
Share
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وآله وصحبه أجمعين أما بعد :
فإن لله مواسم خيرات يغفر فيها الذنوب والخطيئات ويقيل العثرات ويتجاوز عن السيئات ويعظم فيها الأجر ويضاعف الحسنات فالله الله إخوتي أن تفوتنا هذه المواسم الخيّرات، فالأعمار محدودة، والأنفاس معدودة، جعلني الله وإياكم من المسارعين للخيرات ولها سابقين.
قال تعالى:( إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَـٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمٰوٰت وَٱلأرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذٰلِكَ ٱلدّينُ ٱلْقَيّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ) [التوبة:36].
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية:
"وإنما كانت الأشهر الحرم أربعة ثلاث سرد وواحدة فرد، لأجل أداء مناسك الحج والعمرة، فحرّم قبل أشهر الحج شهراً وهو ذو القعدة لأنهم يقعدون عن القتال وحرّم شهر ذي الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج ويشتغلون بأداء المناسك، وحرِّم بعده شهراً آخر وهو المحرم ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين، وحرّم رجب في وسط الحول لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن يقدم من أقصى جزيرة العرب فيزوروه ثم يعود إلى وطنه فيه آمناً، ثم قال عند قوله تعالى: (فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ)، أي في هذه الأشهر المحرمة لأنها آكد وأبلغ في الإثم من غيرها كما أن المعاصي في البلد الحرام تعظم، فكذلك الشهر الحرام تغلظ فيه الآثام.
وقال ابن عباس رضي الله عنه فيها أيضاً: (فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ) في كلهن ثم اختص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حراماً وعظم حرمتهن وجعل الذنب فيها أعظم، والعمل الصالح والآجر أعظم، وقال: (إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزراً من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيماً، ولكنّ الله يعظّم من أمره ما يشاء) انتهى.
الله أكبر يا أحبتي، ما أعظم الله وأرحمه بعباده إذ حرَم الظلم وشدّد في تحريمه في الأشهر الحرم وتذكر أخي الحبيب بهذه الوقفة إخوة لك في الإسلام في أصقاع من الأرض كثيرة يظلمون.كل جرمهم إنهم بربهم يؤمنون، وبدينهم متمسكون، فنهبت أموالهم، وهدمت ديارهم، وانتهكت أعراضهم، ويتِّم أطفالهم. فلم يجدوا ما يسدون به جوعتهم أو يسترون به عورتهم أو يحمون به أعراضهم أو داراً تقيهم حر الصيف أو برد الشتاء فهلاّ جعلت لهم أخي من دعائك حظاً ونصيباً ومن مالك ما تحتسبه عند الله، فيخلفه عليك ربك في الدنيا والآخرة.
وأنت ـ أخي الكريم ـ، الله. الله في تعظيم حرمات الله.
إياك ـ أخي ـ ثم إياك والظلم، إياك وظلم نفسك بارتكاب المعاصي والمنكرات وترك الصلاة ومحاربة الله سراً وجهراً، فإنه يمهل ولا يهمل، ولله سطوات يهلك بها الظالمين فاحذرها، إياك أخي وظلم الناس وأكل أموالهم بالباطل أو إيذائهم بالقول أو الفعل، فإن حرمة المؤمن عند الله عظيمة جداً، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب وقد وعد الله بأن يستجيب لها ولو بعد حين، جعلني الله وإياكم من المعظمين لحرماته والحافظين لحدوده. آمين .