2012/05/18 ميلادية
الجمعة 27/6/1433 هجرية    
منوعات الواحة عَلَى الأبْوابِ ضيفكَ .. يَا كَرِيمُ
lang_03 lang_05  lang_07  lang_09




عَلَى الأبْوابِ ضيفكَ .. يَا كَرِيمُ طباعة إرسال إلى صديق
الواحة
الكاتب حسين شعبان وهدان   
الاثنين, 09 أغسطس 2010 14:19
Share

Share

أكرم ضيف على المسلم

أكرم ضيف على المسلم

 

إنه الآن واقفٌ بالباب يدقُّ بيدِ العزْمِ في طلب العُلا والغفرانِ وزيادةِ الإيمان ، تلقاهُ في ربوعِ الأوطان من أرض الإسلام وهداية القرآن ، في كل مدينةٍ أو بلدٍ أو قريةٍ ، بل وفي القِفَارِ والفيافي ينشر ضياءَ قدومِه من الآن .

 

يقف أغلى الأضياف قيمةً وأعزهم قَدْراً وأكثرهم كرماً على أبوابِ قلوبِ الأحبابِ من حملةِ الكتابِ وأتباعِ النبيِّ وقُفَاةِ سُبِلِ الأصحاب  .. إنه رمضانُ يا ابن الإسلام.. ضيفُكَ المعهودُ الحاضرُ الغائبُ في كلِّ عام ، يرفلُ في ثوب العطاءِ والمنحِ من طرازٍ خاصٍ ، يَقْدُمُ في العام كما تعلمُ مرةً ، ولكنه قدومٌ يملأ الدنيا رحمةً وبهجةً إيمانيةً غامرةً لا تستشعرها القلوب إلا فيه ، وسبحان من جعل أجمل الأرزاق فيه ما كان حظاً للقلوب المطمئنة.


إن شهراً نزل فيه القرآن ليكون هداية الأبد للأمة لكفيلٌ بحسن الاستقبال، وشهرٌ تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبوابُ النار حريٌّ بحسن الاستقبال ، وشهرٌ فيه ليلةٌ يزيد عطاؤها بكل المعاني عن ألف شهرٍ حريٌّ بحسن الاستقبال ، إضافةً إلى ما فيه من الوعد الحق بغفران الذنوب بالصيام والقيام وسائر أنواع القُرَبِ والطاعاتِ لكفيلٌ باليقظة والاهتمام باستقباله وحفظ مقامه والوقوف على أسباب التوفيق فيه .. وتلك أهم المطالب في هذه الأيام.

 

والناس على درب الاستقبال في اكتناز المكارم وفقدها أصنافٌ ، فمنهم من يستقبله استقبالا لائقاً بحرمته فيرعى منه العادة ويحولها إلى عبادة ، ويستزيد في طلب الهدى بالتزام الفرائض والحرص على النوافل، والفوز منه بسابغ البركات من تلاوةِ قرآنٍ، وقيامِ ليلٍ، وصلةِ رحمٍ، وإطعامِ طعامِ، وحضورِ علمٍ، واعتكافٍ، وبذلِ صدقاتِ وغيرِها من كنوزِ الحسناتِ المعروضةِ طيَّاتِ هذا الشَّهرِ الكريمِ ، ولا شك أن هذه الصنوف من القرباتِ لا بد لها من استعدادٍ وعُدَّةٍ ومنهج وصحبةٍ مُعِينةٍ على ارتياد هذه الآفاق من الخيرات ، قال الله تعالى :{ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً } (التوبة: من الآية46) ، ومنهم من تنكبته العراقيل والشواغل التي أفقدته المشاعر الحية المنشودة والتي يجب أن تكون ملء القلوب هذه الأيام ، من الناس من اقتفى سبل التقليد وسعى في رمضان كما يسعى صنف من البشر ، في طقوسٍ مبتورةٍ تماماً عن مقاصد التشريع في الصيام والقيام وسائر الفضائل والقربات ، ويعطل عقله بمنعه عن مجرد التفكير في التغيير لأنه يلفي نفسه على قوافي السلامة منذ أزمان ، فعجلة الأيام به دائرةٌ منذ رؤية الهلال وحتى صلاة العيد في آليةٍ حركيةٍ لا يجد فيها أهل التقليد عوجا !  وحالهم كهذا الذي له ساقيةٌ تأخذ الماء من النهر وترده إلى النهر بلا فائدة ، ولما أبدى الناس له العجب فقال في إهمال فكرٍ وجودة تقليدٍ : "يكفيني من الساقية نعيرها" ، فهذا هو حال شريحةٍ من المستقبلين للشهر الكريم يقنع نفسه بأنه على الصواب ، وما أدراك ما حاله ؟ إنه كمسلمٍ يصبح يوم الجمعة فيسأل : ما اسم هذا اليوم ؟ ولو كان يعرف ما الجمعة وفضلها وشرفها لاستقبلها بشوقٍ منذ الأمس؛ لأنه ينتظرها لسبع أيامٍ خلتْ .

 

 ضرورة الاستعداد :

 

وكل شيء في الدين والدنيا ذا بالٍ لا بد له من همةٍ في الاستعداد ؛ فحينما ألقى الله أمانة الكتاب على نبيه الكريم يحيي عليه السلام قال له :{ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ } (مريم: من الآية12) ، فهذا استعداده .

 

وقضى القرآن العظيم وسنة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بطائفةٍ من الاستعدادات حتى يتمكن المؤمنون من الفوز والفلاح في الصلاة ؛ قال الله تعالى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً } (النساء:43) ؛ فهي إذن أحكامٌ هامةٌ قاضيةٌ على كلِّ مصلٍّ أن يأخذ حِذْرَهُ من السُّكْرِ وأن يتعلم أحكام الجنابة، وأحكام المرض والتيمم ، ومن هذا الاستعداد للصلاة قَوْلُ النبي الكريم صلى الله عليه وسلم :{  إن الله تعالى لا يقبل صلاة بغير طهورٍ ، و لا صدقةً من غلولٍ} ( الألباني في صحيح الجامع 1855 بسندٍ صحيحٍ عن أسامة الهذلي والد أبي المليح رضي الله عنه ) ، فالطهارة للصلاة من أهم واجبات الاستقبال لها ، وتارك الطهارة مع التمكن منها لا تفتح له أبواب القبول لأنه أساء استقبال صلاته .

 

فهذه سنةُ الكتاب العزيز في ضبط حال المسلم قبل العبادة ، نجدها كذلك في أمر الزكاة ، قال الله تعالى : {  وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ  }(الأنعام: من الآية 141) ، فهذا استعدادٌ بالتذكر قبل حلول زمان الزكاة ، ومن ذلك أيضاً أمر قضاء الحوائج قد انتخب له الشرع الاستعداد بالكتمان، فقد قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم :{  استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان ؛ فإن كل ذي نعمة محسود } ( الألباني في صحيح الجامع 943 بسندٍ صحيحٍ عن معاذ بن جبلٍ وعمر بن الخطاب وابن عباسٍ وعلى بن أبي طالبٍ رضي الله تعالى عن الجميع )

 

لقد غدا شهر رمضان موسماً ذا حراكٍ دؤوبٍ لأصحابِ الحرفِ والصنائعِ الغذائيةِ والاستهلاكية (نسأل الله أن يرزق المسلمين من واسع فضله) مع ضرورة إخراج الصور الموغلة في التشاغل بالمأكول والمشروب والمُشاهَدِ ووسائل الترفيه.

 

أما استعداد أهل الفن فأمرٌ عجابٌ ، مهما قلبته على وجهٍ عاقلٍ فإنك لن تجد له مساغاً في دائرة القبول.

 

جاء في جريدة الأهرام القاهرية بعددها رقم " 45185" الصادر يوم الثلاثاء " 27/07/2010 م " ما يلي : [ها هي القنوات الفضائية قد استعدت طوال أحد عشر شهرا لإنتاج مسلسلات للعرض حصرياً في شهر رمضان الكريم وصل عددها إلي مائتي مسلسل‏,‏ هذا فضلا عن المنوعات وبرامج التسلية والمسابقات والفوازير والإعلانات وقنوات العري ]‏.

 

والأوزار التي تزيد كل عامٍ بسبب الكثير من القفزات الإعلامية المخالفة للشرع والمحطمة للقيم والأخلاق ، من سيحمل هذا الكفل من الآثام ، وهداية العقول الحائرة دائماً نلقاها في كتاب الله تعالى القائل عن هؤلاء وأمثالهم :{ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ } (النحل:25) ، والقائد والقدوة غير المكرمة هو إبليس اللعين.

 

فمتى سيترك هؤلاء الوالجون أبواب الهلاك توهمات النجاة الكاذبة قبل أن يختم الله تعالى حياتهم في موعدٍ غير معلوم.

إن سفينة الحياة السائرة بلا توقفٍ كل عامٍ على غير تفكيرٍ رشيدٍ وتوبةٍ صادقةٍ من الخائف على عمره من الضياع وعلى نفسه من العذاب إنما هي سفينة الهلكى.

ولكثير من النساء صورٌ أُخَرٌ فعليهن والواجب عليهن ألا يشغلن بأي شيء على حساب التطهر وبث نسائم الإيمان لأرواحهن .

 

شهر رمضان شهر لتأديب النفوس بالصيام؛ ولذا فالمسلمون ينتهزون الفرصة فتراهم يستعدون كلٌ على قدر تقواه لربه ومولاه ، محافظين على صلة الرحم وقيام الليل وتدبر القرآن مما جعلهم مبتعدين عن التشبه بقوم سادرون في بحر الهوى والغفلة عن الكنوز الحقيقية ، كل ذلك حتى ينالوا الفضل العظيم الوارد في الحديث الشريف { ... ويقول القرآن : رب منعته النوم بالليل ؛ فشفعني فيه ، فيشفعان } ( الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 1429بسندٍ صحيحٍ عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه )

 

 المطلوب هو استعداد القلوب:

 

إن المسلمين يحتفون بقدوم رمضان احتفاء حقيقيا وهذا ما جعل الكثير منهم يبتعد عن التشبه بمن يجعل كل همه في قضية الاستعداد أن يتخم بطنه بما يغمرها ويطمرها ، مع شهوده للزور وبعده عن الصلوات والطاعات ثم يقنع نفسه بأنه أدى ما عليه فإن هذه الأفكار أفكار المفاليس.

وكل ما هو مطلوب اليوم _ أخي الكريم _ هو تميزٌ عن الناس بوقفة صدقٍ مع الله ، ومع النفس باستنفار جواهر المعاني الكريمة التي تبيض الوجه مع ربنا واهب النعم ، والإكثار من الطاعات التي تزيد من حياة القلوب.

 

ضيفكم الكريم – يا أهل الكرم -  سيطرق آخر طرقاتِهِ على أبواب القلوب بعد لحظاتٍ ، والجواب المُنتظَرُ لن يكون إلا بنياطها وشآبيبها ، بفرح القدوم للضيف الذي طال انتظاره ، كما كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين صدقوا في إيمانهم ، يشرح حالهم سيدنا علي بن أبي طالبٍ رضي الله تعالى عنه بقوله :[ كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يستقبلون رمضان بستة أشهر ويدعونه بستة أشهرٍ أخرى ...] ، وعلى ذلك فالسنة كلها كانت إلهاماً ودرساً وعبرةً ومعايشةً لبركات رمضان .

والإمداد على قدر الاستعداد.

 

 يا كريمَ القلبِ مُرْتَادَ القِمَمِ:

 

صفقةُ غُنْمٍ لو دامت على هذا المعنى من بدايتها ، وسيكتب الله لها كمال نهايتها ، كما قيل في الحِكَمِ :[ من علامات النجاح في النهايات الرجوع إلى الله تعالى في البدايات ، ومن أشرقت بدايته أشرقت نهايته ]؛  فإن ربنا رب قلوب :{ إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم . ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم } ( صحيح مسلم 4651 بسندٍ صحيحٍ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) .

 

إنه لحنٌ صافٍ مخلوطٌ من الورع والخشية والإخبات والمراقبة وحسن الاتباع لسيد البشر صلى الله عليه وسلم ؛ فخذ حظك من هذه الغنائم المنشودة لإصلاح القلوب واشحن الهمم بزادٍ لا ينفد من التقوى واليقين.

 

انهض ، وافتح للضيف القادم كل أذرعة الوداد المُسْتَكِنِّةِ في قلبك ؛ إن الخوف المحذور قادمٌ – إن أهملت -  وسيهولك المشهد العام يوم القيامة حين تُبلى السرائر فترى أقواماً خرجوا من رمضان وهم على رؤوس القمم لأنهم كانوا ممن يحسنون استقبال الضيوف ، وأقواماً أُخَر ما زالوا يتسكعون على سفوح البطالة لأنهم سمعوا الأبواب المطروقة ولم تنهض بهم هِمَّةٌ الواجبات ولم تَرْقَ لهم عزيمة عن المحرمات.

 

استعدَّ والله معك .. يؤيدك ويهـــــــــديك .


وآخر الكلام .. لا ينفد من عمق السلام .


لأخوتي في الله .. أهلي أهل الــــــــوفاء .


تذكروني بخير .. واشملوني بالدعــــــــاء.


يــــــرعــــــاكـــم الــــــــرحــــــــــمـــــــــن.

 

حسين شعبان وهدان

إمام و خطيب بأوقاف القاهرة.

آخر تحديث: الثلاثاء, 10 أغسطس 2010 19:35
 
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية


حب الإسلام يجمعنا
JoomlaWatch Stats 1.2.9 by Matej Koval