
Share
بسم الله الرحمن الرحيم
يطيب لموقع حب الإسلام أن ينشر الحوار الذي أجراه الموقع مع فضيلة الشيخ : حسن السبيكي مغربي ، سائلين الله تعالى أن يزيد به معالم طريق فرسان منابر الجمع نوراً وإشراقاً ..... فإلى الحوار:
حب الإسلام : في بداية حوارنا ، نريد أن نعرف زوار الموقع بالشيخ حسن السبيكي ؟
الشيخ حسن السبيكي : بسم الله الرحمن الرحيم ، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على نبي الهدى والرحمة للعالمين . بداية أشكر للإخوة الكرام في الموقع المبارك هذه المبادرة الطيبة في استثمار فعالية اللقاءات الحوارية النافعة، واقدر فيهم إتاحة الفرصة لبلد إسلامي شقيق في شخص عبد مفتقر إلى عفو ربه .

فضيلة الشيخ حسن السبيكي وفي الخلفية مسجد بدر بقنيطرة بالمغرب
حسن السبيكي مغربي ، من مواليد 1953 بمدينة مراكش، وبها رحلة التمدرس الابتدائي و الثانوي . حصلت على الإجازة في اللغة العربية وآدابها 1979 من جامعة الرباط. ثم شهادة تكوينية بالمدرسة العليا للأساتذة في علوم التربية والتدريس. أستاذ اللغة العربية وآدابها بالثانوي منذ 1980 إلى اليوم ، منها بضع سنوات مكلف بتدريس التربية الإسلامية إلى جانب اللغة العربية . ست سنوات من العمل الجمعوي مقررا بجمعية العمل الاجتماعي والثقافي بمدينة القنيطرة. وخلال رحلة التمدرس والتدريس كان اهتمامي الدائم بالثقافة الإسلامية والعلوم الشرعية مطالعة ومتابعة . ومنذ 1993 دخلت مجال الوعظ في بعض المساجد وتجربة الخطابة المنبرية بالنيابة ، وبعد الحصول على التزكية من المجلس العلمي بالمدينة ، ثم عينت خطيبا بمسجد بدر وبأحد مصليات العيدين، وكان الالتحاق بأنشطة المجلس العلمي بالمدينة ،عضوا في لجنة تكوين خطباء المنابر، وواعظا ومرشدا دينيا ،أسبوعيا بمسجد الأميرة ، وموسميا بغيره من المساجد . سيرة متواضعة أرجو الله تعالى أن يتقبل مني فيها صالح الأعمال وهي بتوفيقه، وأن يتجاوز عن أخطائي وخطاياي انه حليم كريم .
حب الإسلام :خطبة الجمعة تشريع إلهي حكيم؛ كيف ترى أهميتها في حياة المسلمين اليوم ؟
الشيخ حسن السبيكي : خطبة الجمعة فرع من جنس الخطابة عموما ، وهي فن أدبي راقٍ من أقدم فنون القول في مخاطبة الناس. وصناعةُ عظيمةُ الأثر في النفوس والعقول، و في شؤون الحياة المُختلفة في الدعوة ، والتعليم ، والتوعية ، وشحذ الهمم ، ولم الشمل وحل المشكلات ، وفك النزاعات ، وقيادة الجماعات ،وتحريض الجيوش وغير ذلك من مطالب الحياة والمجتمعات . ولأن التشريع الإلهي حكيم في كل شيء ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) فقد شرع خطبة الجمعة وجعلها من ضرورات الدين والدنيا ، فهي من الوسائل الأكثر فعالية في الدعوة والتبليغ والإصلاح ، بالحكمة والموعظة الحسنة ؛ لتعليم الناس ما يجهلون ، وتذكيرهم بما ينسون ، وتنبيههم إلى ما يغفلون عنه.وتوجيههم إلى الصالحات وفعل الخيرات واجتناب المنكرات . وأن حضورها أسبوعيا ضمن الصلاة ، له عميق الدلالة والأثر في حياة الأمة . وإن السر الروحي والتربوي البليغ للمسجد ، هو بعد الصلاة ، مرتبط برسالة المنبر الخطابية ، وقد هيأ الله المصلين لها بقواعد الانضباط والإنصات نفسيا وخلقيا فمنع مجرد اللغو أثناءها ، تعظيما لشأنها وتربية على الاهتمام بها. وأن مفعولها الأسبوعي في المسلمين لشيء عجيب بالرغم من كل العوامل المناقضة. فهي تذكير وتغذية علمية وتزكية روحية وتوحيد وتقوية لأواصر الإيمان والأخوة بين المصلين وغيرهم . ولكي نقدر حكمتها ودورها نتصور النتائج المترتبة على غيابها لا قدر الله . فكم من نفس كادت تموت ، أو همة أوشكت على الفتور ، أو سلوك مال إلى الانحراف أو علاقة تسربت إليها عوامل الشقاق والافتراق . فكانت خطبة الجمعة سبب العلاج والتقويم ، بإذن الله ، ولقد بقيت خطبة الجمعة وستبقى حية فاعلة رغم المثبطات الكثيرة ومكائد الحاقدين الذين يد ركون ما لها من مكانة وأثر في تشريع الإسلام وصبغته الربانية في المسلمين .
حب الإسلام : هل لك أن تسلط الضوء على هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خطبة الجمعة ؟
الشيخ حسن السبيكي : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أفصح الناس لسانا وأبلغهم وأقواهم بيانا ، ولا غرابة فقد رباه الله وزكاه في لسانه وبيانه لأنه المبلغ لدينه ، فما ينطق عن الهوى ، وأوتي جوامع الكلم ؛ فكان مثالاً فريداً في الخطابة التي تنشرح لها القلوب وتتفتح العقول وتستجيب الجوارح ، كما في شهادة العرباض بن سارية: ( وعظنا رسول الله موعظة بليغة؛ وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون )( صحيح الترغيب ).وتنوعت خطبه صلى الله عليه وسلم مكاناً وزماناً وأحوالاً . وكان من هديه ، أنه إذا اعتلى المنبر استقبل الناس وسلم عليهم، ثم يجلس، وبعد أذان بلال ، يقوم ويفتتح خطبته بالحمد والثناء على الله سبحانه والتشهد، ثم يذكر الناس بنعم الله عليهم، وفي وصف جابر رضي الله عنه :( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم، ويقول أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة ) رواه مسلم )، وإذا قام يخطب توكأ على عصا أو على قوس ، ولم يحفظ عنه أنه توكأ على سيف. وكان يخطب خطبتين يجلس بينهما بغير كلام ، فعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً، ثم يقعد قعدة لا يتكلم، ثم يقوم فيخطب خطبة أخرى )،
وكان ينتقي في خطبه جوامع الكلم ، وكثيراً ما يخطب بالقرآن حتى قرأ ذات مرة سورة ق كاملة على المنبر.كما في صحيح مسلم، و يخطب في كل وقت بما تقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم ومقتضيات الحرب والسلم والتبشير والتنذير ومواسم الطاعات والأعياد وغيرها ، ويراعي أحوال الناس ؛ فتارة يقصر في الخطبة وهو الغالب، وتارة أخرى يطيل الخطبة عند حاجة الناس، كما ورد عنه ذلك في خطبة الوادع .
وعن ابن مسعود ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا تشهد قال : الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا ..) .و كان صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة،واقصروا الخطبة ).
وكان مدار خطبه على حمد الله والثناء عليه بآلائه وأوصاف كماله ومحامده، وتعليم قواعد الإسلام، وذكر الجنة والنار والمعاد، والأمر بتقوى الله وتبيين موارد غضبه ومواقع رضاه . وكان إذا انتهى من الخطبة دعا للمؤمنين والمؤمنات بالمغفرة والرحمة، ثم ينهي خطبته بالاستغفار.
حب الإسلام : يختلف أثر الخطبة اليوم في واقع المسلمين؛ فهل يعود ذلك إلى الخطيب نفسه، أم إلى محتوى الخطبة، أم إلى الناس والمؤثرات عليهم ؟
الشيخ حسن السبيكي : أثر الخطبة في واقعنا متكيف بكل من طبيعة الخطيب والخطبة ووضعية المستمعين . وإن كان للخطيب في ذلك النصيب الأوفر ؛ فالخطبة مهما كانت فهي صناعة الخطيب وصياغته، في مضمونها وشكلها وطريقة تبليغها ، وإن كان مطلوباً فيها صحة المضمون، وقوة تأثيره وإقناعه، ومناسبته للزمان والمكان والمخاطبين . ولاشك أن وضعية الناس وما يحيط بهم من ظروف وأجواء وعوامل التحفيز أو التثبيط ، كل ذلك مؤثر إيجابا أو سلبا في علاقتهم بالمنبر والخطيب ، ونسبة تجاوبهم مع الخطبة ، خاصة في ظروف عصرنا الذي يعج بالفتن من جهة ، وبوسائل الاتصال والإعلام المتطورة بتقنياتها وإمكاناتها الباهرة من جهة ثانية . وهذا مما يضاعف اليوم مسؤولية الخطيب ومأموريته ، ويفرض العمل على تطوير آليات فنه الخطابي حتى يواكب متطلبات العصر .
حب الإسلام : إن كانت قوة تأثير الخطبة في الناس مرتبطة بتميز الخطيب وما يملكه من خصائص ومقومات النجاح ؛ فما هي مميزات الخطيب الناجح وخصائصه ؟
الشيخ حسن السبيكي : إن تشريع الإسلام لخطبة الجمعة ، منوط بفعالية الخطيب المسلم الذي يدرك عظم الأمانة وجسامة المسؤولية ، وهو يعتلي منبر الدعوة اقتداءً برسول الله في أطهر البقاع ، بيت الله تعالى ، فالخطيب الناجح :
يقدر أمانة الخطابة ، لا من موقع الموظف المأجور ، ولكن عن إرادة صادقة وخالصة في الدعوة إلى الله تعالى، ابتغاء مرضاته ، بريئاً من دوافع الطمع والرياء، غايته تذكير الناس وتفقيههم في أمور دينهم ودنياهم على بصيرة مؤيدة بكتاب الله وسنة رسوله، واعظاً مرشداً بالتي هي أحسن، برفق وحكمة وروية، في مخاطبة النفوس والعقول.
و يعطي خطبته من صادق قصده .
وجدية جهده وعنايته في جودة الإعداد.
وحسن الأداء والإلقاء ما يناسب موضوعها ومقتضى حال المخاطبين .
ويكون فيهم بمثابة الطبيب الحكيم الرحيم الذي يكشف مواطن العلل ، ويصف الدواء الشرعي.
ويقنع بنجاعته ، في غير ما عنف ولا تهجم ولا تجريح ولا إدانة ولا تيئيس، مراعاة لأحوال الناس ومشاعرهم كما هي تعاليم الإسلام .
حب الإسلام : كيف يستطيع خطيب الجمعة أن يبني نفسه علمياً ؟
الشيخ حسن السبيكي : فن الخطابة موهبة ربانية يزيدها العلم والمران والممارسة نضجاً وتألقاً وفعالية . ومنطلق الخطيب كما في أمور الدين والدعوة جميعا ، هو التعلم والتفقه (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)، ولا يكفي أن يملك ما يقول ، ولكن أن يجيد كيف يقول , ومقتضى ذلك أن يجتهد الخطيب في تنمية وتقوية رصيده من العلوم الشرعية باستمرار، ومن علوم الآلة في اللغة والبلاغة وعلم أصول الفقه حتى يحسن الفهم والاقتباس للأحكام والأدلة الشرعية المناسبة من القرآن والسنة ،ويأخذ بالضروري من قواعد التجويد ليحسن قراءة القرآن في الخطبة والصلاة ، وأن يجمع بين التفقه في الدين والتفقه في الواقع ، مطالعة ومتابعة، ومواكبة لقضايا الحياة والعصر، ومخالطة الناس ليقترب من أوضاعهم ومشاغلهم ومشاكلهم . وخلاصة مؤهلاته أن يجمع بين العقل المفكر والبيان المصور واللسان المعبر.
حب الإسلام : ما هي المهارات التي ترى أن خطيب الجمعة بحاجة لإتقانها ؟
الشيخ حسن السبيكي : إن خطبة الجمعة مجموعة مهارات تتكامل فيها كفايات الخطيب المكتسبة بالعلم والمران مع فاعلية الموهبة الفطرية. ولا بد من استكمال الخطيب لمقومات المهارات الأساسية :
ـ الكفاية العلمية والثقافية لرصيده المعرفي.
ـ والكفاية اللغوية البيانية لقدراته الإنشائية والتعبيرية .
والكفاية المنهجية لمهارات التصميم والبناء .
ـ والكفاية التواصلية التبليغية في الأداء والإلقاء .
وذلك رصيده في إتقان الاختيار للموضوعات المناسبة ، وإجادة التأصيل والاستشهاد من النصوص الشرعية ، وإتقان التصميم المنهجي والصياغة ، وإحسان الأداء والإلقاء لغويا وصوتيا وحركيا .
و يحسن به أن يكون لسناً فصيح اللسان، قوي الحجة والبرهان ، قديراً على التعبير المؤثر، فما هز المنابر في القديم والحديث إلا أهل الفصاحة والبيان والبرهان . قد يعتمد الخطيب في ذلك خطبة مكتوبة فيشفع له الأداء الحي الذي لا تكتفه فيه الورقة ، وقد ينطلق من عناصر فقط فيحسن فيها البيان ، أو ينطلق من استيعاب للمضمون وتصميمه فيؤديها ارتجالاً ، وذلك أفضل .
حب الإسلام : هل ترى أن إعداد خطباء الجمعة يستحق أن يأخذ مساراً إعدادياً أكاديميا؟ أو تكون له مؤسساته الخاصة ؟
الشيخ حسن السبيكي : إذا كان التكامل بين المسارين ممكناً على أساس من وحدة الغايات وبرامج الإعداد ، فلا بأس ، ولا يخشى في ذلك إلا من اعتماد الشواهد التكوينية بمنطق الوظيفة الذي ينافي أو يضعف هم الدعوة والتقدير لعظم أمانة المنبر ورسالته.
وإذا كانت المؤسسات الخاصة ، فذلك أولى لتعميق التكوين والإعداد للخطباء على أساس من الكفايات التكوينية التي تجمع بين التنظير العلمي والتطبيق العملي المتدرج ، حتى لا تترك مسؤولية المنبر للاجتهادات الخطابية الذاتية التي قد تنجح مع قلة من أهل العزائم ، ولا تنجح مع الكثير .
حب الإسلام : التخطيط للخطبة، من أهم أسس نجاحها، فكيف يتم ذلك ؟
الشيخ حسن السبيكي : الخطيب مطالب بالإحسان الذي كتبه الله على كل شيء . وإحسان الخطيب يطلب في:
اختيار الموضوع الذي يهم المخاطبين بتبصر وحكمة.
وفي الإعداد الجامع بين ما هو شرعي وما هو واقعي.
ومراعاة الإرشاد إلى ما ينبغي فهمه في الموضوع ، وما ينبغي اعتقاده إيمانا ، وما ينبغي فعله شرعا .
وفي الصياغة الدقيقة المناسبة .
و الإلقاء الحي بصدق وتجاوب وجداني وتفاعل صوتي وحركي مع مضامين الخطبة.
ويختزل كل ذلك في إجادة التصميم المنهجي بناء على عمليات ثلاث : الإيجاد ، بتوفير مادة الخطبة ،والتنسيق من حيث الصياغة ، والتعبير.من حيث التبليغ .
حب الإسلام : هل لتوزيع الوقت على أهداف الخطبة أهمية في نجاحها؟
الشيخ حسن السبيكي : بل إن توزيع الوقت على أهداف الخطبة من مستلزمات إعدادها وكذا إلقائها ، حتى تتناسب اللحظات الزمنية في مسافة الخطبة مع مستوياتها المضمونية والبنائية ومقتضى حال المستمعين . وإلا فقد تأخذ بعض الجوانب أكثر من حصتها على حساب جوانب أهم وأولى .وهذه مسألة مرتبطة بخبرة الخطيب البيداغوجية(طرق وفنون التعليم) والمنهجية وتقديره لعامل الزمن ومرونته في استثماره إيجابيا .
حب الإسلام : هل لطول الخطبة وقصرها تأثير على درجة استيعاب الناس وتقبلهم ؟
الشيخ حسن السبيكي : نعم للطول والقصر في الخطبة أثره على المخاطبين ، ولذلك كان التوسط والاعتدال من الهدي النبوي في الخطبة كما في الإسلام كله . فالخطبة الطويلة فوق الحد المعقول والمحتمل تجاوز نطاق قابلية الاستيعاب الذهنيَّة في المتابعة وهي محدودة ، وكثير الكلام ينسي بعضه بعضا ، فيضيع القصد ، ويحدث الملل والسآمة لدى المستمعين الذين تصاحب الكثير منهم أحوال السهر أوالتعب أوالضجر أوالتعجل بحسب وضعياتهم وظروفهم . والخطبة القصيرة جداً قد لا تفي بالقصد في الموضوعات التي تحتاج إلى وقفات التوضيح والبيان . وفي الحالتين قد يضعف التقبل أو ينعدم عند المستمعين أو بعضهم ، فتضيع على الخطيب رسالته . ولهذا يطلب منه المرونة بحسب طبيعة الموضوعات وأحوال المخاطبين ، وحينها يمكنه الإطالة الضرورية بغير إملال ، والتقصير المستحسن بغير إقلال .
حب الإسلام : من ألوان إعجاز القرآن الكريم..افتتاحيات السور وخواتيمها؛ فكيف يطبق الخطيب هذه الخاصية في خطبته ؟
الشيخ حسن السبيكي : كذلك يعلمنا القرآن أهمية الافتتاح والاختتام وقيمتهما في الكلام وفي كل شيء ، والخطبة فن مخاطبة الجمهور. ولابد للخطيب أن يتلطف في طرق أبواب القلوب والعقول ، بما يشوق ويرغب في بداية الخطبة، وما يرضي ويؤثر في نهايتها . ووسيلته المنهجية والبيداغوجية هي في إتقان وإحسان الاستهلال الذي يشد إليه الانتباه والاهتمام ، وإجادة الاختتام بالاستنتاجات والخلاصات العلمية والعملية التي تحدث الرضى والاستجابة . وبقدر ما يتحقق التجاوب في المعالجة بين محتوى المقدمة وخلاصات الخاتمة يحصل تماسك الخطبة، ويساعد المستمع على الاستيعاب والتمثل . فالاستهلال فعل الجاذبية والتنبيه، والختام فعل التثبيت والتأثير، وبينهما مهارة الخطيب في رد العجز على الصدر، لو جاز التعبير .
حب الإسلام :هل من فقه الخطيب، مراعاته لنفسيات السامعين، ويتضح ذلك من خلال توازن الخوف والرجاء في طرحه للناس ؟
الشيخ حسن السبيكي : مراعاة نفسيات الناس ووضعياتهم ، منهج القرآن الكريم والهدي النبوي ، ومطلب التفقه والتفهم في مؤهلات الخطيب وهو صاحب رسالة رحمة و هداية و تسامح بغير عنف ولا إكراه ولا استعلاء ، وعليه أن يحقق التكامل والتوازن بين مقتضى الخوف والرجاء ، بأساليب الترغيب والترهيب ، على دراية بما يقدم أو يؤخر منهما ، وبقدر الجرعة الطبية المناسبة، فيرغب تنمية لدافع الرجاء الحافز للمسارعة في الطاعات وفعل الخيرات ، ويرهب تقوية لوازع الخوف الكابح لدوافع المعاصي والمنكرات .ويجتنب خطابات التحريج والتعسير والتيئيس ،وإن كان الترغيب أولى؛ لأن الناس اليوم أحوج إلى من يأخذ بأيديهم بين الرجاء والخوف بلطف وحكمة وهوادة بغير تعسير ولا تنفير،عملاً بقول الله تعالى : (ادعُ إِلِى سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة)،وقول النبي صلى الله عليه وسلم :(بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا).
حب الإسلام : ينتقد البعض صنفاً من الخطباء بأن نبرتهم متعالية، فيها شيء من الأستاذية، مستدلين على ذلك بكثرة تأنيبهم ، وعتابهم، وربما تحقيرهم؛ في حين أن الصوت الآخر عبر المنابر الإعلامية يتسم بتقدير الإنسان واحترامه. فما توجيهك لمن هذا ديدنه ؟
الشيخ حسن السبيكي : نفوس الناس بيوت مقفلة لا تفتح إلا لمن يطرقها بلطف ، ومن التلطف مخاطبة الناس بما يشعرهم بالثقة والاحترام والتقدير.وهذا مما ينبغي للخطيب إدراكه، فلا يخاطب بنبرة استعلاء ولا استقواء معرفي ، ولا من برج الحاكمية ( إن الحكم إلا لله ) يحاكم ويحكم ، فإنما هو داعية خطاء (وكل بني آدم خطاء) لا يجاوز حدود التذكير بالتي هي أحسن، إلى ما هو أخشن . فهو أول المستهدفين بخطابه. فيتجنب كل العبارات واللهجات والإشارات المهينة والمدينة للمستمعين، فإذا أشار إلى انحراف أو سوء يقول مثلا ( منا من يفعل كذا )، بدل ( منكم من يفعل )، وليتمثل قوله تعالى: ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ..)، ومن فظاظة الخطيب وغلظته، خشونة اللهجة وحدة اللسان وتهجمه على المستمعين بالاتهام والتقريع والزجر والتوعيد . يراعي كل ذلك حتى لا يفقد المنبر تألقه وفعاليته بين وسائل الاتصال الحديثة وتحدياتها .ويحذر الخطيب إلى جانب ذلك الديباجة اللغوية العالية فوق مستوى السامعين لفظياً وبلاغيا ، فيضيع منهم المضمون ، كما يتجنب المبالغة في البساطة فيضيع الرونق والتأثير .
حب الإسلام : معرفة الخطيب للمواسم الشرعية، وقيامه بتفقيه الناس فيها من علامات فقهه هو؛ فكيف يحقق ذلك ؟
الشيخ حسن السبيكي : المواسم الشرعية أزمنة واحداث ، من فقه الخطيب استيعابها علما وتوظيفا في خطبه . فهي مناسبات طيبة ، ومواسم للخير ، ونفحات ربانية ، يجدر به تذكير الناس بها وتبصيرهم بما فيها من حكمة التشريع وفضائل الاعمال والثواب . وهي قبل ذلك أوعية لأحداث ووقائع وأحكام وسنن في الهدي النبوي . والخطيب يغتنمها في أزمنتها مذكرا ومرشدا ، يوجه الى المطلوب شرعا ، ويبين ويحذر من البدع والمحظورات ، لتصحيح اعتقادات الناس وسلوكاتهم التدينية ، في ضوء الكتاب والسنة الصحيحة .
حب الإسلام : الأحداث الساخنة في حياة الأمة، أوفي المحيط الإقليمي والدولي ، لحظات حرجة على الخطيب فيما سيطرحه على الناس؛ فما هي أهم المعالم التي يجب عليه مراعاتها ؟
الشيخ حسن السبيكي : من ثقافة الخطيب الضرورية فقه الواقع والحياة، ومنه المواكبة لتطورات العصر عموما ، ولمختلف الأحداث والوقائع التي تنبض بها الحياة من حوله دولياً وإقليميا، وهي حثيثة وكثيرة . ولابد أن يغذي خطبه الأسبوعية بما يقنع الناس بحيوية المنبر وتفاعله مع الواقع والحياة وإلا فقد حجة الواقع فيما يخاطب به الناس. وليس ذلك فحسب بمعالجة موضوعات الساعة الملحة مباشرة ، كقضايا الاحتلال الغربي والاستيطان الصهيوني وواقع القدس ومواقف التخاذل في الأمة وغيرها، ولكن أيضا بالربط غالباً بين قضايا الإيمان والعبادة والأخلاق والمعاملات وواقع المسلمين ، لبيان أن ما يصيبهم ، هو بما كسبت أيديهم من التفريط والانحراف عن منهج الله تعالى (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) (الشورى : 30 ) .وبذلك يساعد الخطيب الناس على الربط بين الدين والحياة عقيدة وشريعة .
حب الإسلام : كيف للخطيب أن يزيد وعي الناس بفقه الخلاف وآدابه؛ حتى لا يقعوا فريسة للتعصب والتحزب المذموم، ولا يقعوا في الحيرة المزعجة ، في الوقت الذي يصلهم من خلال الفضائيات والإنترنت أراء عديدة ومتنوعة ، وربما كانت مختلفة ؟
الشيخ حسن السبيكي : لاشك أن للمنبر دوراً كبيراً وفعالاً في هذه القضية وهي من أشكل القضايا في زمن الفوضى الإعلامية وحتى المنبرية ، التي وسعت دوائر التعصب والتحزب وما ينتج عنها من التصادم والتنافر على مستوى الاعتقاد والتدين ،وبات دور الخطيب الحكيم ضروريا وملحا لتهدئة الأوضاع وإخماد فتائل الفتنة، بالتوعية والإرشاد إلى فهم حكمة الخلاف الفقهي ومغزاه ، وتمثل آدابه . ولا بد للخطيب أن يسلم هو أولاً من كل دوافع التعصب والتحزب ومظاهره ، وأن ينزه خطبه من ذلك في الموضوعات والأفكار والتبليغ ، وأن يستعين بشواهد من سير السلف الصالح من الصحابة والعلماء ، وكيف كانوا يتقبلون الخلاف الاجتهادي برحابة صدر، لا ينال من تقديرهم للمخالف ، ولا يحملهم على التعصب المذموم ؛لأن الحقيقة ضالة المؤمن . وحسبكم في ذلك قولة الإمام الشافعي : (رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب)، وقوله :( ما جادلت أحداً إلا تمنيت أن يجري الله الحق على لسانه )، وهذا شاهد التربية الإسلامية .
ومن مسؤولية الخطيب أن يساعد الناس على التحرر من الحيرة والتخبط وسط تعدد المذاهب وتضارب الفتاوى في وسائل الإعلام والاتصال الحديثة ، متبعاً هدي القرآن والسنة في الدليل والبرهان وفي أسلوب الخطاب بالحكمة والتبصر والمرونة حتى لا يكون صوته عاملاً آخر في دوامة الحيرة عند المخاطبين .
حب الإسلام : هل تتنافى المواطنة الصالحة مع الانتماء والولاء للأمة الإسلامية ؟
الشيخ حسن السبيكي : بل من مقتضيات الانتماء والولاء للأمة الإسلامية حب الأوطان والغيرة عليها ، لأنها دار الإسلام ومن مقومات الهوية الإسلامية . فكل معاني المواطنة الصالحة المتعارف عليها اليوم في علاقة الفرد بوطنه وشعبه ، من المحبة والتعاون وخدمة الصالح العام ودفع العدوان وغيرها ، هي من مقاصد الإسلام وتعاليمه . وبالرغم من تشرذم الأمة الإسلامية بفعل المخططات الاستعمارية إلى أوطان وحدود مصطنعة ، فإن الهوية الإسلامية تجمعها ، وتجعل كل مشاعر المواطنة الصالحة فيها من عوامل الثبات والبقاء ، وإلا عصفت مكائد الأعداء بالبقية الباقية منها .وهنا أيضا للخطيب كلمته التربوية الناصحة في تصحيح المفاهيم و ربط الحس الوطني بالهوية الإسلامية الكبرى .
حب الإسلام : على ماذا يركز خطيب الجمعة عند سعيه إلى تثبيت الناس على دينهم أمام خطر أمواج الشبهات المتلاطمة . على الخطب العاطفية ، أم على الحجج والبراهين الواضحة؟
الشيخ حسن السبيكي : مدار رسالة الخطيب في كل شيء هو على تثبيت الناس على دينهم ، صحيحاً سليماً من الأهواء والأوهام والبدع والضلالات ، وتقوية عقيدتهم في وجه الشبهات العاصفة من كل جانب ، في حملات متزايدة من الأعداء خارجيا ومن كل منافق عليم اللسان داخلياً كدعاة العلمانية والحداثة والشيوعية وغيرهم. ولا تجدي الخطيب في ذلك خطب الحماسة العاطفية إلا بقدر ما تغذي خطابه بحيوية الصدق والغيرة ، وإلا فالأمر يستدعي قوة الحجة والبرهان والبيان ، من القرآن والسنة أولاً ، ثم من العلوم الشرعية ، والعلوم الإنسانية ومن الواقع والتاريخ ، لتثبيت الدين في النفوس وتقويته اعتقاداً وتدينا أولاً، ثم لدحض الأباطيل ونسف دعاوى المغرضين فيما ينفثون من سموم الشبهات والافتراءات . والخطيب الحصيف الماهر يستفيد من تجارب العلماء الربانيين عبر التاريخ في مواجهة الشبهات والمبطلين ، كما فعل ابن تيمية رحمه الله الذي تصدى للفلاسفة ، والباطنية ، والروافض والملاحدة والجهمية والمعتزلة وفند شبهاتهم وبدعهم وافتراءاتهم بالحجة والبرهان .
حب الإسلام : تغريب المرأة المسلمة ، ميدان فسيح للصراع ، أين يقف خطيب الجمعة فيه وكيف ؟
الشيخ حسن السبيكي: موضوع المرأة اليوم من أكبر القضايا التي تتجاذبها الأطراف من أهل الحق والباطل في صراعات متنامية ، نظراً للموقع الخطير الذي تحتله المرأة من الأسرة والمجتمع والحياة . وقد راهنت مخططات الصهيونية العالمية على إفساد المرأة مدخلاً لإفساد المجتمعات والتحكم فيها، وخاصة في البلدان الإسلامية ، كما راهن عليه أصحاب المصالح المادية ، فاستغلت المرأة من الجميع أبشع استغلال في إفسادها والإفساد بها ، وذلك تحت غطاء قوي وكثيف وخادع من الشعارات والنداءات ، فبلغ وضعها ما بلغ من التغريب ، إلا من كتب الله لها العصمة من الغواية والضياع بقدر تمسكها بدينها أو كرامتها تعقلاً وتعففا . والخطيب مدعو بموقع رسالته وأمانته الدعوية ، التربوية والتوجيهية ، أن يفقه القضية عن علم وبصيرة ، ويساهم في التنبيه والتوعية بمكائد الأعداء ، ومقاصد هذا التغريب ، وعواقب ذلك على المرأة نفسها وعلى الرجل ، أباً وزوجاً ، وعلى المجتمع كله في شرفه وأمنه واستقراره .ويلتمس الخطيب لذلك قوة الدليل الشرعي في بيان تكريم الإسلام للمرأة وضمان حقوقها وصيانة عرضها وشرفها، بنتاً وزوجةً وأماً وأختا .. ، وفي تقدير دورها ورسالتها التربوية الحيوية ، وشهادة الواقع في بيان ويلات التبرج والتكشف والاختلاط المذموم ، وخلفيات الشعارات المغرضة الخادعة باسم حقوق المرأة بغير ضوابط دينية ولا خلقية . وخطاب الخطيب هنا ليس للمرأة وحدها بل للعموم ، وهي موضوع اهتمام الجميع آباءً وأزواجاً وأبناءً وإخواناً ومربين ومسؤولين ، فيجتهد في تحقيق التأثير والإقناع ما استطاع .
حب الإسلام : كيف يواجه الخطيب الفرق المبتدعة في الأمة ؟
الشيخ حسن السبيكي: الفرق المبتدعة قديمة قدم الإسلام، وهي في اتساع وتناسل عبر الزمان والمكان ، إما بتلقائية النمو ، أو بإيعاز وتخطيط من الأعداء لضرب الإسلام السني من الداخل، بتنسيق مع فيالق النفاق المحلية . أساليب مورست قديما ، ثم تم تفعيلها اليوم لمواجهة الصحوة الإسلامية المباركة .وحقيقة الفرق المبتدعة معلومة الوجود والكثرة من أخبار النبي صلى الله عليه وسلم: (.. وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا التي على ما أنا عليه وصحابتي ) .
والخطيب مطالب بالعمل على التوعية بوجودها ومنطلقاتها البدعية وضلالاتها ومخاطرها على منهج الدين القويم . ويجتهد في تقوية حوافز التمسك بالدين على منهج النبوة، وذلك وحده سبيل التدين الصحيح ، كما أمر الله تعالى وأوصى رسوله المبلغ ، بأن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار . ولو أراد الله تعالى تدين الأهواء لما أرسل رسولاً مبلغا. وسلاح الخطيب ينطلق من حسن الاستدلال والتوجيه والترغيب والترهيب ، دون صخب ولا عنف ولا استفزاز . واقرب طريق ، أن يحرر القلوب والعقول من دواعي الوقوع في مسالك البدع ، ويغذيها بعناصر المناعة في صحيح العقيدة والعبادة كما هو في منهج النبي وصحابته الكرام (فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ ..) (البقرة : 137 )، وهل بعد وعيد الله تعالى ما هو أشد في مخالفة السنة(وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً) (النساء : 115 ).فكما يعمل الأعداء على محاربة الإسلام من الداخل بالبدع، فإن المقاومة تكون من الداخل أيضا بتعزيز حصون المناعة العقدية الصحيحة .
حب الإسلام : الغلو في الدين ، والخروج على جماعة المسلمين ، قضية تستحق مزيدا من العناية من قبل خطيب الجمعة. فبماذا توجه الخطيب فيها ؟
الشيخ حسن السبيكي: الغلو في الدين مما شدد الله تعالى ورسوله فيه النهي والتحذير والتوعيد ، لكونه نقيض حكمة الإسلام في التوسط والاعتدال والتيسير. والغلو تشديد وتعسير وتنفير ، ومسلك المروق من الدين ، وحمل السلاح على المسلمين باسم الإسلام ، كما أخبر الرسول الكريم عن حال الخوارج وغيرهم . وهي الظاهرة القديمة الجديدة التي يشتكي منها واقع المسلمين ، بما انتهى إليه أصحاب التنطع والغلو هنا وهناك ، باجتهادات انفعالية لا تحتكم إلى مرجعية سليمة في فهم الكتاب والسنة والإجماع ، فتسوغ لهم سفك الدماء وإثارة الفتنة بأوهام نصرة الإسلام ومواجهة أعدائه في الداخل والخارج ، فجلبوا على الإسلام تهمة الإرهاب والعنف . وذلك خروج عن جماعة المسلمين ولا شك ، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية . والخطيب مدعو إلى العناية بهذا الموضوع بإزالة ما أشكل فيه أو التبس على الناس ، وتوعيتهم بتعارض الغلو وأصحابه مع مقاصد الدين وحكمته ورحمته . فإنه لا يجدي الحماس والانفعال في التدين ولا في نصرة الدين وحمايته ، ولكل ذلك قواعده وضوابطه المسطورة التي لا مجال فيها للاجتهادات المفارقة للجماعة والإجماع .
حب الإسلام : خطباء الأقليات الإسلامية . ماذا يحتاجون من مقومات خاصة بواقعهم؟
الشيخ حسن السبيكي: خطباء الأقليات لهم من وضعياتهم في بلدان غير إسلامية خصوصيات ينبغي أن يستجيبوا لها في خطبهم ، ومنها الالتزام بهدي الإسلام وشريعته ومقاصده في حماية حقوق الأقليات الدينية والعرقية، والتربية على التسامح الديني بين أهل الوطن الواحد، والتأكيد على أهمية التعايش بين فئات المجتمع بمقتضى مبدأ المساواة وحقوق المواطنة . وهم بذلك يساهمون في تصحيح نظرة غير المسلمين إلى الإسلام ليتأكد أنه دين السلام لكل الناس يرعى حرمة غير المسلم ويعامله بالعدل والإحسان . وخطيب الأقليات في كل ذلك رسول دعوة للخير يحترم القوانين العرفية للبلد ويدعم بخطبه أسباب الاستقرار والأمن ، ويتجنب القضايا والموضوعات التي قد يساء فهمها وتأويلها فتحدث ردود سلبية . ولابد من التفقه أكثر في ألأحكام التي تستدعيها ظروف العيش للمسلمين في غير ديار الإسلام حتى يساعدهم على السلوك الإسلامي في المأكل والمشرب والمعاملات . والخطيب اللبيب المرن يراعي لكل مقام مقالا .
حب الإسلام : ليتك تحدثنا عن أهمية انتقال الخطيب من الدور الخطابي النظري فقط إلى الدور التطبيقي العملي بين جماعة المصلين في مسجده حتى يكون للكلمة تأثيرها ؟
الشيخ حسن السبيكي: مهمة الخطيب لا تنتهي بمغادرة المنبر وإقام الصلاة ، بل تبقى سيرته وقدوته برهان المصداقية لخطبه النظرية . فبقدر ما يتريث بعد الصلاة ليخالط المصلين ويشاركهم الكلام والحوار ، ويستجيب لاستفساراتهم وملاحظاتهم ،ويتقبل انتقاداتهم ، يتمم رسالة المنبر ويزيدها عمقاً وواقعيةً وتأثيرا . وهذا من هدي النبوة ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حاضراً بين أصحابه حضور المبلغ والمربي الناصح الأمين في كل الأحوال ولا يكتفي بالمنبر. ومن شأن حضور الخطيب بين جماعة المصلين أن يزيد من ثقتهم به وإقبالهم عليه بالقبول والرضى والاستجابة . وما أكثر ما يقبل الناس بعد صلاة الجمعة على الخطيب يستفسرون ، وهي لحظة تأثر وتجاوب وانشراح ،أجدر بالخطيب استثمارها ايجابيا .
حب الإسلام : هل يقتصر دور خطيب الجمعة على الخطبة فقط، أم أن هناك أدوارا أخرى ؟
الشيخ حسن السبيكي: من مقتضيات رسالة الخطيب ، وفعاليته ألا يقتصر دوره على خطاب منبر الجمعة ، وإلا تقلصت كفاياته وضاقت دائرة رسالته ونفعه . فحقل الدعوة والوعظ والإرشاد واسع ومتعدد الوسائل والمجالات التي يأخذ منها الخطيب بحسب إمكاناته ووضعيته، كالدروس الوعظية والمحاضرات العلمية والتربوية والمشاركات الموسمية الدينية و الندوات واللقاءات ، والاستفادة والإفادة عبر شبكة الانترنيت وغيرها . وهو أول من ينتفع بتوسيع دائرة نشاطه الدعوي وخبراته ، تنمية لرصيده العلمي والثقافي والمنهجي ، كما يعود ذلك على خطبه نفسها بالغنى والحيوية .
حب الإسلام : سؤال أو أسئلة كنت تتمنى أن نطرحها عليك ؟
الشيخ حسن السبيكي: سؤال حول مدى أثر الانضباط الديني التعبدي للخطيب على صدقه مع الله تعالى و سمعته ومصداقية خطابه ؛ لأن من الخطباء من يضعف عندهم الالتزام التعبدي (عدم أداء الصلوات في أوقاتها، أو عدم حضور الجماعة أو الفجر ) .
ـ سؤال حول مدى أثر السلوك الخلقي للخطيب ، فكيف يقنع الناس ويؤثر فيهم مالم تشهد سيرته الخلقية بين الناس على ما يقول (كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (الصف : 3 ).
ـ سؤال حول مظهر الخطيب وهندامه وهيأته على المنبر ، هل لذلك دور وتأثير ؟
حب الإسلام : خطباء جمعة تحب أن تسمع لهم ؟
الشيخ حسن السبيكي: الخير والحمد لله كثير ، وقد قيض الله تعالى للأمة اليوم خطباء أتقياء مجيدين ، وتيسرت وسائل التبليغ بوسائل الاتصال الحديثة عبر المعمورة . وأجد نفسي محرجاً أن أذكر بعضهم دون بعض وهم كثير، واعتبرهم جميعا أساتذتي ومشايخي الذين اقتبس من خبراتهم الخطابية والدعوية . ومنهم الشيخ عبد الرحمن السديس ، والشيخ محمد حسان، والشيخ إبراهيم الدويش والشيخ يوسف القرضاوي ، والشيخ صالح بن فوزان الفوزان ، وعبد الحميد كشك رحمه الله ، والشيخ راتب النابلسي ،والشيخ محمد المنجد وغيرهم ،وعندنا في المغرب أمثال الشيخ عبد الرحمن البوكيلي، والشيخ عز الدين توفيق وغيرهما .. زادهم الله تعالى جميعاً التوفيق في الدعوة ونفع الأمة ، وأثابهم منه رضى ورضوانا .
حب الإسلام : رسالة ختامية توجهها إلى كل خطيب جمعة ؟
الشيخ حسن السبيكي: أقول لكل خطيب منبر ولنفسي أولاً : إن اعتلاء المنبر تشريف من الله وتكليف ، يجب تقدير أمانته العظيمة ومسؤوليته الجسيمة :
ـ أمام الله تعالى أولاً وأنت بموقع التبليغ والدعوة في بيت من بيوت الله، وبامتيازات لا يحظى بها إلا خطيب الجمعة ، وقد هيأ الله لك المصلين وأوجب عليهم الإنصات والاقتداء.
ـ وأمام الناس وهم على طبقاتهم وفئاتهم يتجهون إليك بعقولهم وقلوبهم ، يثقون بك ويعتبرونك فيهم الناصح الأمين .
ـ وأمام نفسك باستشعار حساسية الموقف وتبعات مسؤوليته التي ، إن أديتها بإخلاص وإحسان كان ذلك خيرا عظيما للإسلام والمسلمين ، وإن قصرت فيها أو أسأت ، كان الأثر السلبي الذي قد لا تدرك مداه وعواقبه العاجلة والآجلة .
فاستمسك بالهدي النبوي في أمانتك ، وأقبل على المنبر بقلبك وعقلك وجوارحك ، صدقاً وإخلاصاً واجتهاداً ومثابرة ، فان فعاليتك الخطابية وآثارها هي بقدر ذلك ،فكن في الناس واعظاً لنفسك وقلبك أولا، فإنهم يراقبون منك الظاهر والله أعلم بالسرائر (..إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً ..) (الأنفال : 70 )، واجتنب خطابات التنفير والتعسير والتكفير وإثارة الفتن . واستعن بالله تعالى وقل رب زدني علما . وقاوم في نفسك نوازع العجب والغرور والاستعلاء . واجتهد في الطاعات وفعل الخيرات واصدق الله فيها يصدقك ، وكن بين الناس على سمت الاستقامة والوقار الذي يكسبك الهيبة والقبول والرضى . واحتسب ثواب الدعوة عند الله وأنت في أشرف موقع منها (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت : 33 ) .وفقنا الله تعالى وإياكم جميعاً لما يحب ويرضى . وجعلنا من أهل محبته ورضاه ورضوانه ...آمين .
نشكر الشيخ حسن السبيكي على هذه الإضاءات التي نسأل الله أن تكون عوناً لخطيب الجمعة في القيام بحق المنبر العظيم ، وجزاه الله خير الجزاء وسدده .