| |
|
|
| |
صحيح أن الإسلام ينهى عن التجسس، وطالما كان صاحب المنكر مستتراً في منكره غير مجاهر ولا معلن به فإن الأمر بينه وبين ربه، وباب التوبة مفتوح، أما أن يعلن المنكر ويدعو إليه ويحارب من يقفون في وجه ترويج المنكرات، فإنه يجب على المجتمع حينئذٍ أن يقيم من يحتسب على هؤلاء لئلا يضطرب انسجامه الفكري وتتفكك منظومته الثقافية ونسيجه الأخلاقي
. |
|
| |
|
|
وهذا الأمر ليس خاصاً بالمسلمين، بل تعمل به كل دول العالم فأمريكا تمنع الدعوة إلى الشيوعية، وألمانيا تحارب دعاة النازية، والصين تضع السدود في وجه جحافل التغريب حفاظاً على نسيجها الاجتماعي، ولئلا تشرب كأس التفكك التي شربها الاتحاد السوفياتي السابق بعد عشر سنوات من السماح باستيراد أطباق البث الفضائي وما يحمله من غزو فكري وكان ما كان.
لقد وازن الإسلام بين حق الفرد وحق الجماعة، وجعل المسؤولية مشتركة. قال صلى الله عليه وسلم (
كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، وقبل ذلك قوله تعالى {
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ}ويجسد هذا ويوضحه المثال العظيم الدقيق الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: (
مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً). رواه البخاري عن النعمان بن بشير رضي الله عنه.
والحسبة ليست أمراً مبتدعاً ولا شيئاً محدثاً، بل هي ضرورة بشرية وحاجة إنسانية إضافة إلى كونها تكليف شرعي، فلا بد للإنسان من أمر ونهي، ولابد أن يأمر وينهى حتى ولو كان وحده، فلا بد أن يأمر نفسه وينهاها.
وإن ترك الاحتساب يؤدي إلى أمور خطيرة منها:
أولاً: وقوع الهلاك والعذاب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (
ما من قوم يعمل بينهم بالمعاصي ، هم أعز وأكثر ممن يعملونه، ثم لا يغيرونه ،إلا عمهم الله بعقاب)..
ثانياً: عدم إجابة الدعاء، قالت عائشة رضي الله عنها قال النبي صلى الله عليه وسلم: (
مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم).
ثالثاً: تسلط الفساق والفجار والكفار وتزيين المعاصي وشيوع المنكر واستمراؤه.
رابعاً: انتشار الجهل وقلة العلم. فهل يسوغ لأحد علِمَ بهذه المنافع العظيمة للحسبة أن يقبل قول من يزعم أن الحسبة تدخل في الحريات الشخصية؟!. وللحديث تتمة .