الحمد لله ولا إله إلا الله وصلى الله وسلم على رسول الله تسليما كثيرا.
منذ الماضي البعيد اختار الله بقعة على الأرض في مكة المكرمة ، وجعلها مكاناً لأول بيت وضع للناس وأمر ببنائها وسماها الكعبة.
وأمر الناس أن يأتوا إليها ويطوفوا حولها داعين لله وحده لا شريك له ، ذاكرين لله القدير ، متذللين لله العظيم ، فأصبحت أفئدة المسلمين تهوي إلى الكعبة لأداء مناسك الحج والعمرة. ثم جاء الرسول صلى الله عليه وسلم وفصَّل للمسلمين كيف تكون العمرة إلى بيت الله ، وكيف يكون الحج إلى بيت الله.

- ينبغي على المسلم أن يؤدي العمرة مرة واحدة في عمره ، وإذا زاد أكثر من عمرة فقد نال زيادة في الأجر ، ولذا اعتمر الرسول صلى الله عليه أكثر من عمرة في حياته.
قال صلى الله عليه وسلم: (الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ) متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم: (تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد). رواه النسائي وغيره وصححه الألباني.
- وقت العمرة مفتوح طيلة السنة؛ فيستطيع الإنسان أن يؤدي العمرة مثلا في شهر صفر، أو شهر شعبان، أو حتى في أشهر الحج كشوال وذي القعدة ... الخ ، سواء في الليل أو النهار.
أما العمرة في رمضان فإن لها فضيلة خاصة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (... فَإِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَاعْتَمِرِي فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ تَعْدِلُ حَجَّةً.) رواه مسلم .
- يجب أن تكون نفقة العمرة من المال الحلال، وأن يستعين في سفره برفقة صالحة تعينه على الخير وأن يتخلق بأحسن الأخلاق؛ قال الله سبحانه: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ} (197) سورة البقرة.
- تبدأ العمرة من عند المواقيت، وهي أماكن معروفة تحيط بمكة، ومطلوب ممن أراد العمرة أو الحج أن لا يتجاوز تلك المواقيت وهو لم يعقد النية ويلبس ملابس الإحرام ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ( إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّأْمِ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ؛ هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ) رواه البخاري.
والمواقيت على النحو التالي:
1- ميقات ذي الحُليفة: وتسمى الآن آبار علي، وهي أبعد المواقيت عن مكة، وهي ميقات أهل المدينة وكل من أتى عليها من غير أهل المدينة.

2- الْجُحْفَةَ: وهي ميقات أهل الشام ومصر وسائر أقطار المغرب العربي ومن كان وراء ذلك، وقد اندثرت هذه القرية التي كانت تسمى أيضا (مهيعة) ولما كانت محاذية لمدينة رابغ وقريبة منها حلت مدينة رابغ محلها فأصبحت هي الميقات.
3- قرن المنازل: وهو ميقات أهل نجد، ويسمى الآن (السيل الكبير).
4- يَلَمْلَمَ: وهو ميقات أهل اليمن، وقد حلت محله الآن بلدة السعدية.
5- ذات عرق: وهو ميقات أهل العراق وأهل المشرق، واسمه الآن الخريبات.
6- من كان دون ذلك: أي من كان سكنه ما بين هذه المواقيت ومكة مثل أهل أم السلم وأهل بحرة وأهل الشرائع وكذلك أهل جدة فإنهم يحرمون من بيوتهم .
7- أهل مكة : من أراد مِن أهل مكة أو من كان بها أن يعتمر فعليه الخروج من حدود الحرم ، وأقربها إلى الكعبة منطقة تسمى التنعيم حيث مسجد السيدة عائشة رضي الله عنها حاليا، ويقع شمال الكعبة بحوالي أربعة أميال، يليه مكان يسمى الجعرانة ويبعد عن الكعبة شرقاً بحوالي ثمانية أميال، ثم من جهة الغرب الحديبية والتي تبعد حوالي عشرة أميال، وأخيراً من جهة الجنوب (جهة عرفة) منطقة نمرة والتي تبعد حوالي ثلاثة عشر ميلاً عن المسجد الحرام، فيخرج إلى أي هذه الأماكن فيُحرم منها من أراد أن يعتمر من أهل مكة أو ممن بداخلها
وهذه خريطة مبسطة لحدود الحرم المكي:

( والحمد لله فالآن هناك علامات توضح لك الحدود ) مثل هذه:


إذن لكل أهل بلد في العالم ميقات يخصهم ، عندما يصلون إليه يبدأون مناسك العمرة.
- عندما يصل المسلم الذي يريد العمرة إلى الميقات يقوم بلبس الإزار، وهو لباس أبيض يلفه المسلم حول نصف جسمه السفلي من جهة عورته ورجليه، وكذلك يلبس رداءً، وهو لباس أبيض يلفه حول جسمه العلوي من جهة صدره وبطنه وأكتافه. قال صلى الله عليه وسلم: (وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين) رواه أحمد وصححه الألباني.
- بعدما يلبس المحرم ملابس الإحرام يقول: "لبيك عمرة". وورد في الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة ) رواه ابن ماجه وصححه الألباني ، ولأن العمرة مثل الحج؛ فهذا الدعاء يذكر المسلم منذ البداية بوجوب الإخلاص لله والابتعاد عن كل أنواع الشرك الظاهرة والخفية.
- فإذا قال المسلم ذلك فإنه قد دخل في العمرة ؛ ولذا ستحرم عليه بعض الأمور التي كانت مباحة حتى ينتهي من عمرته ، وهذه الممنوعات تسمى: (محظورات الإحرام) ، وهي على النحو التالي:
1- أن لا يصطاد شيئا من صيد البر كصيد الطيور والأرانب ونحوها ، قال الله سبحانه: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا).

أما إذا دخل حدود المنطقة الحرام بمكة فلا يجوز حتى تنفير الصيد، بل ولا يقطع النبات من الأرض ؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا) رواه البخاري.
2- أن لا يحلق شعر رأسه حتى ينتهي من عمرته. إلا إذا كان هناك عذر يبيح له حلق شعر رأسه مثل أن يشتكي مرضا من رأسه؛ فيجوز له أن يحلق شعر رأسه ولكن يقوم بأداء الكفارة ، قال الله العظيم: (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة: 196])، وقال صلى الله عليه وسلم لرجل كان محرما ويشتكى من بعض الحشرات بسبب بقاء الشعر في رأسه: (احْلِقْ رَأْسَكَ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوْ انْسُكْ بِشَاةٍ) رواه البخاري.
3- أن لا يقص أظافره حتى ينتهي من عمرته.
4- أن لا يستخدم الطيب وكل معطرات الجسم والملابس ونحوها حتى ينتهي من عمرته.

5- إن كانت له زوجة فلا يجوز له أن يجامعها حتى ينتهي من عمرته.
6- لا يجوز له أن يخطب أي امرأة من النساء حتى ينتهي من عمرته.
7- لا يلبس العمامة، وهي أي لباس صنع خصيصا للرأس مثل هذا:
8- ولا يلبس القميص، وهو لباس يلبس من عند الكتف لنصف الجسم، وأحيانا يمتد إلى الرجلين.


9- ولا يلبس السراويل وهو لباس يمتد من السرة إلى الفخذين، أو إلى الركبتين، أو إلى الكعبين.

ولا يجوز لبس السروايل إلا إذا لم يجد الإزار، يقول صلى الله عليه وسلم: (... وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ) رواه البخاري.
10- ولا يلبس البرانس.

11- ولا يلبس الخف (الخاص بالقدمين) على القدمين

ويجوز له أن يلبس الخف في حالة واحدة إذا لم يجد النعلين ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (... مَنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ ...) رواه البخاري. ويلبس الخفين بدون أن يقطعهما كما أفتى بذلك الشيخ ابن باز وابن عثيمين وغيرهم كثير رحمهم الله.
12- أما المرأة فإنها تلبس ما شاءت من ملابس وبأي لون كان ولكن لا تلبس النقاب ولا تلبس القفازات ، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (... وَلَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ) رواه البخاري.


أما إذا واجهت رجالا أجانب فإنها تغطي وجهها ، تقول عائشة رضي الله عنها: (كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات؛ فإذا جاوزوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها؛ فإذا جاوزونا كشفناه) رواه أبو داود ولابن ماجه معناه وصححه الألباني.
وبالعموم ينبغي على المرأة التستر والابتعاد عن كل ما يفتن الرجال حولها.
- ثم يبدأ التلبية قائلا: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ
ومعنى كلمة لبيك اللهم: يا ربنا إنا نستجيب لندائك يوم أن أمرتنا أن نحج ونعتمر إلى بيتك المعظم
ويكرر المسلم التلبية كلما سنحت له فرصة أثناء سفره ، وتستمر معه التلبية حتى يصل إلى الكعبة.
- إن وصل إلى الكعبة فاستطاع أن يقبل الحجر الأسود الموجود في أحد أركان الكعبة كان ذلك من السنة فإن لم يستطع أن يقبله فيلمسه بيده أو بأي شيء ثم يقبل يده؛ فإن لم يستطع أشار إلى الحجر الأسود دون أن يقبله.

ثم يجعل الكعبة على يساره ويكشف عن كتفه الأيمن

ويبدأ الطواف حول بيت الله سبعة أشواط، بحيث أن الشوط الواحد يبدأ من الحجر الأسود وينتهي إلى الحجر الأسود.

أثناء الطواف سوف يمر المسلم بالركن اليماني ، وهو أحد أركان الكعبة ، وهو قبل ركن الحجر الأسود مباشرة ، ولا يقبله ولا يكبر عنده وإنما فقط يمسح بيده عليه إن تيسر

- في بداية الشوط الأول يقول المحرم: (بسم الله ، الله أكبر ) أما في بقية الأشواط فإنه يكبر الله فقط.
وفي نهاية كل شوط خاصة بين الركن اليماني والحجر الأسود من السنة أن يدعو الله بهذا الدعاء الطيب: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار).
ليست هناك أدعية خاصة بكل شوط من أشواط الطواف السبعة؛ فعلى المسلم أن يدعو الله بما يتمنى وإن استطاع أن يحفظ شيئا من أدعية الرسول صلى الله عليه وسلم الجامعة كان في ذلك أجرا عظيما .
ويكثر من ذكر الله أثناء الطواف حول بيت الله.
- على المسلم أن يبتعد عن مزاحمة الناس؛ فإن زاحموه فلا يؤذيهم سواء في الطواف أو في غيره.

- إذا انتهى من الشوط السابع يتوجه مباشرة خلف مقام إبراهيم عليه السلام، مبتعدا عن مزاحمة الناس، ثم يصلي ركعتين ، وإن لم يتيسر له ذلك فيصليهما في أي مكان من المسجد الحرام ، ومن السنة أن يقرأ في الركعة الأولى سورتي الفاتحة وقل يا أيها الكافرون، ويقرأ في الركعة الثانية سورتي الفاتحة وقل هو الله أحد.

- ومن السنة بعد ذلك أن يشرب من ماء زمزم ويدعو الله بما يحب.
- ثم يتوجه إلى المسعى ، وهو مكان بين جبلين:
الجبل الأول: يسمى الصفا
والجبل الثاني: يسمى المروة
فيصعد إلى الصفا ، ويصف لنا الصحابي الجليل جابر بن عبدالله رضي الله عنه كيف فعل النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع عندما جاء إلى الصفا فيقول: (فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقِيَ عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ وَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) رواه مسلم.
ثم ينطلق من الصفا إلى المروة وهذا يعتبر شوطا واحدا ، وفي الشوط الواحد توجد منطقة عليها علامات خضراء فمن السنة أن يجري الإنسان بينهما .

- أثناء الشوط الواحد ليست هناك أدعية خاصة بكل شوط من أشواط السعي السبعة؛ لذا على المسلم أن يدعو الله بما يتمنى، وإن استطاع أن يحفظ شيئا من أدعية الرسول صلى الله عليه وسلم الجامعة كان في ذلك أجرا عظيما
ويكثر من ذكر الله أثناء السعي
كما يجوز له أن يقرأ القرآن خلال الشوط.
- إذا وصل إلى المروة يصعد إليها ويفعل مثلما فعل على الصفا .
وهكذا يفعل في كل شوط من أشواط السعي حتى ينتهي من الشوط السابع عند المروة؛ فيخرج من بوابة الحرم باتجاه الحلاقين ، فإذا حلق رأسه كان ذلك أفضل ونال أجرا عظيما وإن قصر تقصيرا شاملا لجميع شعر رأسه نال أجرا ولكن أقل من التحليق.

- أما المرأة فإنها تقص من شعرها مثل رأس الأصبع من كل ضفيرة ولا تزد على ذلك. بهذا تكون عمرة الإنسان قد تمت؛ فبإمكانه أن يرجع إلى بلده سالما غانما،
والحمد لله رب العالمين.