
"ميوات" المسلمة: نهضة تعليمية وتحديات اقتصادية
تقع "ميوات" في ولاية "هاريانا" شمالي الهند، وتمتد على طول تلال "آرافالي" الصخرية، وقد أعلنت في أبريل 2005 مستقلة عن مقاطعتي "جورجاون" و"فريد آباد" اللتين كانتا تقتسمانها.
وتضم "ميوات" مئات القرى والأحياء حيث يقارب عدد سكانها ـ طبقا لإحصاء 2001 ـ المليون نسمة، أغلبهم من المسلمين الذين يعرفون باسم "الميو"، وقد ارتبط اسمها بجماعة التبليغ والدعوة التي ولدت على أرضها عام 1920.وعلى الرغم من أن المجتمع الميوي اتصف بالقوة والتماسك إلا أن مجموعة من الأسباب دفعت لأن توصف ميوات اليوم بأنها أكثر المجتمعات تخلفا في شمال الهند على الصعيدين: التعليمي، والاقتصادي.وإذا كان التدهور الاقتصادي مستمرا إلا أن المجتمع المسلم بدأ يكسر قيود الأمية حتى يخيل للناظر أن هذه المنطقة تشهد ثورة تعليمية.وفي عام 1990 كانت نسبة من يعرفون القراءة والكتابة أقل من 10%، وتتناقص النسبة في النساء بشكل أفدح لتصل إلى 5%، ولعل السبب الأبرز وراء انتشار الأمية يعود إلى الفقر المدقع، إلى جانب بعض الأفكار التي كانت تعارض التعليم الحديث في المدارس وبخاصة للفتيات.
وعلى الرغم من ثبات العديد من الأمور السيئة في ميوات على مدار العقدين الماضيين سواء في الإهمال الحكومي لها، أو في شقاء النساء في العمل بينما يرفل الرجال في البطالة إلا أن الشيء الذي تغير بشكل ملفت هو إقبال الناشئة على التعلم.
وطبقا لشبكة (تو سيركلز) فإن ميوات لم يكن بها مدرسة واحدة في ثمانينات القرن الماضي، أما الآن فهناك العديد من المدارس التي توفر التعليم الحديث، وهناك عشرات الفتيات المسجلات في هذه المدارس، وإذا كان العلماء المحليين من جماعة التبليغ والدعوة كانوا ينفرون قديما من المدارس الحديثة ويصفونها بـ"أوكار الإلحاد"فإن المشهد اختلف اليوم مما ينبئ عن الوعي الديني فإن العلماء هم في طليعة المشجعين والداعمين الآن للتعليم.
الدينيشهدت مدرسة "دار العلوم العربية" تطورا كبيرا ليس في الشكل الخارجي فحسب وإنما في محتوى التعليم.مؤسس المدرسة هو مولانا إلياس القاسمي -60 عاما- خريج مدرسة "دار العلوم" في ديوباند، ويرأس الآن جناح ولاية هاريانا بجمعية "علماء الهند".وأوضح "القاسمي" أن مدرسته حققت تقدما ملحوظا منذ عام 1992 وحتى الآن، فعدد الطلاب بها وصل إلى 150، وهي تعلم اللغتين الإنجليزية والهندية ومادة الرياضيات، إلى جانب المهارات العملية مثل الخياطة والتطريز والطبخ والإسعافات الأولية للفتيات.
ودافع "مولانا إلياس القاسمي" عن التعليم الحديث للفتيان والفتيات، وقال إن بعض الملالي أصدروا سابقا فتوى تحرم التعليم الحديث وذلك لخوفهم على الناشئة من التغريب الأعمى، وضياع العقيدة.واستدرك قائلا: ولكن الصواب أن التعليم الديني والحديث يجب أن يسيران سويا، مشيرا إلى حاجة "ميوات" إلى العلم الديني والدنيوي، وأن افتقاد العلم الحديث يشعر الشباب بالنقص ويجعلهم معتمدين على غيرهم وبخاصة في معرفة اللغات.
وتأسف "القاسمي" على موجات التغريب التي تجتاح "ميوات" تحت تأثير التلفاز، وهو في رأيه سببا مهما لأن تقدم المدارس الدينية التعليم الحديث لطلابها حتى يكونوا مؤهلين لدعوة الفئات المتعلمة والنقاش معها.كما عبر عن أسفه من عدم تنفيذ الحكومة لوعودها بترقية المدارس الدينية ودعمها، مؤكدا على أن الفساد المستشري هو الذي عرقل خطط التطوير.
وإذا ألقينا الضوء على الأوضاع الاقتصادية في "ميوات" فسيظهر تفشي البطالة بين الشباب والرجال بشكل كبير، وهو ما أثر سلبا على العديد من نواحي الحياة.وقد لخص أحد رجال ميوات ويدعى "محمد عمر" الوضع الاقتصادي بقوله: "لم يشهد الوضع الاقتصادي أي تحسن حتى الآن، إن مصادر الدخل محدودة، والناس عاطلون عن العمل مما أدى إلى انخراط الرجال والشباب في لعب الورق وعادات أخرى سيئة.. لا يوجد أي مصنع في "ميوات" ويصاب الأشخاص الذين كانوا يرغبون في تعليم أبنائهم بخيبة أمل كبيرة لعدم قدرتهم المالية على ذلك".وقد أجبر هذا الوضع المتردي النساء المسلمات على القيام بالأعمال الزراعية للمساهمة في سد احتياجات أسرهم.
وقال " قاري سراج الدين" مدير مدرسة (الفلاح النموذجية) بقرية باهداس إن النساء المسلمات ينخرطن بأعداد جيدة في الأعمال الزراعية.·
غالبية النساء المسلمات في "ميوات" في عقد الخمسينات يعملن في الزراعة، وقد رصدت الشبكة نماذج لهؤلاء النسوة، منها امرأة تدعى "كشميري" وهي زوجة لعامل وأم لسبعة أبناء."كشميري" القاطنة بقرية "كاهريرا" ليس لديها أرض خاصة بها أو بأسرتها، ولكنها تعمل في حقول الغير.وبأوضاع مقاربة جدا تعمل "جميلة" في الزراعة لدى الغير حيث أن زوجها سائق دراجة أجرة نارية والمعروفة باسم "ريكشو"، وهي أم لستة أبناء.وتعد هذه الفترة من العام صعبة على هؤلاء النساء حيث لا يوجد الكثير من العمل، ولكن في الأيام الجيدة يتقاضين 150 روبية أجرة على عملهن من الشروق وحتى الغروب.وقد ساعدت التربة الخصبة لـ"ميوات" على أن تكون الزراعة هي النشاط الرئيسي فيها، فغالبية السكان هم من صغار المزارعين، والنسبة الأكبر منهم لا تمتلك أراضي وإنما يعملون لدى الغير.
وتبقى المشكلة الأساسية التي تواجه الزراعة في "ميوات" هي الاعتماد على ماء المطر وحده لعدم وجود مصادر مياه أخرى.ومن أجل توفير مياه صالحة للشرب قامت الحكومة بحفر آبار أسفل تلال "آرافالي" ولكن الحفر لم يتم بشكل صحيح مما أدى إلى جفاف الكثير منها.
وتلقى "ميوات" إهمالا حكوميا كبيرا وكأنه لا يعنيها تنمية هذه المنطقة وتطويرها اقتصاديا.ويقول "محمد عمر": "على الرغم من قرب ميوات من دلهي وجورجاون فإن الحكومة غير مهمتة بالتنمية هنا على الإطلاق".وأضاف أنه يشعر بإحباط كبير عندما يرى عجلة التنمية تدور في الأحياء المجاورة مثل "روهتاك"، و"أمبالا"، و"هيسار"، بينما تغرق "ميوات" في التخلف، وكأن الحكومة تعاملها وفق قانون آخر.وعن الأسباب التي أدت إلى تجاهل "ميوات" بهذه الطريقة، يرى "عمر" أن أهم الأسباب هو ضعف التمثيل الرسمي والذي يضطلع به أميين غير قادرين على عرض المشكلات أو السعي لحلها.ومن جهته وافق ناظر المدرسة الحكومية الإعدادية بمنطقة "ناجينا" "محمد شفيع" على أن ضعف التمثيل الرسمي من أهم أسباب تأخر "ميوات"، وقال:" إن المقارنة بين ميوات والمدن المجاورة مثل فريد آباد وجورجاون تؤكد على أنها تلقى معاملة مختلفة، فلا نحن نعرف كيف نحصل على حقوقنا، ولا السلطات تعطينا إياها، وتمثيلنا السياسي لم يكن فعالا وهذا يعيق التنمية".وأضاف إنه بجانب التخلف التعليمي وتفشي الأمية، فإن أزمة المياه تأتي في المقدمة، كما أن عادات الزواج وما تتضمنه من مغالاة في التكاليف والمهور تثقل كاهل الناس.وأكد على أن استكمال مشروع قناة المياه في ميوات من شأنه أن يحسن الأوضاع الاقتصادية كثيرا.
وأشار ناظر المدرسة إلى تفشي ظواهر اجتماعية سيئة في ظل وجود رغبات استهلاكية لدى الشباب مع الوضع الاقتصادي المتردي.فالأجيال الجديدة ترغب في امتلاك دراجات جيدة، وهواتف نقالة وغيرها من الأمور مما يدفع البعض إلى السرقة.
•رسالة الإسلام.