|
الواحة
|
|
الكاتب حسين وهدان
|
|
الأربعاء, 12 أغسطس 2009 18:57 |
 Share
الحمد لله رب الجودِ والكَرَمِ ، وواهبِ الخيْراتِ والنِّعَمِ ، سبحانه .. ميزانُه الحقُّ ، وكلامُهُ الصِّدْقُ ، وفضله على خلقه سيلٌ مدرار ، وهو العزيز الغفار . وبعد: * يصرخ ضمير العقلاء والمتقين في سمع الزمن .. ويا ليت أهله يسمعون : إنَّا لفي محنة كبرى قد اشتد وقعها واستشرى أثرها كالحريق ، وتولى كِبْرَ الإِرجاف فيها أخلاطٌ من الناس يتسمون بظاهر الهداية ، يجمعهم التسلي بسيرة العباد إما قدحاً وإما مدحاً ، وصاحب الحظ السعيد من سلَّمه الله تعالى من ألسنتهم .
إنها لمََِحنةٌ مُرْبِكَةٌ تفقد المجتمع توازنه ، وتنذره برفع النعم وتوارد النقم ، وقع فيها من لا يتقي الله ولا يعرف قدر الناس ولا قدر نفسه ، فأطلق الأحكام على عباد الله ممزوجةً بنقدٍ آثمٍ يفتقر المصداقية والتعقل ويتشح بالغرابة والسمادة والبلادة ، كأنه لايملك من الدنيا إلا لساناً يَفْرِي ويُحَطِّمُ في قيمة الخلق ، عارٍ عن تفكيرٍ يعقله أو على الأقل يوجهه . ومع الأسف الشديد المحبط لأشواق الحالمين بمنطق العدل والإنصاف ؛ فقد وجد بين الناس نعيق الأصوات بالثرثرة والعجيج ، وظهرت مجالس التجريح بالزيف والضجيج ، وغرق أناس في بحار النقد الآثم والافتراء الظالم .
- عَنَاوِينٌ تُكَذِّبُهَا الْمَضَامِينُ :
ولا تكاد تمر شاردة ولا واردة إلا ولهم فيها رأي ومذهب – كأنهم يعرفون كل شئ - يزعم أحدهم أنه يملك أُهْبَةَ التحليل السياسيِّ والاجتهاد الشرعيِّ والنقدِ الفنيِّ والرياضيِّ والأدبيِّ، ودرسوا تاريخ كل البلاد وعرفوا سيرة الأجداد ، وإذا تكلم أتى بالغرائب من فرْطِ جهله . إذَا بَصُرْتَ بِهِ بَصُرْتَ بِأَشْمُطٍ ، وَإِذَا تُحَدِّثُهُ تَكَشَّفَ عَنْ صَبِيِ فلا تسمع إلا وجهات نظر أحداثٍ صغار، وأوهام تُرسِّخ للجهل الصارخ وتحمي حماه . ومن وراء ذلك غرقت الأمة في طوفانٍ جارفٍ من الآراء السقيمة على كل المجالات ، ولطالما تسامع الناس عن نقود الجهلاء الْخُلَّصِ، وأنصاف المتعلمين، وأعشار المثقفين . إنني أعجب كثيراً من هذه الجرأةِ التي تسوّل للعامة نقد الأغيار والوقوع فيهم، بل و التطاول بهذا أيضاً على الخواصّ من رموز الأمة وعلمائها بنقدٍ بينه وبين المنهجية بُعدَ الْمَشْرِقَيْنِ ، يهدم ولا يبني، ويفرق ولا يجمع ، ويضل ولا يهدي . إنه نقدٌ مبنيٌّ على الظن والهوى، ولا أساس له من منهج أو دليلٍ أو منطق ، وما أكثر ما ذم الله الظن والهوى { إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا} ( النجم 28) ، { إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث.. وكونوا عباد الله إخواناً، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ... } (البخاري – صحيح الجامع16724 بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه ) ، وقال تعالى { ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ... } ( ص 26) ، لكنَّ أصحاب الآراء العوجاء مُعْجَبُونَ حَتَّى النُّخَاعِ بما يقولون ، فلا تراهم إلا على ثقة الظمآن بوجود الماء في الصحراء ، أو على ثقة الميت في العودة إلى الحياة ! ولا يزالون على الإصرار مُتَجَانِفِينَ لآثَامٍ تَرْتَاعُ من حملها الجبال الرواسي . لقد سقط البعض سقوطاً مُدَوِّياً في هذا الأَتُونِ الْمُحْرِقِ ، فاخترعوا من مراسيم الإثم والبراءة ما يتيه له عقل الحليم ولب الرشيد ؛ ذلك لأن معوج الفكر ينظر إلى من يحب نظرة رضىً تامّ، وينظر إلى من يبغض نظرةَ انتقاص وتجريح وبحث دائم عن المساخط والعيوب : وَعَيْنُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ… لَكِنَّ عَيْنَ السُّخْْطِ تُبْدِي الْمَسَاوِيَا لهذا ؛ فغالب الأمر أن أحكامنا على بعضنا لاتتفق على رأيٍ أو اتجاهٍ ، ولا يمكن لها في جوٍ كهذا أن تتفق ، فَمِنَّا من يرى الظلام في رابعة النهار ، وَمِنَّا من يُسَوِّي بين الذهب والخشب ، وصار الْهِرُّ الضعيف – هَزْلاً – يحكي صوْلَةَ الأسد . ولا شك أن المجتمع فيه من يرى الْهَبَاءَةَ في عيون الناس ولا يحسُّ الْجِذْعَ في عينه وذلك من عمى قلبه ، وتاه الحق الصافي بين أدراج الهوى والمصلحة واللذة العاجلة والمأرب الوقتي ؛ ونتيجة لذلك رُفع الظلمةُ بأفواه الجائرين في الأحكام بلسانهم إلى مراقي العُلا ، وَقَلََََّ نصيرُ أهل الخير والعدل والتُّقَى ، وأَفْضَى بهم قطار الحياة - أحيانا - إلى أن يتخذوا مكانا قَصِيًَا ، هرباً من لدغات النقد المتهجم السافر الذي يَنُمُّ عن قلة إيمان، وسوءٍ في الخلق ونقصٍ في الأدب .
- أَصْلِحْ نَفْسَكَ قَبْلَ نَقْد الآخَرِينَ :
إن النقد البنَّاء ماهو إلاَّ محاولة للإصلاح بتجلية العيوب وبيان نقاط المدح ، وهدفه الترقي إلى التصرف الأمثل ونبذ الأخطاء ، وعلى هذ فقد أمرنا الإسلام العظيم بإصلاح أنفسنا أولاً ودعانا بعد ذلك إلى محاولات إصلاح غيرنا { ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ... } ( ذكره موفق الدين بن قدامة في المغني 11/375 بسند صحيح) ، ومن يتأمل هذا النص القرآني الكريم يجده يدير الأمر أولا على النفس ثم يعطف على الأهل ، قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة ... } ( التحريم 6) ، وحتى في طلب الدعاء بالمغفرة يعلمنا القرآن الكريم أيضا أن نبدأ بأنفسنا ، قال الله تعالى { رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ... } ( نوح 28 ) ً فالوقاية من النار مطلب الجميع ولكن على الإنسان أن يقيَ نفسه أولاً ، والمغفرة أيضا مطلب الجميع ولكن على الإنسان أن يبحث عنها لنفسه أولاً ، إن هذا منهج قرآنيٌّ واضح لا بد من الاحتكام إليه في كل الأمور . والهدف المنشود من ذلك هو أن يبدأ المسلم عملية الإصلاح بنفسه ، وخصوصاً في مجال النقد الذي يجب أن يكون ذاتياً طالما أنه يتمتع بموهبة النقد والتفرُّسِ في العيوب .. فلا جَرَمْ ، يبدأُ أَوَّلاً بنفسه ، فهو أولى من غيره . وليكن سؤاله الدائم لنفسه : هل أنا بريء مما أَرْمِي بِهِ غَيْرِي مِنَ الْمَعَايِبِ والْمَثَالِبِ ؟ وهل أتَمَتَّعُ في تَصَوِّرِ الناس عني بهذه الصُّورةِ اللامعةِ الجميلة التي أظنها في مخيلتي ؟ وما هي صورتي الحقيقية في أعين الناس ؟ ربما أنهم ينعتونني بالجهل أو البخل أو الطمع أو الميل إلى الآثام أو غيرها من مُحَقِّرَاتِ الصِّفاتِ ... آهِ لَوْ كانوا يقولون عليّ ذلك . تلك وقفة لا يَقْدِرُ عليها إلا الْمُوَفُّقُونَ ، الباحثون عن عمق الحقائق، والذين لا يكذبون على أنفسهم، ولا يحبون من يكذب عليهم .
يا أيها الرجل المعلم غيره ...هلا لنفسك كان ذا التعليم ابدأ بنفسك فانهها عن غيها... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم لا تنه عن خلق وتأتي مثله... عار عليك إذا فعلت عظيم
ولنا في موقف الفاروق عمر بن الخطَّابِ عبرةٌ ، حين طلب من حذيفة بن اليمان رضي الله عنه - صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم - أن يُخْبِرَهُ : هل وجد اسمه في ديوان المنافقين ؟ ، هذا موقف رجلٍ كريمٍ من رجالات الإسلام يلهم العقل عبراً وكنوزاً أغلى من الذهب ، رجلٍ لا يبحث عمن يمدحه بباطل القول وزوره ولكنه باحثٌ عن حقيقة منزلته التي يحتلها في قلب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ، وتلك منزلة الأبرار .
- تَزْكِيَةُ النَّفْسِ مِنَ الْفَوَاقِرِ :
على الرغم من أن أمر القرآن واضحٌ في البعد عن تزكية النفس ، قال الله تعالى { فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى } ( النجم 32) ومع هذا ؛ فإن البعض يظل يرفع من قدر نفسه حتى يشتهر بين الناس بذلك ، فلا تراه أبداً إلا مادحاً لذاته شارحاً مواطن فخرها - الذي ربما أنه ليس له من الصدق أي نصيب - ويدمن التكرار : أنا لا أخطئُ أبداً ، إن تصرفاتي مضرب الأمثالِ في الحكمةِ وحسنِ التَّقديرِ ، كل الناس تعرفني وتعرف عني أنِّي مُمَيَّزٌ أَينما حلَلْتُ ، ولا يكون هذا المسلك القرآني منطقه أبدا بقول الله تعالى {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ }يوسف53. قد يقرر ذلك على الناس أما هو فلا ، ثم يكرر في مجالسه أحكاماَ نهائيةً تسرح في خاطره فقط، ويسمعها جلساؤه عشرات المرات عن سيرته الْمَرْضِيَّةِ في تفوقه الدراسي الذي كان ، ونبوغه الفكري الذي لايُحَدُّ ، و..و.. !!
وأشدُّ منه بلاءً مَنْ يُصَوِّرُ له خيالُه أنَّ عيوبَه وأخطاءَه محاسناً يُعْجَبُ بها ويدافع عن قبحها ، فيعد طولَ لسانِه وتَهَجُّمَهُ على الناس صراحةً ، وبخلَه حرصاُ ، ونفاقَه ذكاءً اجتماعياً ، واغتياب الناس شهادةَ عدلٍ قوَّامٍ بالحق ، ونميمته بين الخلق تحذيراً من أهل الفسق ، وغَبَّهُ من مباهج الحياة والإغراق فيها تمتعاً بنعمة الله تعالى ، وندرةَ العبادة لديه لا تُضِيرُ ؛ لأنَّ رصيده من حسن التدين الماكِنِ في قلبه لا يُحدُّ !!!. وفي الوقت ذاته لا يرعوي عن تحويل مدائح الناس إلى عيوب فيرميهم بالنقائص لهوىً في نفسه ومرضٍ في قلبه ، فلا ترى الناس في مخيلته المريضة إلا متهمين غارقين في بحار الخطأ ، لأنه لا يستريح لمكانتهم ويزعجه احترام الغير لهم فيحيل الباطل في ثوب الحق لِيُقَلِّلَ من شأنهم : إِذاً ؛ مَحَاسِني الَّتِي أَدِلُّ بِهَا صَارَتْ عُيُوباً فَقْلْ لِي كَيْفَ أَعْتَذِرُ إن الإنصاف يستدعي كل عاقل أن يشتغل بعيبه وأن يحاول علاجه وإصلاحه وأن يفرغ قلبه وتفكيره من عيوب الناس فإنَّه مسئُولٌ عنْ نفسه لا عن الناس ، فعندما يشغله عيبه يعرف الطريق السليم ، ويُصلح ما أفسدته الأيام من أمر الدنيا والدين ، خصوصاً في الزمن الذي تنوّعت فيه الفِتَنُ وقلَّ فيه من يناصر الحق . وصدق النبي الكريم صلى الله عليه وسلم حين قال : { ... حتى إذا رأيت شُحاً مُطاعاً وهوىً متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك ... } ( المنذري في الترغيب والترهيب 4/132 عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه بسند صحيح أوحسن أو ما يقاربهما ) .
- كلمةُ الحقِّ هي الْمَنْصُورَة :
ولو نطق الواقع في حياة الناس لقال إن النفاق والكذب والتعدي الظالم بغثاء الألسنة على عباد الله كلها من زوائف البيان الظالمة، الطائرة مع الريح رغم إكساب قائلها وزرا وأثقالاً من الذنوب، قال الله تعالى { فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ... } ( الرعد 17) . فكل من نافقك أو ناصرك على الناس في موقف باطلٍ، ونقدهم من أجلك وشوَّهَ صورتهم، إنسانٌ غير مأمون في دينه ؛ وبالتالي فهو غير موثوقٍ به ، فربما يقف ضدك في غد يناصر غيرك إن مصلحته تسير في هذا الإتجاه؛ لأنه لا مبدأ لديه يعصمه من هذا الإلتواء في السلوك . ولأنَّ حق الله تعالى غالبٌ دائماً فسيبقى الحق الصراح في آخر الجولات أبداً هو النافع الباقي زينة للتاريخ وإثباتاً للعدل .
- لا إهدار للنقد الهادف :
وكل القصد مما سبق هو البعد عن التجني وسوء النية ورجم الناس بالعيوب ، وليس القصد منه إطلاقاً إهدار قيمة النقد الهادف البنَّاء الذي تسمو به المطالب وتزكو به طرائق الحياة؛ لأنه طلبة المؤمن الغالية من أولى الأحلام والنهى؛ حتى يقوِّم به أخطاءه ويصلحَ به ما أفسدته الأيام من حاله { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعضٍ لفسدت الأرض ... } ( البقرة 251) والمؤمن للمؤمن نصير في الحق، صادق ومعين في المشورة المنصفة، وجامع شأنه أنه مرآة صافية لأخيه . فليقبل المرء ما كان فيه ضبط لمساره، وهداية لخطاه، شريطةَ أن يكون صادراً من عقل زكيٍ ولسانٍ حكيم حتى يستطيع إهداء تمام النقص بلا تجريح ، وفي الأثر [ أشكر من أهدى إلىَّ عيوبي ] . *** ولكل ما سبق ؛ فنحن مدعون إلى أن نكون خفافاً بألسنتنا على بعضنا : ) ، متعاونين في رأب صدع النفوس بالنصح الحكيم تارة، وبالإغضاء تارات ، ولا نشغل أنفسنا إلاَّ بأنفسنا ، وإذا عرضت لنا مواقف الحكم والنقد والتجريح للغير فالهرب من هذه المهاوى من حسن الفطن ، والحق عصمة اللسان وفيه هداية لكل بني الإنسان ، حيث يعم نوره أفق الحياة.
إن البشرية الضالة الآن تسبح على بحورٍ من النفاق العالمي العام على شتى المجالات ، لأنها فاقدة لأصول الحكم المنصف ، والهوة تزداد كل يوم عمقاً ، ومن وراء ذلك داءاتٌ لا حصر لها في سوق الأخلاق والقيم ، والعالم يئن من فرط جراحه ويتوجع بأخلاقه ، ومشكاة النور الباقية الوحيدة بيدك أنت يا ابن الإسلام فلا تهملها ، بل احمل أمانتها فأنت أحق بها وأهلها .
|