قال:" فأما احتجاجكم بالشمس وأنها شيء واحد له ثلاثة معان، وتشبيهكم ما يقولونه في الثلاثة الأقانيم بها، فإن ذلك تمويه لا يصح؛ لأن نور الشمس لا يحد بحد الشمس وكذلك حرها لا يحد بحد الشمس، إذ كان حد الشمس جسماً مستديراً مضيئاً مسخنا دائراً في وسط الأفلاك دوراناً دائما، ولايتهيأ أن يحد نورها وحرها بمثل هذه الصفة، ولا يقال إن نورها أو حرها جسم مستدير مضيء مسخن دائم الدوران، ولو كان نورها وحرها شمساً حقا من شمس حق من جوهر الشمس، كما قالت الشريعة في المسيح إنه إله حق من إله حق من جوهر أبيه لكان ما قلتم له مثلا تاما، والأمر مخالف لذلك فلا يشبهه ولا يقع القياس عليه، والحجة منكم فيه باطلة .
قال:" ووجدناكم تذكرون أن المسيح نزل من السماء فأبطل بنزوله الموت والآثام، فإن العجب ليطول من هذا القول! وأعجب منه من قبله ولم يتفكر فيه، وممن لم يستقبح أن يعتقد ديانة لله تبارك وتعالى على مثل هذا القول المحال البائن عما تشهد به العقول، وتنبىء به المشاهدة، ويدعو الناس إليها! فما هو ببعيد من عقد ما هو أمحل وأبطل منها؛ لأنه إن كانت الخطيئة بطلت بمجيئه فالذين قتلوه إذا ليسوا خاطئين، ولا مأثومين؛ لأن لا خاطىء بعد مجيئه ولا خطيئة ؟
وكذلك أيضا الذين قتلوا حواريه وأحرقوا أسفاره غير خاطئين، وكذلك من نراه من جماعتكم منذ ذلك الدهر إلى هذا الوقت يقتل ويسرق ويزني ويلوط ويسكر ويكذب ، ويركب كل ما نهى عنه من الكبائر وغيرها غير خاطئين ولا مأثومين!
فمن جحد ذلك فليرجع إلى التسبيحة التي تقرأ بعقب كل قربان وهو أن: " يا ربنا الذي غلب بوجعه الموت الطاغي "، وفي الأخرى التي تقال في يوم الجمعة الثانية من الفصح: " إن فخرنا بالصليب الذي بطل به سلطان الموت وصرنا إلى الأمن والنجاة بسببه "، وفي بعض التسابيح: " بصلوات ربنا يسوع المسيح بطل الموت وانطفأت فتن الشيطان ودرست آثارها " فأي خطيئة بطلت، وأي فتنة للشيطان انطفأت، أو أي أمر كان الناس عليه قبل مجيئه من المحارم والآثام تغير عن حاله ؟!
قال الحسن : " فإذا كان التمويه يقع فيما يلحقه كل أحد بالمعرفة والبيان، فهو فيما أشكل من الأمور وفعل بالتأويلات التي تأولها أولئك المتأولون أوقع ، وإذا كنتم قد قبلتم هذا المحال الظاهر الذي لا خفاء به عن الصبيان، فأنتم لما هو أعظم منه من المحال أقبل، وهذا إنجيلكم يكذب هذا القول حيث يقول المسيح فيه: " ما أكثر من يقول لي يوم القيامة يا سيدنا أليس باسمك أخرجنا الشيطان، فأقول اغربوا عني أيها الفجرة الغاوون فما عرفتكم قط"؛ فهذا خلاف قول علمائكم ما قالوا، ووضعهم لكم ما وضعوا، ومثله قوله:" إني جامع الناس يوم القيامة عن ميمنتي وميسرتي وقائل لأهل الميسرة إني جعت فلم تطعموني وعطشت فلم تسقوني وكنت غريبا فلم تأووني ومحبوسا فلم تزوروني ومريضا فلم تعودوني فاذهبوا إلى النار المعدة لكم من قبل تأسيس الدنيا
وأقول لأهل الميمنة فعلتم بي هذه الأشياء فاذهبوا إلى النعيم المعد لكم من قبل تأسيس الدنيا" ؛ فهل أدخل أولئك النار إلا خطاياهم التي ركبوها، وهل صار هؤلاء إلى النعيم إلا بأعمالهم الجميلة التي قدموها بتوفيق الله إياهم، فمن قال إن الخطيئة قد بطلت فقد بهت، وقد خالف قول المسيح، وكان هو من الكاذبين .
وقال الحسن : " و يا أيها القوم الذين هم أولوا الألباب والمعرفة حيث ينسبونه إلى الربوبية وينحلونه اللاهوتية، ويجعلونه خالق الخلق أجمعين وإلههم، بماذا ساغ ذلك لكم، وما الحجة فيه عندكم؟ هل قالت كتب النبوات فيه ذلك؟ أو هل قاله عن نفسه؟ أو قاله أحد عن تلامذته والناقلين عنه؟ الذين هم عماد دينكم وأساسه، ومن أخذتم الشرائع والسنن عنه، ومن كتب الإنجيل وبينه قد أفصح في كل الإنجيل من كلامه ومخاطبته ووصاياه بما لا يحصى كثرة بأنه عبد مثلكم، ومربوب معكم، ومرسل من عند ربه وربكم، ومبدي ما أمر به فيكم، وحكى مثل ذلك من أمره حواريوه وتلامذته ووصفوه لمن سأل عنه، وفي كلامهم بأنه رجل جاء من عند الله عز و جل، ونبي له قوة وفضل، فتأولتم في ذلك أنه أخرج كلامه على معنى الناسوت، ولو كان كما تقولون لأفصح عن نفسه بأنه إله كما أفصح بأنه عبد، ولكنه ما ذكره ولا ادعاه، ولا دعا إليه، ولا ادعته له كتب الأنبياء قبله، ولا كتب تلامذته ولا حكي عنهم، ولا أوجبه كلام جبريل الذي أداه إلى مريم، ولا قول يحيى بن زكريا.
قال:" فإن قلتم إنكم استدللتم على ربوبيته بأنه أحيا الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص، ومشى على الماء، وصعد إلى السماء، وصير الماء خمرا، وكثر القليل، فيجب الآن أن ينظر إلى كل من فعل من هذه الأمور فعلا فنجعله رباً وإلها، وإلا فما الفرق؟!
فمن ذلك: أن كتاب سفر الملوك يخبر أن إلياس أحيا ابن الأرملة، وأن اليسع
أحيا ابن الإسرائيلية، وأن حزقيال أحيا بشراً كثيرا، ولم يكن أحد ممن ذكرنا بإحيائه الموتى إلها .
وأما إبراء الأكمه، فهذه التوراة تخبر أن يوسف أبرأ عين أبيه يعقوب بعد أن ذهبت، وهذا موسى طرح العصا فصارت حيةً لها عينان تبصر بهما، وضرب بها الرمل فصار قملاً لكل واحدة منها عينان تبصر بهما، ولم يكن واحد منهم بذلك إلها.
وأما إبراء الأبرص، فإن كتاب سفر الملوك يخبر بأن رجلاً من عظماء الروم برص فرحل من بلده قاصداً اليسع عليه السلام؛ ليبرئه من برصه، فأخبر الكتاب بأن الرجل وقف بباب اليسع أياماً لا يؤذن له، فقيل لليسع إن ببابك رجلاً يقال له نعمان وهو أجل عظماء الروم به برص، وقد قصدك لتبرئه من مرضه، فإن أذنت له دخل إليك، فلم يأذن له، وقال لرجل من أصحابه اخرج إلى هذا الرجل فقل له ينغمس في الأردن سبع مرات، فأبلغ الرسول لنعمان ما أمره به اليسع، ففعل ذلك فذهب عنه البرص، ورجع قافلاً إلى بلده، فأتبعه خادم ليسع فأوهمه أن اليسع وجه به إليه يطلب منه مالا، فسر الرجل بذلك ودفع إلى الخادم مالاً وجوهراً ورجع فأخفى ذلك وستره، ثم دخل إلى اليسع فلما مثل بين يديه قال له:" تبعت نعمان وأوهمته عني كذا وكذا، وأخذت منه كذا وأخفيته في موضع كذا، إذ فعلت الذي فعلت به؛ فليصر برصه عليك وعلى نسلك" فبرص ذلك الخادم على المكان. قال فهذا اليسع قد أبرأ أبرصاً وأبرص صحيحا، وهو أعظم مما فعل المسيح عليه السلام، فلم يكن في فعله ذلك إلها .
قال:" وأما قولكم أنه مشى على الماء، فإن كتاب سفر الملوك يخبر بأن إلياس عليه السلام صار إلى الأردن ومعه اليسع تلميذه، فأخذ عمامته فضرب بها الأردن فاستييس له الماء حتى مشى عليه هو واليسع، ثم صعد إلى السماء على فرس من نور واليسع يراه، ودفع عمامته إلى اليسع فلما رجع اليسع إلى الأردن ضرب بها الماء فاستييس له حتى مشى عليه راجعا، ولم يكن واحد منهما بمشيه على الماء إلها، ولا كان إلياس بصعوده إلى السماء إلها.
قال:" وأما قولكم أنه صير الماء خمرا، فهذا كتاب سفر الملوك يخبر بأن اليسع نزل بامرأة إسرائيلية؛ فأضافته وأحسنت إليه، فلما أراد الانصراف قال لها: هل لك من حاجة؟ فقالت المرأة: يا نبي الله! إن على زوجي ديناً قد فدحه، فإن رأيت أن تدعو الله لنا بقضاء ديننا فافعل. فقال لها اليسع: اجمعي كل ما عندك من الآنية، واستعيري من جيرانك جميع ما قدرت عليه من آنيتهم. ففعلت، ثم أمرها فملأت الآنية كلها ماء فقال: اتركيه ليلتك هذه. ومضى من عندها، فأصبحت المرأة وقد صار ذلك الماء كله زيتا، فباعوه فقضوا دينهم! وتحويل الماء زيتا أبدع من تحويله خمرا، ولم يكن اليسع بذلك إلها.
وأما قولكم المسيح عليه السلام كثر القليل حتى أكل خلق كثير من أرغفة يسيرة، فإن كتاب سفر الملوك يخبر بأن إلياس نزل بامرأة أرملة، وكان القحط قد عم الناس، وأجدبت البلاد ،ومات الخلق ضراً وهزلا، وكان الناس في ضيق، فقال للأرملة: هل عندك طعام؟ فقالت: والله ما عندي إلا كف من دقيق في قلة، أردت أن أخبزه لطفل لي، وقد أيقنا بالهلاك لما الناس فيه من القحط. فقال لها: أحضريه فلا عليك. فأتته به فبارك عليه؛ فمكث عندها ثلاث سنين وستة أشهر تأكل هي وأهلها وجيرانها منه، حتى فرج الله عن الناس، فقد فعل إلياس في ذلك أكثر مما فعل المسيح؛ لأن إلياس كثر القليل وأدامه، والمسيح كثر القليل في وقت واحد ولم يكن إلياس بفعله هذا إلها .
قال:" فإن قلتم إن هؤلاء الأنبياء ليس لهم صنع في هذه الأفعال، وإن الصنع فيها والقدرة لله عز و جل؛ إذ كان هو الذي أجراها على أيديهم، فقد صدقتم ، ونقول لكم أيضا كذلك المسيح، ليس له صنع فيما ظهر على يديه من هذه الأعاجيب، إذ كان الله هو الذي أظهرها على يديه، فما الفرق بين المسيح وسائر الأنبياء؟! وما الحجة في ذلك ؟!
قال:" وإن قلتم أن الأنبياء كانت إذا أرادت أن يظهر الله على أيديهم آية تضرعت إلى الله، ودعته وأقرت له بالربوبية، وشهدت على أنفسها بالعبودية، قيل لكم وكذلك سبيل المسيح سبيل سائر الأنبياء، قد كان يدعو ويتضرع ويعترف بربوبية الله، ويقر له بالعبودية!
فمن ذلك: أن الإنجيل يخبر بأن المسيح أراد أن يحيى رجلاً يقال له العازر، فقال:" يا أبي أدعوك كما كنت أدعوك من قبل فتجيبني وتستجيب لي، وأنا أدعوك من أجل هؤلاء القيام ليعلموا "، وقال بزعمكم وهو على الخشبة:" إلهي إلهي لم تركتني"، وقال:" يا أبي اغفر لليهود ما يعملون فإنهم لا يدرون ما يصنعون"، وقال في إنجيل متى:" يا أبي أحمدك"، وقال:" يا أبي إن كان بد أن يتعداني هذا الكأس ولكن ليس كما أريد أنا فلتكن مشيئتك "، وقال أيضا:" أنا أذهب إلى إلهي الذي هو أعظم مني"، وقال:" لا أستطيع أن أصنع شيئا ولا أتفكر فيه إلا باسم إلهي"، وقال يعني نفسه:" لا ينبغي للعبد أن يكون أعظم من سيده، ولا للرسول أن يكون أعظم ممن أرسله"، وقال:" إن الله لم يلد ولم يولد ولم يأكل ولم يشرب ولم ينم ولم يره أحد من خلقه ولايراه أحد إلا مات "،
والمسيح قد أكل وشرب وولد ورآه الناس، فما ماتوا من رؤيته، ولا مات أحد منهم، وقد لبث فيهم ثلاثا وثلاثين سنة! ([2])
وقال في إنجيل يوحنا:" إنكم متى رفعتم ابن البشر فحينئذ تعلمون أني أنا هو وشيء من قبل نفسي لا أفعل ولكن كل شيء كالذي علمني أبي"، وقال في موضع آخر:" من عند الله أرسلت معلما"، وقال لأصحابه:" اخرجوا بنا من هذه المدينة فإن النبي لا يجل في مدينته"، وأخبر الإنجيل أن امرأة رأت المسيح فقالت: إنك لذلك النبي الذي كنا ننتظر مجيئه. فقال لها المسيح:" صدقت طوبى لك" وقال لتلامذته:" كما بعثني أبي كذلك أبعث بكم".
قال: فاعترف بأنه نبي، وأنه مألوه، ومربوب، و مبعوث، وقال لتلامذته:" إن من قبلكم وآواكم فقد قبلني ومن قبلني فإنما يقبل من أرسلني ومن قبل نبيا باسم نبي فإنما يفوز بأجر من قبل النبي" ؛ فبين ها هنا في غير موضع أنه نبي مرسل، وأن سبيله مع الله سبيلهم معه، وقال متى التلميذ في إنجيله يستشهد على المسيح بنبوة أشعيا عن الله عز و جل:" هذا عبدي الذي اصطفيته وحبيبي الذي ارتاحت إليه نفسي أنا واضع روحي عليه ويدعو الأمم إلى الحق" فلن يحتاج إلى حجة أوضح من هذا القول الذي جعلتموه حجة لكم، فقد أوضح الله أمره وسماه عبدا، وأعلم أنه يضع عليه روحه، ويؤيده بها، كما أيد سائر الأنبياء بالروح، فأظهروا الآيات المذكورة عنهم، وهذا القول يوافق ما بشر به جبريل الملك مريم حين ظهر لها وقال القول الذي سقناه في صدر كتابنا.
وقال يوحنا التلميذ في الإنجيل عن المسيح عليه السلام:" إن كلامي الذي تسمعون هو كلام من أرسلني" ، وقال في موضع آخر:" إن أبي أجل وأعظم مني" ،وقال أيضا:" كما أمرني أبي كذلك أفعل أنا أنا الكرم وأبي هو الفلاح" ، وقال يوحنا: كما للأب حياة في جوهره فكذلك أعطى الابن أن تكون له حياة في قينومه"، قال فالمعطي خلاف المعطى لا محالة، والفاعل خلاف المفعول .
وقال المسيح في إنجيل يوحنا:" إني لو كنت أنا الشاهد لنفسي على صحة دعواي لكانت شهادتي باطلة لكن غيري يشهد لي فأنا أشهد لنفسي ويشهد لي أبي الذي أرسلني" وقال المسيح لبني إسرائيل:" تريدون قتلي وأنا رجل قلت لكم الحق الذي سمعت الله يقوله " ، قال وقال في الرجل الذي أقامه من الموتى:" يا أبي أشكرك على استجابتك دعائي وأعترف لك بذلك وأعلم أنك كل وقت تجيب دعوتي لكن أسألك من أجل هذه الجماعة ليؤمنوا بأنك أنت أرسلتني" فأي تضرع وإقرار بالرسالة والمسألة والطلب للإجابة من الله عز و جل أشد من هذا أو أكثر؟!
وقال في بعض مخاطبته لليهود وقد نسبوه إلى الجنون:" أنا لست بمجنون ولكن أكرم أبي ولا أحب مدح نفسي بل مدح أبي لأني أعرفه ولو قلت إني لا أعرفه لكنت كذابا مثلكم بل أعرفه وأتمسك بأمره " ، وقال داود في مزموره المائة وعشرة:" قال الرب اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئا لرجليك عصا العظمة تبعث الرب من صهيون ويبسط على أعدائك شعبك يا مسيح يوم الرعب في بهاء القدس من اليوم الذي ولدتك يا صبي عهد الرب ولا يكذب أنك أنت الكاهن المؤيد يشبه ملكيز داق"
فهذه مخاطبة ينسبونها إلى اللاهوت، وقد أبان داود في مخاطبته أن لربه الذي ذكره ربا هو أعظم منه وأعلى، أعطاه ما حكيناه ومنحه ذلك، وشهد عليه إن عصا العظمة تبعث ربه هذا من صهيون، وسماه صبيا محققا لقوله الأول اليوم ولدتك، ونسقا على أول كلامه، وهو ربه، ووصف أنه الكاهن المؤيد الذي يشبه ملكليز داق" ([3]).
وأما قوله" من البدىء ولدتك" فهو يشبه قول داود" تبنني على نفسه من البدء ذكرتك وهديت كل أعمالك" وبعضهم يقول لفظ النص:" إن الرب يبعث عصاه من صهيون"
وقال شمعون الصفا رئيس الحواريين في الفصل الثاني من قصصهم: " يا رجال بني إسرائيل اسمعوا مقالتي إن يسوع الناصري رجل ظهير لكم من عند الله بالقوة والأيدي والعجائب التي أجراها على يديه وأنكم أسلمتموه وقتلتموه فأقام الله يسوع هذا من
بين الأموات " فأي شهادة أبين وأوضح من هذا القول، وهو أوثق التلاميذ عندكم، يخبر كما ترون أن المسيح رجل، وأنه من عند الله، وأن الآيات التي ظهرت منه بأمر الله أجراها على يديه، وأن الذي بعثه من بين الموتى هو الله عز و جل.
وقال في هذا الموضع" اعلموا أن الله جعل يسوع الذي قتلتموه ربا ومسيحا ومسيحا" فهذا القول يزيل تأويل من لعله يتأول في الفصل الأول أنه أراد بقوله الناسوت؛ لأنه يقول" أن الله جعله ربا ومسيحا" والمجعول مخلوق مفعول، قال أبو نصر: وإنما سمى ناصري؛ لأن أمه كانت من قرية يقال لها ناصرة في الأردن، وبها سميت النصرانية .
قال:" وقد سمى الله جل ثناؤه يوسف ربا، قال داود في مزمور مئة وخمسة:" وللعبودية بيع يوسف وشدوا بالكبول رجليه وبالحديد دخلت نفسه حتى صدقت كلمته قول الرب جربه بعث الملك فخلاه وصيره مسلطا على شعبه وربا على بنيه ومسلطا على فتيانه " .
وقال لوقا في آخر إنجيله: إن المسيح عرض له وللوقا تلميذه جبريل في الطريق وهما محزونان فقال لهما وهما لا يعرفانه: ما بالكما محزونين؟ فقالا: كأنك أنت وحدك غريب ببيت المقدس إذ كنت لا تعلم ما حدث فيها في هذه الأيام من أمر يسوع الناصري، فإنه رجلا نبيا قويا في قوله وفعله عند الله وعند الأمة أخذوه وقتلوه. على قولهم فيه !
فهذا قوله وأقوال تلاميذه قد تركتموها وعقدتم على بدع ابتدعها لكم أولوكم، تؤدي إلى الضلالة والشرك بالله جل ثناؤه.
وقال داود في المزمور الثاني في زبوره مخاطبا لله ومثنيا على المسيح:" من الرجل الذي ذكرته والإنسان الذي أمرته وجعلته دون الملائكة قليلا وألبسته المجد والكرامات". وقال في المزمور الثاني:" قال لي الرب أنت ابني وأنا اليوم ولدتك سلني فأعطيك" فقوله ولدتك دليل على أنه حديث غير قديم، وكل حادث فهو مخلوق، ثم أكد ذلك بقوله "اليوم" فحد باليوم حدا لولادته أزال به الشك في أنه ما كان قبل اليوم، ودل بقوله "سلني فأعطيك" على أنه محتاج إلى المسألة غير مستغن عن العطية، فهذا ما حضرنا من الآيات في تصحيح خلق المسيح وعبوديته وبطلان ما يدعونه من ربوبيته، ومثله كثير في الإنجيل لا يحصى، فإذا كانت الشهادات منه على نفسه، ومن الأنبياء عليه، ومن تلاميذه بمثل ما قد بيناه في هذا الكتاب، وإنما اقتصرنا على الاحتجاج عليكم من كتبكم، فما الحجة فيما تدعونه له، ومن أي جهة أخذتم ذلك، واخترتم الكلام الشنيع الذي يخرج عن المعقول وتنكره النفوس، وتنفر منه القلوب؟! الذي لا يصح بحجة ولا قياس ولا تأويل على القول الجميل الذي تشهد به العقول، وتسكن إليه النفوس ويشاكل عظمة الله وجلاله .
وإذا تأملتم كل ما بيناه تأمل إنصاف من أنفسكم وإشفاق عليها، علمتم أنه قول لا يحتمل أن يتأول فيه للناسوت شيئاً دون اللاهوت .
فإن قلتم إنه يثبت للمسيح البنوة بقوله:" أبي وأبيكم" "ويا أبي" "وبعثني أبي" قلنا فإن كان الإنجيل أنزل على هذه الألفاظ لم تبدل ولم تغير، فإن اللغة قد أجازت أن يسمى الولي ابنا، وقد سماكم الله جميعا بنيه، وأنتم لستم في مثل حاله.
ومن ذلك أن الله عز و جل قال لإسرائيل في التوراة:" أنت ابني بكري" وقال لداود في الزبور:" أنت ابني وحبيبي" وقال المسيح في الإنجيل للحواريين:" أريد أن أذهب إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم" فسمى الحواريين أبناء الله، وأقر بأن له إلها هو الله.
ومن كان له إله فليس بإله كما تقولون، فإن زعمتم أن المسيح إنما استحق الإلهية بأن الله سماه ابنا؛ فنلتزم ذلك ونشهد بالإلهية لكل من سماه ابنا، وإلا فما الفرق؟!
فإن قلتم إن إسرائيل وداود ونظراءهم إنما سموا أبناء الله على جهة الرحمة من الله لهم، والمسيح ابن الله على الحقيقة - تعالى الله عن ذلك - قلنا يجوز لمعارض أن يعارضكم فيقول لكم: ما تنكرون أن يكون إسرائيل وداود ابني الله على الحقيقة، والمسيح ابن رحمة، وما الفرق ؟!
فإن قلتم: إن الفرق بين المسيح وسائر الأنبياء من قبل أن المسيح جاء إلى مقعد فقال" قم قم فقد غفرت لك فقام الرجل" ولم يدع الله في ذلك الوقت ، قلنا لكم: هذا إلياس أمر السماء أن تمطر فأمطرت ولم يدع الله في ذلك الوقت، وكذلك اليسع أمر نعمان الرومي أن ينغمس في الأردن من غير دعاء ولا تضرع، على أنا قد وجدناه في الإنجيل قد تضرع وسأل مسائل قد تقدم ذكرها، وقال في بعض الإنجيل:" يا أبي أشكرك على استجابتك دعائي، واعلم أنك في كل وقت تجيب دعوتي، لكن أسألك من أجل هذه الجماعة؛ ليؤمنوا بأنك أنت أرسلتني " فإن قلتم إن الغفران من الله عز و جل، وأن المسيح قال لبعض بني إسرائيل" قم فقد غفرت لك" والله هو الذي يغفر الذنوب،
قلنا :فقد قال الله في السفر الخامس من التوراة لموسى:" أخرج أنت وشعبك الذي أخرجت من مصر، وأنا أجعل معكم ملكا يغفر ذنوبكم " ؛فإن زعمتم أن المسيح إله لأنه غفر ذنوب المقعد، فالملك إذا إله؛ لأنه يغفر ذنوب بني إسرائيل، وإلا فما الفرق؟!
فإن قلتم: إن الفرق بين المسيح وسائر الأنبياء من قبل أن الله سماه ربا فقال:" ابن البشر رب السبت" قلنا: فهذه التوراة تخبر بأن لوطاً عليه السلام لما رأى الملكين قد أقبلا من البرية لهلاك قومه قال لهما:" يا ربي ميلا إلى منزل عبدكما" وقد تقدم لنا احتجاج في هذا الكتاب بذكر من سمى في الكتب ربا من يوسف وغيره؛ فإن كان المسيح إلها لأنه سمى ربا؛ فهؤلاء إذا آلهة؛ لأنهم سموا بمثل ذلك .
فإن قلتم: إن الأنبياء قد تنبأت بإلهية المسيح، فقال أشعيا:" العذراء تحبل وتلد ابنا ويدعى اسمه عمانويل وتفسيره معنا إلهنا" قلنا: إن هذا اسم يعاره السيد الشريف من الناس، وإن كان الله عز و جل المنفرد بمعنى الإلهية جل ثناؤه، فقد قال الله في التوراة لموسى عليه السلام:" قد جعلتك لهارون إلها وجعلته لك نبيا " ، وقال في موضع آخر :" قد جعلتك يا موسى إلها لفرعون" وقال داود في الزبور لمن كانت عنده حكمة :"كلكم آلهة ومن العلية تدعون " ، فإن قلتم: إن الله عز و جل جعل موسى إلها لهارون على معنى الرياسة عليه، قلنا: وكذلك قال أشعيا في المسيح" أنه إله لأمته" على هذا المعنى، وإلا فما الفرق؟!
فإن قلتم: إن المسيح قد قال في الإنجيل:" من رآني فقد رأى أبي وأنا وأبي واحد"
قلنا: إن قوله أنا وأبي واحد، إنما يريد به أن قبولكم لأمري هو قبولكم لأمر الله، كما يقول رسول الرجل أنا ومن أرسلني واحد، ويقول الوكيل أنا ومن وكلني واحد؛ لأنه يقوم فيما يؤديه مقامه، ويؤدي عنه ما أرسله به، ويتكلم بحجته ويطالب له بحقوقه، وكذلك قوله "من رآني فقد رأى أبي" يريد بذلك أن من رأى هذه الأفعال التي أظهرها فقد رأى أفعال أبي .
فإن قلتم: إن المسيح قد قال في الإنجيل:" أنا قبل إبراهيم " فكيف يكون قبل إبراهيم وإنما هو من ولده، ولكن لما قال قبل إبراهيم علمنا ما أراد أنه قبل إبراهيم من جهة الإلهية. قلنا : هذا سليمان بن داود يقول في حكمته:" أنا قبل الدنيا وكنت مع الله حيث بدأ الأرض" فما الفرق بينه وبين من قال: إن سليمان ابن الله، وأنه إنما قال أنا قبل الدنيا بالإلهية! وقد قال داود أيضا في الزبور:" ذكرتك يا رب من البدء وهديت بكل أعمالك " فإن قلتم إن كلام سليمان بن داود متأول؛ لأنهما من ولد إسرائيل، وليس يجوز أن يكونا قبل الدنيا. قلنا: وكذلك قول المسيح" أنا قبل إبراهيم" متأول؛ لأنه من ولد إبراهيم، ولا يجوز أن يكون قبل إبراهيم، فإن تأولتم تأولنا، وإن تعلقتم بظاهر الخبر في المسيح، تعلقنا بظاهر الخبر في سليمان وداود، وإلا فما الفرق؟!
وقد قدمنا هذا الاحتجاج على تأويلكم لتعلموا بطلان ما ذهبتم إليه على أنه تأويل غير واقع بحقه، وإنما حقه أن يكون هذا الاسم يعني عمانويل لما وقع على المسيح، كان معناه أنه أخبر عن نفسه بأن إلهنا معنا، يعني أن الله معه ومع شعبه معينا وناصرا،
ومما يصحح ذلك أنكم تتسمون به، ولو كان المعنى ما ذهبتم إليه لما جاز لأحد أن يتسمى به، كما لم يجز أن يتسمى بالمسيح؛ لأنه مخصوص بمعناه .
فإن قلتم: إن تلاميذ المسيح كانوا يعلمون الآيات باسم المسيح. قلنا لكم: فقد قال الله جل ثناؤه ليحيى بن زكريا:" قد أيدتك بروح القدس وبقوة إلياس وهي قوة تفعل الآيات" فأضاف القوة إلى إلياس، فإن زعمتم أن المسيح إله؛ لأنه فعلت الآيات باسمه فما الفرق بينكم وبين من قال إن إلياس إله؛ فإنه فعلت بقوته الآيات؟!
فإن قلتم إن الخشبة التي صلب عليها المسيح على زعمكم ألصقت بميت فعاش؛ فإن هذا دليل على أنه إله. قلنا لكم: فما الفرق بينكم وبين من قال إن اليسع إله، واحتج في ذلك بأن كتاب سفر الملوك يخبر" بأن رجلا مات فحمله أهله إلى المقبرة، فلما كانوا بين القبور رأوا عدوا لهم يريد أنفسهم؛ فطرحوا الميت عن رقابهم، وبادروا إلى المدينة، وكان الموضع الذي ألقوا عليه الميت قبر اليسع؛ فلما أصاب ذلك الميت تراب قبر اليسع عاش، وأقبل يمشي إلى المدينة" فإن زعمتم أن المسيح إله؛ لأن الخشبة التي ذكروا أنه صلب عليها ألصقت بميت فعاش؛ فاليسع إله؛ لأن تراب قبره لصق بميت فعاش.
فإن قلتم: أن المسيح كان من غير فحل. قلنا لكم: قد كان ذلك، وليس أعجوبة الولادة توجب الإلهية ولا الربوبية؛ لأن القدرة في ذلك للخالق تبارك وتعالى لا للمخلوق، وعلى أنه يوجدكم؛ لأن حواء خلقت من فحل بلا أنثى، وخلق أنثى من ذكر بلا أنثى أعجب من ذكر من أنثى بغير ذكر، وأعجب من ذلك أن آدم خلقه الله من تراب، وخلق بشر من تراب أعجب وأبدع من خلق ذكر من أنثى بلا فحل! فما الفرق؟!
وهذه الأسباب التي ذكرناها كلها هي الأسباب التي تتعلقون بها في نحلتكم المسيح الربوبية، وإضافتكم إليه الإلهية، وقد وصفناها على حقائقها عندكم، وقبلنا فيها قولكم، وإن كنا لا نشك في أن أهل الكتاب قد حرفوا بعض ما فيها من الكلام عن مواضعه، وأوجدناكم بطول ما تنتحلونه وفساد ما تتأولونه من الكتب التي في أيديكم التوراة والزبور والأنبياء والإنجيل، فما الذي يثبت الحجة بعد ذلك لكم؟!
وقد قال السيد المسيح في الإنجيل لتلاميذه لما سألوه عن الساعة والقيامة:" إن ذلك اليوم وتلك الساعة لا يعرفه أحد، ولا الملائكة الذين في السماء، ولا الابن أيضا، ولكن الأب وحده يعرفه" ؛ فهذا إقرار منه بأنه منقوص العلم، وأن الله تبارك وتعالى أعز وأعلم منه، وأنه خلافه وأعلا منه، وقد بين بقوله " أحد " عمومه بذلك الخلق جميعا، ثم قال" ولا الملائكة" وعندهم من علم الله ما ليس عند أهل الأرض، ثم قال "ولا الابن" وله من القوة ما ليس لغيره، وشهد قوله هذا شهادة واضحة عليه بأنه لا يعلم كل ما يعلمه الله، بل ما علمه الله إياه وأطلعه على معرفته وجعله له، وأنه لقصور معرفته بكل الأشياء ليس بحيث يصفونه من الربوبية وأنه هو الله ومن جوهر أبيه - تعالى الله الخالق لكل شيء علواً كبيرا - ولو كان إلهاً كما يقولون لعلم ما يعلمه الله من سائر الأشياء، وسرائر الأمور وعلانيتها، إذا كان هذا المعنى ليس من الكلام الذي إذا سئلتم عنه تعلقتم بأنه قيل للناسوت دون اللاهوت ([4]).
ومثل هذا أنه لما خاطبه الرجل على ما كتب في الإنجيل فقال له:" أيها الخير. فقال ليس الخير إلا الله وحده" [ وبعضهم يترجمه أيها الصالح فقال ليس الصالح إلا الله وحده ، انظر الجواب الصحيح 4/88-189]، ومثله قوله في الإنجيل:" إني لم آت لأعمل بمشيئتي لكن بمشيئته من أرسلني" ولو كانت له مشيئة لاهوتية كما يقولون لما قال هذا القول، فقد أبطل به ما تدعونه في ذلك .
ثم أنتم مع ذلك تدعون أن المسيح كلمة الله، ومن قوة الله، غير بائنة منه ولا منفصلة عنه، وتشهدون عليه في الإنجيل بقوله إنه يصعد إلى السماء، ويجلس عن يمين أبيه ويدين الناس يوم القيامة ويجازيهم بأعمالهم ويتولى الحكم بينهم، وأن الله عز و جل منحه ذلك إذ كان لا يراه أحد من خلقه في الدنيا ولا في الآخرة. فإن كان هذا الجالس للحكومة بين العالمين يوم الدين، والقاعد عن يمين أبيه، وهو شخص قائم بذاته لا يشك فيه هو الجسد الذي كان في الأرض المتوحد به الربوبية، فقد فصلتم بين الله تبارك وتعالى وبينه ، وبعضتموه باجتماعهما في السماء شخصين متباينين، أحدهما عن يمين صاحبه، وهذا كفر وشرك بالله عز و جل، وإن كان جسدا خاليا من الإلهية، وهي الكلمة وقد عادت إلى الله كما بدت منه، فقد زال عنه حكم الربوبية التي تنتحلونه إياها .
ونسألكم عن واحدة نحب أن تخبرونا بها هي أصل ما وضعتموه من عبادة الثلاثة الأقانيم، التي ترجع بزعمكم إلى جوهر واحد وهو اللاهوت، ما هو، ومن أين أخذتموه، ومن أمركم به، وفي أي كتاب نزل، وأي نبي تنبأ به، أو أي قول للمسيح تدعونه فيه، وهل بنيتم أمركم في ذلك إلا عل قول متى التلميذ على المسيح عليه السلام، أنه قال لتلاميذه حيث أراد أن يفارقهم:" اذهبوا فعمدوا الناس باسم الأب والابن وروح القدس "؟
وهذا كلام يحتمل معناه إن كان صحيحا، أن يكون ذهب فيه بأن يجمع هذه الألفاظ إلى أن تجتمع لهم بركات الله، وبركة نبيه المسيح، وروح القدس التي يؤيد بها الأنبياء والرسل، وقد نراكم إذا أردتم الدعاء بعضكم لبعض قلتم: صلاة فلان القديس تكون معك. ومعنى الصلاة الدعاء، واسم فلان النبي يعينك على أمورك.
وكما قال الله تبارك وتعالى: " يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " يقرن طاعته نبيه وأولي الأمر من المسلمين، أفنقول لذلك إنهم جميعاً آلهة؟!
وقد يجوز أن يكون له معنى يدق عن الوقوف عليه بغير التأويل إن لم يكن معناه ما قلناه، أو يكون المسيح عليه السلام ذهب فيه إلى ما هو أعلم به، فلم حكمتم بأنه ذهب إلى أن هذه الأسماء لما أضافها إلى الله عز و جل صارت آلهة، وجعلتم لها أقانيم لكل اسم أقنوم يخصه بعينه وهو شخص واحد، وكيف استجزتم ما أشركتموه مع الله عز و جل بالتأويل الذي لا يصح ؟
وإذا قلتم بثلاثة أقانيم، كل أقنوم بذاته، فلا بد من أن تعترفوا ضرورة بأن كل أقنوم منها حي سميع بصير عالم حكيم منفرد بذاته، كما يقولون في المسيح أنه جالس عن يمين أبيه، فنراكم أخذتم الأقنومين اللذين أحدثتموها مع الله من جهة أن الله حكيم حي، فحكمته الكلمة وهي المسيح، وروحه روح القدس، وهذه صفة من صفات الله مثلها كثير؛ لأنه يقال حكيم عليم سميع بصير حي قدير.
وكذلك ربنا تبارك وتعالى، وإن كانت صفاتنا إياه لا تلحق صفاته، ولا تبلغ كنه مجده إلا بالتمثيل لعظمته وعزته وجلاله وعلوه، فنحلتم صفاته التي هي معناه وليست سواه غيره وجعلتموه أقانيم، لكل واحد من الحياة والحكمة وسائر الصفات مثل الذي له، وما منها أقنوم له صفة إلا ويحتمل على قياس قولكم أن تكون صفته مثله، فإذا كانت هذه الأقانيم آلهة، وكل صفة إله، وهي من جوهره فيجب أن تكون كل صفة لكل واحد من الثلاثة الأقانيم إلهاً مثله؛ إذ كان من جوهره، فيتسع الأمر في ذلك حتى لا يكون له غاية ولا نهاية.
وإذا قلتم بثلاثة أقانيم هي في السماء من جوهر قديم، أفليس يلزمكم الإقرار بثلاثة آلهة؛ لأن الأقانيم أشخاص يومأ إليها ويقع الحد عليها، وإلا فما الحجة وأنتم تذكرون في بعض احتجاجكم أنها ثلاثة ترجع إلى واحد غير متبعضة ولا منفصلة، وتشبهونها في اجتماعها وظهور ما يظهر منها بالشمس، وقد نراكم عقدتم شريعة إيمانكم على أن المسيح إله وإنسان متحدين، وأنه يصعد إلى السماء ويجلس عن يمين أبيه والجالس عن يمين صاحبه أليس هو منفصلاً عنه مفروزاً عنه؟! فكيف يصح على هذا القول قياس أو يصح به عقد دين تقولون:2 مرة مجتمع، ومرة منفصل، وما شبهتموه به من الشمس فقد تقدم شرحنا لبطلان الحجة فيه، وأنه لا يكون قياسه القياس الذي تعلقتم به.
على أنا وجدناكم تقولون في معنى التثليث: إن الذي دعاكم إليه ما ذكرتم أن متى التلميذ حكاه في الإنجيل عن المسيح عليه السلام إذ قال لتلاميذه:" سيروا في البلاد وعمدوا الناس باسم الأب والابن والروح القدس" وأنكم فكرتم في هذا القول بعقولكم؛ فعلمتم أن المراد بذلك أنه لما أن ثبت حدوث العالم علمتم أن له محدثا فتوهمتموه شيئاً موجودا، ثم توهمتموه حياً ثم ناطقا؛ لأن الشيء ينقسم لحي ولا حي، والحي ينقسم لناطق ولا ناطق، وأنكم علمتم بذلك أنه شيء حي ناطق؛ فأثبتم له حياة ونطقا غيره في الشخص، وهما هو في الجوهرية .
فنقول لكم في ذلك: إذا كان الحي له حياة ونطق فأخبرونا عنه، أتقولون أنه قادر عزيز أم عاجز ذليل ؟
فإن قلتم: لا بل هو قادر عزيز. قلنا: فأثبتوا له قدرة وعزة، كما أثبتم له حياة وحكمة.
فإن قلتم: لا يلزمنا ذلك؛ لأنه قادر بنفسه عزيز بنفسه. قلنا لكم: وكذلك فقولوا إنه حي بنفسه وناطق بنفسه، ولا بد لكم مع ذلك من إبطال التثليث، أو إثبات التخميس، وإلا فما الفرق؟! وهيهات من فرق.
إنا كلما تأملنا معكم في نسبة المسيح عليه السلام إلى الإلهية وعبادتكم له مع الله على الجهة التي تذهبون إليها، وطلبنا لكم الحجة في ذلك من كتبكم ازددنا بصيرة في استحالة ذلك، ووضعكم له من القول ما لايثبت لكم به حجة، ولا يشهد به لكم شيء من كتبكم، ووجدنا أبين ما جاء في المسيح وصحة أمره فيما أتى به ما قال متى التلميذ إنه لما جاء يسوع إلى أرض قيسارية سأل تلاميذه فقال:" ماذا يقول الناس في أني ابن البشر؟ " فقالوا: منهم من يقول إنك يوحنا المعمداني، وآخرون يقولون إنك أرميا أو أحد الأنبياء ،فقال لهم يسوع:" فأنتم ماذا تقولون؟" فأجابه سمعان الصفا وهو رئيسهم فقال:" أنت المسيح ابن الله الحق" فأجابه المسيح وقال:" طوبى لك يا سمعان ابن يونان إنه لم يطلعك على هذا لحم ولا دم ولكن أبي الذي السماء" ، وحكى لوقا في إنجيله هذا الخبر فقال: إن سمعان أجابه فقال:" أنت مسيح الله " ولم يقل ابن الله؛ فهذا كلام تلميذه الرئيس فيه وأرضاه ما قال .
وقوله إنه لم ينطق بذلك إلا ما أوحاه الله في قلبه، ولم ندفعكم قط عن أنه مسيح الله، ولا عن أنه كما تقولون في لغتكم أنه ابن الله بالرحمة والصفوة، مع هذا الاختلاف الواقع في ذلك في الإنجيلين، وقد قال مثل ذلك فيكم جميعا" إن الله إلهي وإلهكم وأبي وأبيكم" فنعمل على احتجاجكم بأنه ليس مثلكم في معنى النبوة، ونجعله مثل من سمى في الكتب ابنا على جهة الاصطفاء والمحبة، مثل إسرائيل وغيره، بل قد خص إسرائيل بأن قال عز و جل:" أنت ابني بكرى" وهذا كلام له مذهب في اللغة القديمة التي جاءت بها الكتب وليست بموجبة الإلهية، إذ كان قد شاركه في هذا الاسم غيره، فلم لا جعلتموه كما جعل نفسه .
ومما يؤكد المعنى في ذلك ويزيل تأويل من يتأوله له، ما لم يدعه ولم يرض به قوله في علم الساعة" أن ذلك شيء لا يعلمه أحد من الخلق ولا الملائكة المقربون ولا الابن" يعني نفسه "إلا الأب وحده"، ثم قال للرجل الذي أتاه فقال له" أيها العالم الصالح أي الأعمال خير لي الذي تكون لي حياة إلى يوم الدين؟ فقال له:" لم تقول لي صالحا؟ ليس الصالح إلا الله وحده" فاعترف لله بأنه واحد لا شريك له، ونفى عن نفسه فلم يجعلها ولا أحد من الخلق أهلاً لذلك.
وقوله للمرأة التي جاءته فقالت:" أنت ذلك النبي الذي كنا ننتظر مجيئه ؟" فقال لها المسيح:" صدقت طوبى لك "، ثم قال للشيطان حين اختبره فسامه أن يلقي نفسه من رأس الهيكل فقال:" أمرنا أن لا نجرب الرب"، ثم سامه أن يسجد له فقال:" أمرنا أن لا نسجد إلا لله وحده، ولا نعبد سواه" ،ثم صلاته في غير وقت لله، وآخرها الليلة التي أخذته اليهود فيها، فإذا كان إلهاً كما زعمتم، فلمن كان يصلي ويسجد؟!
ثم قول الجموع الذين كانوا معه حين دخل أورشليم وهي مدينة بيت المقدس على الأتان لمن كان يسأله عن أمره؛ لما راجت المدينة به" هذا هو يسوع الناصري النبي الذي من الناصرة" ثم قوله في بعض الإنجيل:" أخرجوا بنا من هذه المدينة فإن النبي لا يبجل في مدينته"، وفي موضع آخر أنه قال:" لا يهان نبي إلا في مدينته وفي بيته وأقاربه"
وقوله في بعض خطبه :" إن هذا الجيل السوء يريد آية وأنه لا يعطى إلا آية يونس كما كان يونس لأهل نينوى كذلك يكون ابن البشر لهذا الجيل رجال نينوى يقومون في الدين مع هذا الجيل فيخصمونهم لأنهم تابوا على قول يونس النبي وإن هاهنا أفضل من يونس " ثم قول داود في نبوته عليه :" من هذا الرجل الذي ذكرته وجعلته دون الملائكة قليلا ".
ثم قول تلاميذه فيه ما شرحناه في صدر كتابنا هذا ما تقدم، ووصفهم أنه رجل أتى من عند الله بالأيدي والقوة ، ومما يشبه ذلك أنه لما قدم تلامذته فركبوا السفينة وقال لهم:" امضوا فإني ألحق بكم فأتاهم يمشي على البحر فلما رأوه في تلك الحال، قالوا: ما هذا الحال؟ ويح ومن الغرق صاحوا فقال لهم يسوع:" اطمئنوا ولا تخافوا أنا هو" فأجابه شمعون الصفا، وقال له: يا رب إن كنت أنت هو؛ فاذن لي آتيك على الماء. فقال له:" تعال " فنزل سمعان إلى الماء ليمشي عليه فلم يستطع، وجعل يغرق فصاح وقال: يا رب أغثني، فبسط يده يسوع فأخذه، وقال له:" لم تشككت يا قليل الأمانة" قال فبان بذلك عجز المسيح عن إتمام ما سأله شمعون الصفا، ومثله أمر الرجل الذي قال ليسوع خبر ابنته وما ينالها من الشيطان، وأنه قد قدمها إلى تلاميذه فلم يستطيعوا أن يخرجوه، وقد كان جعل لهم ذلك وغيره؛ فأخرجه هو منها.
وقال في الإنجيل وهو يذكر الأمثال التي ضربها لرؤساء الكهنة، أنهم لما سمعوها منه علموا أنها في شأنهم؛ فهموا أن يأخذوه، ثم فرقوا من الجموع؛ لأنهم كانوا ينزلونه مثل النبي .وقال في الإنجيل لما جاءته أم ابني زندا ، وكانت من تلامذته مع ابنيها، فقال لها:" ما تريدين؟" قالت: أريد أن تجلس ابناي أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك في ملكوتك. فقال:" ليس إلى ذلك سبيل؛ لأنه ليس لي أن أعطيه، ولكن من وعد له من أبي "
فما يكون يا هؤلاء أفصح وأبين وأوضح من اجتماع هذه الشواهد لكم في كتبكم، ما رضيتم بقوله في نفسه، ولا بقول تلامذته فيه، ولا بقول من تنبأ عليه من الأنبياء، ولا قول جموعه الذين تولوه لمن سألهم من مخالفيهم عنه، وتركتم ذلك كله وأخذتم بآراء قوم تأولوا لكم، على علمكم بأنهم قد اختلفوا أيضا في الرأي، فقال كل قوم في المسيح ما اختاروا، واتبع كلا منهم طائفة قالوا بقولهم، ثم سلك من بعدهم سبيل الآباء في الاقتداء بهم .
فبينوا لنا حجتكم في ذلك وهيهات من حجة، ونحن نستوهب الله العصمة والتوفيق منه .
ومما يشبه ما تقدم قوله لتلاميذه في إنجيل لوقا:" فأما أنتم الذين صبرتم معي في بلائي وتجاربي فإني أعدكم كما وعدني أبي الملكوت لتأكلوا وتشربوا معي على مائدتي في ملكوتي" فبين أن الله عز و جل ثناؤه وعده أن يجعله في ملكوت السماء يأكل ويشرب مع تلاميذه على مائدته، وهذا ما لا شك لكم فيه وهو مخالف لقولكم فيما يصير إليه وفي الأكل والشرب والنعيم هناك، ثم قوله لشمعون حين أتته الجموع فأخذوه:" أم تظن أني لست قادراً أن أطلب إلى أبي فيقيم لي اثني عشر جندا من ملائكته أو أكثر ولكن كيف تتم الكتب أنه هكذا ينبغي أن يكون" ولم يقل إني قادر أن أدفعهم عن نفسي، ولا أني آمر الملائكة أن يمنعوا عني، كما يقول من له القدرة والأمر.
قال: ونجدكم تقولون في المسيح عليه السلام إنه مولود من أبيه أزلي، ويجب على المدعي القول أن يثبت الحجة فيه، ويعلم أنه مطالب بإيضاحها لا سيما في مثل هذا الخطب الجليل، الذي لا يقع التلاعب به، ولا تجترىء النفوس على ركوب الشبهات فيه، والويل الطويل لمن تأول في ذلك تأويلا لا حقيقة له؛ فإنه يهلك نفسه ومن كان من الناس معه ممن يتبع قوله، إن كان هذا الابن أزليا على ما في شريعة إيمانكم فليس هذا بمولود، وإن كان مولودا فليس بأزلي؛ لأن اسم الأزلية إنما يقع على من لا أول له ولا آخر، ومعنى المولود أنه حادث مفعول، وكل مفعول فله أول، فكيف ما أردتم القول فيه كان بطلان الشريعة .
ونسألكم أيضا عن واحدة: لم سميتم الأب أبا والابن ابنا؟
فإنه إن كان وجب للأب اسم الأبوة لقدمه فالابن أيضا يستحق هذا الاسم بعينه؛ إذ كان قديما مثله، وإن كان الأب عالما عزيزا فهو أيضا عالم عزيز تشهد شريعة الإيمان له بذلك في قولها" إنه خلق الخلائق كلها وأتقنت على يده وأنه نزل لخلاصكم" ومن قدر على ذلك لم يكن إلا عالما عزيزا؛ فهذه المعاني التي ذكرناها تبطل اسم الأبوة والبنوة، وفي إبطالها بطلان الشريعة التي تقول ولد من أبيه، وإلا فإن كان الأب والابن متكافئين في القدم والقدرة فبأي فضل وسلطان للأب عليه أمره ونهاه، فصار الأب باعثا والابن مبعوثا، والأب متبوعا مطاعا والابن تابعا مطيعا .
ومما يشهد بصحة قولنا وبطلان ما تأوله أولوكم في عبودية المسيح، أن متى التلميذ حين بنى كتابه الإنجيل أول ما ابتدأ به أن قال:" كتاب مولد يسوع المسيح ابن داود بن إبراهيم" فنسبه إلى من كان منه على الصحة، ولم يقل إنه ابن الله، ولا إنه إله من إله كما يقولون، فإن قلتم إن تسمية يسوع للناسوت الذي قد جعلتموه حجة بينكم وبين
كل من التمس الحجة منكم عند الانقطاع فيما يعترف به للمسيح من العبودية، فقد نسق متى على اسم يسوع الذي هو عندكم اسم للناسوت المسيح الذي هو جامع الناسوت واللاهوت، فأي حجة في إبطال هذا التأويل أوضح من هذا .
ومما يصحح قولنا ويؤكده قول جبريل الملك لمريم عند مخاطبته إياها إنه ابن داود على ما ثبت من ذلك في الإنجيل .
ووجدناكم قد ذكرتم في شريعة الإيمان" أن يسوع المسيح بكر الخلائق" فإن كنتم ذهبتم في ذلك إلى أنه على نحو ما يسمى أول ولد الرجل وكبيرهم فجائز، وهو محقق لقولنا في عبوديته، وإن كنتم أردتم بذكر البكر أنه أول قديم، فلسنا نعرف للبكر معنى في لغة من اللغات إلا للأكبر من الإخوة، والأول من الولد، وبكر الخلائق لا يكون إلا من الخلائق ،كما أن بكر الرجل والمرأة لا يكون إلا من جنسهما، وباكورة الثمار لا تكون إلا ثمرة؛ ولأن من المحال أن يقول قائل بكر ولد آدم ملك من الملائكة، وكذلك من المحال أن يكون بكر المصنوعات ليس بمصنوع، وبكر المخلوقات ليس بمخلوق،
وقد قال الله تعالى في التوراة:" يا ابني بكري أي إسرائيل " ، وقال في موضع آخر" إنه نظر بنو الله إلى بنات الناس فشغفوا بهن" فهل يوجب لآل إسرائيل إلهية بهذا القول؟
وقلتم: إن المسيح ولد من أبيه قبل العوالم، وليس بمصنوع. فليس يخلو الأب من أن يكون أولد شيئا موجودا أو غير موجود؛ فإن كان لم يزل موجودا، فإن الأب لم يلد شيئا، وإن كان غير موجود وإنما هو حادث لم يكن؛ فهو مخلوق كما قلنا .
ومما يبين قولنا في خلق المسيح: أن هذا الاسم إنما وقع له لأنه مسح للنبوة والخير وماسحه الله تبارك وتعالى، وقد قال داود في زبوره قولا يشهد على ذلك بعينه:" من أجل هذا البر مسحك الله إلهك أكثر مما مسح به نظراءك" فأبان داود بهذه الآية معنى المسح بإنجيله، وأن ماسحه الله إلهه، وأنه مصطفى مكرم بزيادة على نظرائه، وقال داود أيضا في مزمور إحدى وثلاثين يخاطب الله:" من أجل داود عبدك لا يغلب وجه مسيحك" عهد الرب لداود بالحق ولا يرجع عنه، يعني بمسيحه نفسه؛ لأن الله مسحه للنبوة والملك، وقد قال مثل هذا في غير موضع من زبوره فسمى نفسه مسيح الله.
وإذا نظر في الإنجيل وكتب بولس وغيره ممن يحتج به النصارى، وجد نحوا من عشرين ألف آية مما فيه اسم المسيح، وكلها تنطق بعبودية المسيح، وأنه مبعوث مربوب، وأن الله اختصه بالكرامات، ما خلا آيات يسيرة مشكلات، قد تأولها كل فريق من أولئك الذين وضعوا الشريعة باختيارهم على هواهم، فأخذوا بذلك التأويل الفاسد وتركوا المعظم الذي ينطق بعبوديته، فلو كانوا قصدوا الحق لردوا تلك المشكلات الشاذة اليسيرة التي يوجد لها من التأويل خلاف ما يتأولونه على الواضحات الكثيرة التي قد بانت بغير تأويل؛ لأنه إنما يجب أن يقاس الجزء على الكل، ويستدل على ما غاب بما حضر، وعلى ما أشكل بما ظهر؛ فمن تلك الآيات المشكلات ما ذكرناه في
كتابنا هذا وبينا معناه والحجة فيه، وأنه ليس كما تأولوه .
ومنها ما يحكون عن المسيح أنه قال:" أنا بأبي " وقد فسر المسيح عليه السلام ذلك وكشفه؛ قال يوحنا في إنجيله: إن المسيح تضرع إلى الله في تلاميذه وقال:" يا أيها الرب القدوس احفظهم باسمك الذي أعطيتني ليكونوا هم أيضا شيئا واحدا كما أنا شيء واحد وكما أنك أرسلتني إلى العالم وكذلك أرسلهم أنا أيضا" ثم قال بعد هذا أيضا:" إني قد منحتهم من المجد الذي أعطيتني ومنحتني ليكونوا أيضا شيئا واحدا كما أنا شيء واحد فأنا بهم وأنت بي " و معنى ذلك: أنه قال أنت معي، وأنت لي كما أنا مع تلاميذي ولهم قلت، أو أراد أنك بي هديت الخلق وعلمتهم، وأنا أهديهم وأعلمهم. والباء للسببية؛ فإن الله برسله هدى عباده وعلمهم، والرسل علموا الغائبين عنهم بالحاضرين الذين بلغوا عنهم، وقوله ليكونوا شيئا واحدا أراد به اتفاق صدقهم وأمرهم ومرادهم، وهذا مفسر، وقد قال ليكونوا هم شيئا واحدا كما أنا شيء واحد، فقد طلب لهم مثل ما حصل له ولربه، وهذا يبين أن قوله" كما أنا شيء واحد" أي أنا موافقك في أمرك ونهيك ومحبتك ورضاك، لم يرد بذلك اتحاد ذاته به، كما لم يرد أن تتحد ذوات بعضهم ببعض؛ فإنه طلب لهم مثل ما حصل له من الموافقة لأمر الله ونهيه ومحبته ورضاه .
أو يكون ذهب فيه إلى معنى دقيق لا يعرفه، إلا أنه قد بطل على كل حال بهذا القول تأويلكم ممازجته عز و جل في اللاهوت بقوله في تلاميذه" أنه بهم كما أن أباه به" لأنه إن تأول متأول في هذا المعنى أنه ذهب في وصفه أنه أبيه وأن أباه به إلى مشاركته في
مما عقدتم به شريعة إيمانكم، ووجدنا قوما منكم إذا نوظروا في ذلك قالوا قد وجدنا أكثر الأديان يختلف أهلها فيها، ويتفرقون على مقالات شتى هم عليها وكل منهم يدعي أن الصواب في يده، وهذا أيضا من سوء الاختيار وذهاب القلوب عن رشدها وانصرافها عن سبيل حقها، فلم يختلف أهل دين من الأديان في عقد معبودهم ولا شكوا فيه، ولا تفرقوا القول فيما اختاروه إلا أهل ملل النصرانية فقط .
وسائر من سواهم إنما اختلفوا في فروع من فروع الدين وشرائعه، مثل اختلاف اليهود في أعيادهم وسنن لهم، ومثل اختلاف المسلمين في القدر، فمنهم من قال به، ومنهم من دفعه ، وفي تفضيل قوم من أصحاب محمد على نظرائهم بعد اتفاق جماعتهم على إلههم ومعبودهم وخالقهم، وأن الله إله الخلق كلهم واحد لا شريك له ولا ولد .
ثم اتفاقهم بعد ذلك على نبيهم محمد لا يشكون فيه، وعلى القرآن وأنه كتاب الله المنزل على محمد المرسل لا يختلفون فيه.
والبلاء العظيم الاختلاف في المعبود فلو أن قوما لم يعرفوا لهم إلها ولا دينا، ثم عرض عليهم دين النصرانية لوجب أن يتوقفوا عنه؛ إذ كان أهله لم يتفقوا على شيء فيه؛
ودل اختلافهم في مقالاتهم ومباينتها ما في كتبهم على باطله، فأما قولنا في باب التوحيد واعترافنا بوحدانية الله تعالى ونفينا عنه الشركاء والأنداد والأمثال والأولاد ، فهو قول لا يشكون في صحته، ولا يشك فيه أحد من أهل الكتب وسائر الملل، ولا غيرهم من أهل القول بالدهر وسائر عبدة الأصنام والأوثان، وكل منهم يقر به ويرجع إليه ، إلا أن منهم من يتابعنا على تحديد التوحيد، ومنهم من يدخل العلل فيه، بأن يقول ثلاثة ترجع إلى واحد، وصنما نعبده إجلالا لله؛ ليقربنا إلى ربنا وربه ومدبر للأمور قديم لا بد أن نعترف به خالقها وباريها ، وكل منهم مقر بقولنا وذاهب إلى مذهبنا على الاعتراف بالله على الجهة التي يذهب إليها وأنه واحد لا شريك له؛
فقد صح عقدنا بلا شك منكم ولا من أحد من الأمم فيه، ولا في شيء منه، بل تقودكم الضرورة إلى الإقرار به والاجتماع معنا عليه .
والحمد لله رب العالمين على توفيقه وإياه نسأل أن يتم علينا فضله ويديم لنا تسديده بقدرته، وأن يحيينا ويميتنا على الإسلام غير مشركين ولا جاحدين ولا مبدلين، إنه على كل شيء قدير، وكل مستصعب عليه يسير، وهو بمن خافه واتقاه وطلب ما عنده ولم يلحد في دينه رؤوف رحيم .
- انظر الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ، تأليف : شيخ الإسلام أحمد بن تيمية( 4/ 88-189 )
[1]- قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ومما يوضح تناقضهم، أنهم يقولون إن المسيح وهو اللاهوت والناسوت شخص واحد، وأقنوم واحد، مع قولهم أنهما جوهران بطبيعتين ومشيئتين، فيثبتون للجوهرين أقنوما واحدا ويقولون هو شخص واحد! ثم يقولون إن رب العالمين إله واحد وأقنوم واحد وجوهر واحد وهو ثلاثة أقانيم، فيثبتون للجوهر الواحد ثلاثة أقانيم، وللجوهرين المتحدين أقنوما واحدا، مع أن مشيئة الأقانيم الثلاثة عندهم واحدة، والناسوت واللاهوت يثبتون لهما مشيئتين وطبيعتين، ومع هذا هما عندهم شخص واحد أقنوم واحد، وهذا يقتضي غاية التناقض! سواء فسروا الأقنوم بالصفة أو الشخص أو الذات مع الصفة، أو أي شيء قالوه ، وهو يبين أن الذين تكلموا بهذا الكلام ما تصوروا ما قالوه ، بل كانوا ضلالا جهالا بخلاف ما يقوله الأنبياء فإنه حق؛ فلهذا لا يوجد عن المسيح ولا غيره من الأنبياء ما يوافق قولهم في التثليث والأقانيم والاتحاد، ونحو ذلك مما ابتدعوه بغير سمع وعقل، بل ألقوا أقوالا مخالفة للشرع والعقل . انظر الجواب الصحيح : 4/88-189.
[2]- قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وعامة ما ذكره هذا عن الكتب تعترف به النصارى، ولكن بعضهم ينازعه في يسير من الألفاظ؛ فنازعه هنا في قوله:لا ينبغي للعبد أن يكون أعظم من سيده، وقال: هذا إنما قاله المسيح للحواريين، وذكر أنه لا يعرف عنه لفظ لم يولد ولم يأكل ولم يشرب. انظرالجواب الصحيح: 4/88-189.
[3]- قال شيخ الإسلام ابن تيمية : قالوا وهذا الكاهن هو الذي ذكر في التوراة أن الخليل أعطاه القربان وإذا كان المسيح مشبها به مع تسميته كاهنا كان ذلك من أعظم الأدلة على أنه مخلوق ، انظرالجواب الصحيح: 4/88-189.
[4]- قال شيخ الإسلام ابن تيمية : مقصوده بذلك: أنه صرح بأنه لا يعلمه أحد، ثم خص الملائكة بالذكر لئلا يظن أن أحدا منهم يعلمه، فقال :"ولا الملائكة الذين في السماء"، ثم قال:" ولا الابن يعرفه وأن الأب وحده يعرفه" فنفى معرفة الابن وأثبت أن الأب وحده يعرفه ، ومراده بالابن المسيح، فعرف أن المسيح لا يعرفه، وأثبت أن الرب يعرفه دون الابن، ودل ذلك على أن لفظ الابن عند المسيح إنما يراد بها الناسوت وحده، إذ كان لا يجوز نفي العلم عن اللاهوت، فإن اللاهوت يعلم كل شيء، وقد دل ذلك على أن قوله :" عمدوا الناس باسم الأب والابن" المراد به الناسوت وحده كما أريد بلفظ الابن في سائر كلامه وكلام غيره، لم يرد قط أحد منهم بلفظ الابن اللاهوت، بل إطلاق الابن على اللاهوت مما ابتدعته النصارى، وحملوا عليها كلام المسيح، فابتدعوا لصفات الله أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، وحملوا عليها كلام المسيح، وإنما يحمل كلام الأنبياء عليهم السلام وغيرهم على معنى لغتهم التي جرت عادتهم بالتكليم بها لا على لغة يحدثها من بعدهم ويحمل كلامهم عليها؛ فإذا كان مراد المسيح عليه السلام بالابن هو الناسوت وهو لم يسم اللاهوت ابنا وقد ذكر أن الابن لا يعلم الساعة؛ فتبين بذلك أن المسيح هو الناسوت وحده، وأنه لا يعلم الساعة وهذا هو الحق، وإن قالوا مراده بالابن اللاهوت، أو اللاهوت والناسوت؛ لزم من ذلك أن اللاهوت، أو اللاهوت والناسوت لا يعلم الساعة، وهذا باطل وكذب وهو أيضا مناقض لقولهم؛ فدل هذا النص من المسيح مع سائر نصوصه ونصوص الأنبياء على أن مسمى الابن هو الناسوت وحده، وأنه لا يعلم ما يعلمه الله ، وذلك صريح في أنه مخلوق ليس بخالق، ولا يجوز أن يكون هذا خطاباً للناسوت المتحد باللاهوت دون اللاهوت كما يتأوله عليه بعض النصارى؛ لأن كل ما علمه اللاهوت المتحد بالمسيح علمه الناسوت؛ ولأن الناسوت ليس هو الابن عندهم دون اللاهوت المتحد به، بل اسم الابن عندهم هو اللاهوت؛ ولأجل الاتحاد دخل فيه الناسوت؛ ولأنه لم يثبت إلا علم الأب وحده لم يستثن علم الابن الأزلي عندهم، بل نفى علم ما سوى الأب به، وهذا مناقض لقولهم من كل وجه . انظرالجواب الصحيح :4/88-189.
- اختيار: متعب الحارثي .