لم يكن الفاتحون المسلمون العظماء يقنعون بأرض ولا غنيمة بل كانت همتهم أكبر ورسالتهم أعمق، فما أن يفتح الله لهم بلدا حتى يبحثوا عن غيره وينتشرون وراءه سعيا لإعلاء كلمة الله تعالى.
واليوم يحقق الإسلام فتوحات دعوية جديدة.. في أوروبا وأمريكا الشمالية حيث تنتشر المساجد وتكبر الجاليات المسلمة وتسعى للحصول على حقوقها والدفاع عن هويتها، رغم ما تلاقيه من نظرة تشككيه وعنصرية بغيضة في كثير من الأحيان.
ولكن الحماسة لنشر دين الله اليوم يبدو أنها قصرت كثيرا عن همم السلف، فالدعوة إلى الإسلام في الغرب تكاد تقتصر على الشمال الغني المتقدم علميا ومدنيا، في تجاهل عجيب لأمريكا اللاتينية تلك الغنيمة الباردة المهملة التي أسس المسلمون المورسكيون قديما فيها حضارتهم ونشروا دينهم، حتى هبت رياح الاضطهاد والعنف الكاثوليكي الذي لم يقنع بإرهاب محاكم التفتيش في الأندلس، ولكنه أصر على القضاء على الإسلام في العمق الجنوبي اللاتيني.
إن الإسلام في أمريكا الجنوبية ليس وليدا وإنما صاحب تاريخ قديم، وللمسلمين الأندلسيين والأفارقة من بعدهم فضل كبير على هذه القارة، واليوم يعيش الآلاف من أحفاد هؤلاء كنصارى أو حيارى في دول لاتينية عديدة، وقد عاد بعضهم إلى الإسلام ولا يزال الكثيرون يجهلونه في ظل غياب الدعوة أو ضعفها.
واليوم نتحدث عن دولة "البيرو" التي رسم المسلمون ملامح حضارتها وثقافتها قديما، ولا يزال شعبها يكن للمسلمين احتراما واعتزازا، ولكن مع الأسف الشديد تفتقر إلى الدعاة والمراكز الإسلامية بشكل حاد.
وتقع البيرو غربي أمريكا الجنوبية، ويحدها من الشمال الإكوادور وكولومبيا ومن الشرق البرازيل وبوليفيا، ومن الجنوب شيلي ومن الغرب المحيط الهادي.
وهي الدولة الثالثة في قارة أمريكا الجنوبية من حيث المساحة، بعد البرازيل والأرجنتين.
ومعظم الهنود الحمر وهم الأمريكيون الأصليون يعيشون فيها أكثر مما يعيشون في أية دولة أخرى من دول أمريكا الجنوبية ويشكل هؤلاء الهنود الأصليون حوالي نصف عدد السكان، أما بقية السكان فجنس مخلط من سلالة هندية أوروبية.
ولا يزيد تعداد المسلمين في أعلى إحصاء عن 1500 شخص، في الوقت الذي يبلغ عدد سكان البيرو قرابة 27 مليون نسمة.
· تأثير الوجود الإسلامي القديم
يعتقد البعض أن "بيرو" حديثة عهد بالإسلام إلا أن التاريخ يؤكد على أن رحلات المسلمين وصلت إلى قارة أمركيا الجنوبية قبل وصول كولومبس إليها.
ويعد أبرز دليل على هذا الوصول المبكر للمسلمين إلى قارة أمريكا الجنوبية تلك الخرائط التي رسمها المسلمون في أوائل القرن السادس عشر.
وفي وقت لاحق يعتقد أن بعض المسلمين "المورو" رافقوا كولومبوس في رحلته إلى العالم الجديد فارين من الاضطهاد في شبه الجزيرة الأيبيرية.
وقد كان جلب العبيد الأفارقة إلى البرازيل خلال الفترة الاستعمارية بمثابة معبر لتدفق المسلمين بشكل كثيف إلى أمريكا اللاتينية.
وكان للمسلمين المورسكيين (الأندلسيين الأصل) تأثيرا واضحا على مختلف مناحي الحياة في أمريكا اللاتينية عامة بعد أن انتشروا فيها طولا وعرضا، ولا سيما في البيرو، حيث أرسى المسلمون أسس حضارتهم وظهر تأثيرهم بجلاء في أساليب البناء وفنون العمارة، وفي النظم الاجتماعية والسياسية، بل حتى في طريقة اللباس وأسلوب الطعام.
ولقد كان العديد منهم من ذوي المناصب الهامة والمرموقة في المجتمع آنذاك، وحتى عهد قريب كانت النساء تقبل على ارتداء الحجاب المعروف بـ (تابادا) وهو حجاب ترتديه النساء ولا يبدين إلا عينا واحدة.
وكان الحجاب دليلا على التميز حيث أن النساء المسلمات اللواتي هاجرن من الأندلس كن من النخبة الاجتماعية هناك.
ولكن الاضطهاد كان بداية فقدان الهوية الإسلامية لدى هؤلاء المهاجرين الأوائل، فقد اضطروا إلى إخفاء إسلامهم ومع الوقت بدأ الانتماء السري للإسلام يتلاشى.
وشهدت "البيرو" بعد ذلك في أربعينيات القرن الماضي موجة من الهجرة الإسلامية من بلاد الشام، وكان أغلب هؤلاء المهاجرين تجارا، إلا أن الشيء المؤسف هو ضياع الهوية الإسلامية في الغالب لدى ذرية هؤلاء المهاجرين.
وفي بداية الثمانينيات ظهرت فئة من المسلمين الجدد من ذوي الأصول اللاتينية، حيث أدى سفر أعداد منهم إلى الخارج واحتكاكهم بالمسلمين إلى اعتناقهم للإسلام، وعادو إلى "البيرو" دعاة يحملون هم الحفاظ على الجالية المسلمة ونشر الدعوة بين اللاتينين.
· باب الإسلام
قبل أكثر من عقد من الزمان زرع المسلمون في نبتتهم الأولى ببناء أول مصلى في منطقة "مجدالينا" بالعاصمة ليما، ولكن ظل الإسلام في أذهان البيروفيين دينا للعرب، ويبدو أن نقطة التحول في هذه النظرة كانت مع بناء مسجد النور في منطقة "برينا" والذي أنشيء بدعم من الرابطة الإسلامية لأمريكا اللاتينية ( سبيل)، وكان من أهم أهداف المسجد التعريف والتوعية بالإسلام بين البيروفيين.
وبعيدا عن العاصمة وفي مدينة "تاكنا" جنوبي البيرو كانت تجارة السيارات المستعملة فيها بداية لهجرة العديد من المسلمين ذوي الأصول الباكستانية، وقد استقر معظمهم في المدينة وحرصوا على إيجاد مسجد لهم والذي لم يكن سوى منزل صغير، ولم يمض وقت طويل حتى تملكوا أرضا بنوا عليها مسجد ( باب الإسلام) والذي يبدو أنه قد حاز من اسمه نصيب حيث حرص منشئوه على جعله بوابة لنشر الدعوة والثقافة الإسلامية.
· غربة وواقع مرير
وعلى الرغم من الوضع الاقتصادي والاجتماعي الجيد للمسلمين في البيرو، إلا أن المحصلة التي لا يمكن إنكارها هي ضعف الوجود المؤسسي الإسلامي البيروفي ، ويزداد الأمر تعقيدا بوجود أتباع الطريقة النقشبندية الصوفية وسعيهم لنشر أفكارهم.
وتعد الجمعية الإسلامية في ليما هي المؤسسة الناشطة في البيرو والتي أكد رئيسها "ضمين عوض" على أن واقع المسلمين هناك "مرير وخطير".
فقد قامت الجمعية بإحصاء تبين من خلاله أن قرابة 1500 مسلم في قد تنصروا وفقدوا هويتهم تماما، وأرجع رئيسها ذلك إلى ضعف الوجود الإسلامي، وغياب المراكز والمؤسسات الثقافية والاجتماعية والدينية الإسلامية، وافتقاد الدعاة والخطباء.
ومن الشواهد على مدى غربة الإسلام في "البيرو" هو عدم وجود مقبرة خاصة للمسلمين يدفنون فيها موتاهم، وأنهم يضطرون إلى دفنهم مع النصارى.
· المسلمون الجدد والهم الدعوي
ومن اللافت للنظر أن البيروفيين المتحولين إلى الإسلام هم الذين يحملون الهم الدعوي، ويسعون لنشر الإسلام في بلدهم.
وبحسب موقع islam hoy فإن المسلمين الجدد بدأوا منذ سنوات في النشاط الدعوي، ولم يحد من حماستهم ما تلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر من شكوك واتهامات للمسلمين.
وفي رسالة للمسلم الجديد الداعية "جليل صلاح الدين" إلى الموقع أكد على أن الإسلام ينتشر في مدينتي "ليما"، و"تاكنا"، وبخاصة بين الذين تنصروا وأحفاد المهاجرين المسلمين.
ويعد موقع peruislam.org شاهدا على جهد المسلمين الجدد، فهو يعد الموقع الإسلامي البيروفي الوحيد على شبكة الإنترنت، ويسعى لتعريف البيروفيين بالإسلام ودعوتهم إليه.
وقد أنشأت الموقع امرأة مسلمة بيروفية عائدة من الكاثوليكية، وتحكي فيه قصة إسلامها، فتقول:" اعتنقت الإسلام عام 2002، وأنا امرأة بيروفية الأصل نشأت في عائلة متمسكة بالممارسات الكاثوليكية، وعلموني منذ الصغر أن "العهد الجديد" هو كلمة الله، ولم تكن المدرسة تعرفنا أي شيء عن الإسلام سوى القليل جدا بدون أي تفسير، وفي عام 2001 انتقلت إلى الولايات المتحدة ووجدت عددا كبيرا من المسلمين، وبدأت التعرف على العقيدة الإسلامية، وشعرت عندها بأن فكرة الثالوث معضلة، وعرفت أنني كنت أؤمن بالله ولكن أشرك به خلقه، وعشت فترة من الحيرة بدأت أسعى للخروج منها بالتعرف بنفسي على الإسلام ومحاولة تكوين قناعة خاصة بي، وقررت اعتناق الإسلام الذي بفضله تغيرت حياتي كلها، وعرفت معنى الجمال، وأن لكل إنسان قيمة ودورا في الحياة، ووضع الله زوجي في طريقي ونحن نحيا كمسلمين ملتزمين والحمد لله".
- رســالة الإسلام .