من الأدلة العقلية القرآنية على وجود الخالق وأسمائه وارتباط ذلك بالإيمان والإسلام


بسم الله والحمد لله كثيرًا والله أكبر كبيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلًا
ولا حول ولا قوة إلا بالله
 خالقُ كلِ شيء، والبارئُ والمصورُ ومن له الأسماء الحسنى 
وهو على كل شيء وكيل
أشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار، رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار
وأشهد أن محمداً رسول الله
صلى الله عليه وعلى سائر رسل الله وأتباعهم وسلم تسليما
اللهم اهدنا ووفقنا وأرشدنا وأصلحنا ويسر لنا وأتم علينا النعمة واجعلنا مباركين أينما كنا

 

 

ما تيسر

من الأدلة العقلية القرآنية على وجود الخالق وأسمائه

وارتباط ذلك بالإيمان والإسلام

 

مقدمة

هذا موضوع عن الإيمانِ وأهميته ووضوح أدلته القرآنية وتسلسلها العقلي

  • ابتداء من الإقرار بوجود مخلوقاتٍ فجهة خالقة لها
  • ومروراً بسلسلةِ الإقرار العقلي لأسماءِ الخالقِ الحسنى، مثل: الواحد والمالك والرزاق والرب والأعلى والحكيم سبحانه.
  • وانتهاءً بالإلزام العقلي بأركان الإيمان مثل: ألوهية الله لا إله إلا هو والإيمان باليوم الآخر والرسل والكتب، وآخرها القرآن وما تضمنه: من أركان الإسلام وأحكامه مثل: الحِجاب والمواريث والحدود والأخبار الغيبية، ونحو ذلك مما يثار بين الناس

فالموضوعُ يستهدفُ مَنْ أقرَّ بالخالق، وأما مَنْ لمْ يقر بالخالق فالموضوع تضمن:

  • جواباً مختصراً له.
  • وجواباً مُطولاً مُؤجلاً 

 

أهمية الإيمان

إن الله خلق الناس في هذه الدنيا ليختبرهم

فمن آمن فله الجنة يوم الحساب، ومن كفر فله النار يوم الحساب، كما في الآيات:

  • {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}
  • {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ}
  • {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ}
  • {وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}

 

وبسبب هذا المصير النهائي العظيم صارت قضيةُ الإيمانِ أهمَّ قضية.

ولا يمكن أن تساويها أيُ قضية مهما كانت عظمتها سواء:

دولية أو اقتصادية أو تقنية أو صحية ... الخ

لأن كل هذه القضايا لها تاريخُ صلاحية محددٍ تنتهي عنده إما بالموت أو بانتهاء الدنيا

وهذا بلا شك سيُخفض أهمية كل تلك الدنيويات

بخلاف قضية الإيمان فتاريخ صلاحيتها لن ينتهي؛ بسبب تعلقه بالخلود في الحياة الآخرة.

 

وإذا كانت قضية الإيمان بهذه الأهمية فلا بد أن تكون براهينُها العقلية واضحةً

وهذا هو الحاصلُ فعلاً، فإن أدلةَ الإيمان موجودةٌ في الواقع بكثرة وبوضوح

وتبدأ من: اليقين بوجود مصنوعات بشرية ومخترعات

لتنتهي سريعاً إلى: الإقرار بوجود جهة بشرية صانعة ومخترعة

فكذلك قضية الإيمان

فإنها تبدأ من: اليقين بوجود المخلوقات بأعدادها الضخمة

وتنتهي سريعاً إلى: الإقرار بوجود:

جهة خالقة

 

وقد ذكر القرآن هذه الدلالة العقلية، وعلى سبيل المثال هذه الآية:

{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}

ومعنى الآية:

إن وجود المخلوقات سيجعلنا أمام ثلاثة احتمالات:

 

  • الاحتمال الأول

إما أن ننسب المخلوقات إلى معدوم بأنه خلقها

أي: (لا شيء) خلق (كل شيء) !

وهذا الاحتمال باطلٌ عقلاً 

 

  • الاحتمال الثاني

أن ننسب المخلوقات إلى مخلوقٍ خلق كل المخلوقات.

وهذا أيضًا احتمال باطل عقلاً

 

ولو افترضنا وجودَ شخصٍ متهور زعم أنه هو الذي خلق المخلوقات!

فإنه يُطالبُ حالاً:

أن يخلق كل شيء

وأن يحيي المخلوقات ويميتها في كل العالم وكل القرون

وأن يخلق الأرزاق كلَّها مثل كلِّ الثمار وكلِّ الأشجار وكلِّ مياه العالم

 

أو يُطالبُ حالاً بالعكس:

بأن يُضادَّ كلَّ الأنظمة الكونية فيجعل هُطولَ المطر إلى الأعلى

وأن يحول مياه كل البحار المالحة لعذبة وكل الأنهار العذبة لمالحة

وأن يُشرق الشمسَ من مغربها يومياً

وأن يُوقف الرياح نهائيًّا للأبد في كلِّ الدنيا

وأن يجعل نباتَ كلِّ زهور وثمرات الأشجار إلى تحت الأرض بدلًا من أعلاها

وأن يعطي كل حيوانات العالم الزاحفة أجنحةً تُولَدُ بها وتطير

 

وذكر لنا القرآن نماذجَ لمن تجرأوا على ذلك من كبار الملاحدة:

 

مثل النمرود الذي قال: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ}

فجاءه الجواب المُضاد المُسكت:

{قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}

 

ومثل فرعون الذي قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}

ثم سأل عن الرب الحقيقي فجاءه الجوابُ الطبيعي المسكت:

{قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (51) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (54) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (55) وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى}

 

  • الاحتمال الثالث:

وهو الاحتمال الأخير والصحيح علميًّا وهو وجود جهة خالقة للمخلوقات

لأن العقلاء قد تعودوا على مشاهدة المليارات من مُسببات الأسباب

فالصناعات لها صانعون، والكتابات لها كاتبون، والبيوت لها بناة … الخ

 

فلا مانع عقلاً من وجود جهة خالقة للمخلوقات.

 

وقد ذكر لنا ربنا هذه الدلالة العقلية كثيرًا في القرآن، ومنها هذه الآيات:

 

 

سؤال: هل يمكن أن تتعدد الجهة الخالقة؟

الجواب: لا، لا يمكن، لأنها لو تعددت لتعددت معها أنظمة الكون حتى تفسد وتزول

فلا شمسٌ تشرق وتغرب وتعطي حرارتها وضوءها وبقية خصائص أنظمتها

ولا نبات ولا هواء ولا أنعام ستنتظم، بل كل شيء سيتغير، بل لن يوجد بشرٌ أصلاً

وقد نبهَّنَا القرآنُ لذلك في مثل هذه الآيات:

  • {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا}
  • {إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا}
  • {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}

 

أما الحاصل الآن ومنذ بداية التاريخ فهو:

أن أنظمة المخلوقات تُدار بطريقة موحدة، سواء في:

(أعدادها أو نسبها أو أنواعها أو أحجامها أو خصائصها أو قواعدها أو معادلاتها أو أشكالها أو أحوالها أو معيشتها أو زمانها أو مكانها ...الخ)

وهنذه بعض الأمثلة:

  1. النظام الموحد للأجناس فهناك جنس البشر وهم يختلفون عن جنس الطيور وكلاهما يختلف عن جنس النبات وجنس الماء ... وهكذا لكل جنسٍ خصائصه.
  2. النظام الموحد للبداية فلكل نوع من المخلوقات طريقة تناسل مقدرة كيفًا وكمًّا، فعدد الولادة للأرانب يختلف عن الإنسان وعن الذبابة ...الخ
  3. النظام الموحد للمعيشة فلكل نوع من المخلوقات معيشته الخاصة به من نبات وحيوان وبشر في الأكل والشرب والنوم ...الخ
  4. النظام الموحد للنهاية فكل المخلوقات تموت، ومن مات منها فإنه لا يعود. 
  5. النظام الموحد للوقت والتاريخ بتقدير شمس النهار وقمر الليل صيفًا وشتاءً بدقة
  6. وغيرها الكثير من الأنظمة الموحدة في الإنسان وفيما حول الإنسان.

وكل هذه الأنظمة الموحدة التي يُقرُّها البشر ويَبنون معلوماتِهم ومخترعاتِهم عليها؛ تدل العقول على تفرُّدِ الجهة الخالقة، إذ يستحيل تعدُّدُها والمشاركة في التدبير

وبهذا نكون قد وصلنا للنتيجة النهائية بأن:

توحيد أنظمة الكون يدل على وجود:

خالقٍ واحدٍ يدبر الأمور ويقدِّرها وأنه حاكم مهيمن قهار

وحده بلا شريك

 

وقد ذكر القرآن تلك الدلالات العقلية على وحدة التدبير والتقدير والهيمنة

وهذه آيات كأمثلة:

  • {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا
  • {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (21) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ}.
  • {... وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}
  • {الٓمٓر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (1) اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ}
  • {إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}.
  • {أَمْ جَعَلُوا لِلهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}.

 

فإذا أكملنا الإقرارات العلمية السليمة، فإننا سوف ننتقل مباشرة:

من الإقرار بالخالق الواحد

إلى الإقرار بأنه المالك وحده لجميع مخلوقاته

لأنه خلقها

 

وقد أخبرنا القرآن عن مثل هذه الدلالة العقلية من أن الخالق هو مالكٌ لِما خلق، مثل:

  • {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ}
  • {لِلهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ}

 

كذلك

فإن الإقرار بالخالق يعني الإقرار المباشر بأنه الرزاق

لأنه خلق الأرزاق كلها

مثل: المياه والأنعام والثمرات والجمادات ...

وقد علمنا الله هذه الدلالة العقلية في القرآن الكريم، مثل الآيات التالية:

  • {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}
  • {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ}

 

ثم

إن من يتأمل تلك الأرزاق المخلوقة يجدها مُسَخَّرةً مُستَمِرَّةً لا تتوقف، فمثلًا:

  • حول الإنسان: الماء والنبات والثمار والأنعام والهواء والشمس والقمر والليل والنهار والجماد...الخ

كلها أرزاق مستمرة تَلْفِتُ انتباهَهُ لوجود مُواظبةٍ يومية من جهةٍ ما؛ لتوفير أرزاق البشر وتسخيرها

  • وفي داخل الإنسان كذلك، فإننا نشاهد رعاية دؤوبًا لنموِّ كل إنسان من نطفةٍ لجنينٍ لطفلٍ لكبير، وكذلك عنايات متنوعة لاستمرار نبض القلب بالدم، وكذلك التنفس والسمع والبصر والكلام والحركة والنوم ... فكلها تحت متابعةٍ تلقائيةٍ يوميةٍ بل لَحْظِيَّةٍ مُستَمِرَّة

 

إذن ... أرزاق الخالق المُستمِرَّة المُسَخَّرَة؛

تدلُّ على أنه

الرب الذي يُرَبِّي الناسَ بنعمه التي لا تَنقطع

 

وقد علمنا الله تلك الدلالة العقلية لربوبية الخالق المستمرة، فمثلا:

  • ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ‌وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ ‌رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ ‌رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
  • ﴿كُلُوا مِنْ ‌رِزْقِ ‌رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ‌وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾.
  • {اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ}.

وغيرها من الآيات الكثيرة التي ذكرت الأرزاق المُستمِرَّة والمُسَخَّرَة تحت مسمى:

(النعم أو الآلاء أو الآيات أو التسخير أو ...) مثل سورة الرحمن والملك والنحل وغيرها

 

وكذلك فإن الإقرار بالخالق الواحد هو إقرار مباشر:

بأن المخلوقات هي الأسفل

وأن الخالق هو الأعلى في كل صفاته، وله الأسماء الحسنى

 

فمثلًا:

  1. الخالق سيكون لديه أعلى أنواع القدرة في عملية التخليق
  2. والخالق سيكون لديه أعلى أنواع العلم والخبرة بالمخلوق
  3. والخالق سيكون الأعلى في كل صفاته الحسنى، فهو الأعلى:

حكمةً وعدلًا وعزَّةً ورحمةً وفضلاً وكرمًا وإحسانًا...الخ

 

والآيات التي ذكرت علو الخالق ذاتاً وصفاتاً كثيرة، منها:

  • {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى}.
  • {طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}.

 

والآن ... لو جمعنا تلك الإقرارات لوجدناها كالتالي:

  1. وجود خالق
  2. واحد حاكم يدبر الأمور بلا شريك
  3. مالك لجميع مخلوقاته
  4. رزاق خلق الأرزاق كلها
  5. ربٌّ يُرَبِّي البشرَ بأرزاقه المستمرة المُسَخَّرَة
  6. الأعلى الذي له الأسماء الحسنى

إن تلك الإقرارات العلمية الصحيحة ستقود إلى أول أركان الإيمان وهو:

(الإيمان بالله = لا إله إلا الله = لا معبود بحق سواه)

فالإقرار بمجرد وجود خالق سيقود العقل للإقرار بألوهية الخالق

فالخالق يجب أن يعبده البشر المخلوقون، كما في مثل هذه الآيات:

  • {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ}.
  • {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ}.

 

والإقرار بمجرد وجود حاكم يدبر الأمور سيقود العقل للإقرار بألوهية الحاكم

فالحاكم المُدبِّر المُقدِّر معبودٌ، والبشر محكومون فيعبدونه، كما في الآيات:

  • {إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}

 

والإقرار بوجود رزَّاق خلَقَ الأرزاقَ سيقود العقلَ للإقرار بألوهية الرزَّاق

فيجب أن يعبد الناسُ رازقهم الذي خلق كل الأرزاق، كما في مثل هذه الآيات:

  • {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}.
  • {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ}.

 

والإقرار بمجرد وجود ربٍّ يُرَبِّي الناسَ بأرزاقه المستمرة؛ سيقود العقلَ للإقرار بألوهية الرب

فيجب على البشر أن يشكروا نعمة ربهم ويعبدوه، كما في مثل هذه الآيات:

  • {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ}.
  • ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ ‌رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ ‌الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.

 

والإقرار بمجرد وجود مالك للمخلوقات سيقود العقلَ للإقرار بألوهية المالك

فالخالق المالك معبود، كما في مثل هذه الآيات:

  • {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ}.
  • {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ}.

 

والإقرار بالخالق إقرار بأنه الأعلى وهذا سيقود العقلَ للإقرار بألوهية الأعلى

فالأعلى معبود، كما في مثل هذه الآيات:

  • {وَلِلهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
  • {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}.
  • {هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.

 

فإذا كان الإقرارُ الواحدُ من تلك الإقرارات يُعَدُّ دليلاً مستقلًّا بذاته على:

الألوهية ووجوب العبادة؛

فلا شك أن مجموعَ الإقرارات هي الدليلُ الأوضحُ على:

(الإيمان بالله = لا إله إلا الله = لا معبود بحق سواه)

وأن العبادة واجبة لله:

الخالق

الواحد الحاكم الذي يدبر الأمور

والملك الذي يملك مخلوقاته وإليه سترجع

والرب الرازق الذي يربِّي مخلوقاته بنعمه

والأعلى الذي له الأسماء الحسنى

 

وهناك آيات قرآنية جمعت عدة إقرارات عقلية تدل على وجوب:

(الإيمان بالله = لا إله إلا الله = لا معبود بحق سواه)

فمثلاً:

  • {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31) فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ}.
  • {اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
  • {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.
  • {هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.

 

وبعدما انتهينا من إثبات الإيمان بالله بدليله العلمي المرتب

سننتقل إلى إثبات الإيمان باليوم الآخر بدليله العلمي المرتب

 

فإذا كان الخالق هو الأعلى حكمةً، وهو الحكيم وأحكم الحاكمين الحكماء؛

فيستحيل على الحكيم سبحانه أن يترك البشر بلا محاسبة!

ألا يكفي أن حكماء البشر يَتَنزَّهون من أن تُنسب إليهم مساواةُ الطيِّبِ بالخبيث

لأنها مُساواةٌ سفيهةٌ ظالمةٌ باطلة، ولهذا يكرِّرون ويؤكِّدون على وجوب التفريق:

  • فالمحسنون كالموظفين المؤدِّين لمهامهم الوظيفية

جزاؤهم الإحسان من رواتب وحوافز ...

  • والمسيؤون كالمتجاوزين المعتَدِين على حقوق الآخرين

جزاؤهم العقوبة بالسجن أو الغرامة أو التشهير ...

 

فإذا كان العقلاء قد اتفقوا على مبدأ:

(جزاءُ الإحسانِ الإحسانُ وجزاءُ سيئةٍ مثلُها)

فلا شك أن خالقَ عقولـِهم سيفعلُ ذلك من بابِ أولى

فإنه الأعلى حكمةً وهو أحكم الحاكمين

فلا يمكن أن يترك البشريَّةَ بلا حسابٍ وجنةٍ ونار

حتى لا يَتساوى المسيءُ مع المحسن، فكلاهما سواء يحيَون ويموتون عبثًا!

بل الخالق سبحانه حكيم، ولهذا سيحاسب كلًّا بعمله:

  • (فالظالمون الجائرون الخبيثون المسيؤون المعتدون المجرمون، الذين كفروا وكذبوا وفجروا وأفسدوا وتكبروا وفسقوا وعقُّوا آباءهم وأمهاتِهم وقطعوا أرحامهم وجيرانهم وتفحَّشُوا وخانوا وأهانوا واعْوَجُّوا وعنَّفوا وقسَوا وغشُّوا وعذَّبوا وبخلوا وأسرفوا وطغوا)

سيعاقبهم الخالق جميعاً بما يناسبهم يوم الحساب

لأن الخالق هو الأعلى عدلاً وعزةً وحكمة

 

  • وأما (العادلون المُقسِطون الطيبون المحسنون المُسالمون النَّزيهون، الذين آمنوا وصدقوا واتقَوا الشرَّ وأصلحوا وتواضعوا وتزكَّوا وبرُّوا والدِيهِم ووَصَلوا أرحامَهم وجيرانَهم وعفَوا وأوفُوا وأكرمُوا واستقامُوا ورَفَقُوا ولَانُوا ونصَحُوا ورَحِمُوا وأنفقُوا واقتَصَدُوا وتوسَّطُوا)

سيُحْسِن لهم الخالقُ ويُكرِمُهم ويَتَفَضَّلُ عليهم يومَ الحساب، بل ويَزيدُهم من فضله

لأن الخالقَ هو الأعلى إحساناً وكرماً وفضلاً ورحمةً وحكمةً ...

 

فإذا ثبت أن الخالق هو الأعلى حكمةً وعدلًا وعزةً ورحمة ... الخ

فقد ثبت علميًّا وواقعيًّا وعقليًّا وقلبيًّا وجوبُ الإيمان:

باليوم الآخر

 

والآن مع آيات فيها أدلة عقلية على علوِّ الله وتَنَزُّهِهِ وترَفُّعِهِ عن المُساواةِ الباطلةِ والعَبَث

  • {فَالْحُكْمُ لِلهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ}.
  • {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}.
  • {وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ (58) إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ}.
  • {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (19) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ}.
  • {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ النَّارِ (27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28)}.
  • {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ}.
  • {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ}.

 

وهذه آيات تُذكر العقولَ بجزاء المحسنين من الخالق الكريم الرحيم ولن يَظلمَهم على حسنة

  • {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً}.
  • {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (30)}.
  • {إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) وَلا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمْ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (121)}.
  • {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (9)}.

 

وهذه آيات تذكر العقول بجزاء المسيئين من الخالق العزيز الحكيم

  • {فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ}.
  • {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ}.
  • {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا}.
  • {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21) وَخَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}.
  • {وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ (37)}.

 

وإذا ثبت الإيمان بيوم الحساب

سيثبت الإيمان بالكتب والرسل

لأن الخالق لا يُمكن أن يعاقب أحدًا إلا بعد أن يُبيِّنَ له ويُنذِرَه

مثلما اتفقت قوانينُ البشَر على عدم عقوبة أحد حتى تُعلَنَ الشروطُ وتُوَضَّحَ أوجُهُ مُخالفتِها

والأمثلة كثيرة، ومنها:

لو أن طريقاً جديدًا خالياً من أي علامة تبين أنه (ممنوع الدخول)  

ثم دخلته سيارات كثيرة، فلا تَصحُّ عقوبتُها ولا وَصْفُها بالمخالفة، لعدم وجودِ لوحاتٍ إرشاديةٍ تُبيِّنُ المَنْع.

 

فإذا كان عقلاءُ البشَر يَرفُضُونَ كلَّ العقوباتَ في كلِّ شؤونِهم إلا بعدَ البيانَ والإنذار؛

فكذلك عند أحكم الحاكمين _وهو الأعلى حِكمةً سبحانه_ فلا تُقَرُّ عندَه العقوباتُ ولا تَصِحُّ إلا بعد البيان والإنذار

لأن الخالق هو الأعلى حكمة وقد أثنى على نفسه بأنه:

يَهدي ويُبيِّنُ ويُرشِدُ ويُعلِّمُ ويُنَوِّرُ ويُنذِرُ ويُرسِلُ رسُلًا ويُنَزِّلُ كتُبًا

 

فإذا جاءَ أشخاصٌ وزعَمُوا أنهم مُقِرُّونَ بالخالقِ الأعلى، ثم زعَمَوا أنه لا يُنَزِّلُ كتباً ولا يُرسِلُ رُسُلاً؛

فالخالقَ عندَهم: لا يَهدِي الناسَ ولا يُنِيرُ لهم حياتَهم بالكتُبِ والرُّسلِ والنُّورِ والهُدى

والخالقُ عندَهم: سيُعذِّبُ المخالِفينَ بدونِ سَابِقِ إنذارٍ وبَيانٍ للمُخالَفات

 

إذا زعَمُوا ذلكَ فقد تنَقَّصُوا اللهَ واتَّهَمُوهُ باتِّهَاماتٍ شَنيعة:

كالإهمالِ والصَّمَمِ والبُكمِ والسَّفَهِ والعبَث ... تعالى الله وجل وعز

بل تلكَ الصِّفاتُ هي صفاتُ عِجْلِ بني إسرائيلَ الذي جَعَلوهُ إلهاً مَعبوداً

﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ ‌لَا ‌يُكَلِّمُهُمْ ‌وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾.  

 

وبتلك الدلالةِ العقليَّةِ الواقعيَّةِ المُتَّفَقِ عليها بَيْنَ البشَرِ ثبتَ:

الإيمانُ بالكتبِ والرسل

 

والآنَ معَ ما تيَسَّرَ من آياتٍ ذكَرَتْ تلكَ الدِّلالةَ العقليَّة:

  • ﴿‌وَمَا ‌قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾.
  • {وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ}.
  • {وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا}.
  • ﴿وَعَلَى اللهِ ‌قَصْدُ ‌السَّبِيلِ﴾.
  • {إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}
  • ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ ‌بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾. 
  • ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ ‌رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. 
  • ﴿‌رُسُلًا ‌مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.

وكذلك بيَّنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم تسليمًا هذه المعاني فقال:

"وَلاَ أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ المُبَشِّرِينَ وَالمُنْذِرِينَ" رواه الشيخان واللفظ للبخاري

 

وإذا ثبَتَ الإيمانُ بالكتُبِ والرُّسُلِ؛ ثبَتَ ما تَضَمَّناهُ من أخبارٍ وقَصَصٍ ومُعجِزاتٍ وجِنٍّ وكلِّ الغَيبيَّات، وخَاصَّةً بقيَّةُ أركانِ الإيمان الغيبيَّة مثلُ:

الإيمانِ بالملائكةِ والقَدَر

 

وهذه آياتٌ ذَكَّرَتْنَا بتلكَ الدِّلالَةِ العَقليَّةِ مِن أنَّ الإيمانَ بالقرآنِ إيمانٌ بما تضَمَّنَهُ:

{طسٓمٓ (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.

فمَن آمَنَ بخالقٍ أنْزَلَ قرآنًا فسَوفَ يُؤمِنُ بما تَضَمَّنَه:

سواءٌ قِصةُ موسى أو بقيَّةِ الأنبياءِ ومُعجزاتِهم.

ومَن لم يُؤمِن بخالقٍ فلن يُؤمِنَ بصِفاتِهِ، ولن يُؤمِنَ بكتُبِ الخالق، ولن يُؤمِنَ بما تضَمَّنَتْه

 

فعلينا أن نُرشِدَ المُلحِدِينَ إلى حُسنِ ترتيبِ المَواضِيعِ كما علَّمنَا الله

وذلك بمُناقَشَتِهم أولًا عن الخالق، ثمَّ صفاتِه، ثمَّ إنزالِهِ للكتُبِ وإرسالِهِ للرُّسُل، ثمَّ ما تضَمَّنَتْه الكتُبُ مثلُ:

  • {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.
  • ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ‌الْجِنِّ فَفَسَقَ﴾.

 

وكما ثبَتَ مَضمُون الكتُبِ والرُّسُل من إيمانيات غيبية؛ فكذلكَ سَيَثبُتُ كلُّ ما أمَرَتْ بهِ الكتُبُ والرُّسُل، خاصَّةً:

أركانُ الإسلام

مِن صلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ وحج

 

وستَثبُتُ كلُّ أوامِرِ وأحكامِ الإسلام

مثلُ: الأمرُ بالحِجاب، وميراثُ الذكَرِ والأُنثَى، وحَدُّ القِصاصِ والسَّرِقةِ.  

 

وسيَثبُتُ تَحريمُ كلِّ المَنْهِيَّات

مثلُ: النَّهيُ عن الخَمرِ والرِّبا والفَواحِشِ ما ظَهَرَ منها وما بَطَن

 

فالحمدُ لله ربِّ العالمين

على هَذا التَّسَلْسُلِ العَقْلِيِّ المُحْكَمِ المُتَوازِنِ المُنتَظِمِ المُتَرابِطِ مِن عِدَّةِ جَوانِب

والذي انتهى بإثباتِ صحَّةِ الإيمانِ والإسلام

وكان قد بَدَأ بالإقرارِ بالخالق

{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}.

 

وإذا كانَ (الإقرارُ بالخالق) هو أوَّلَ القَضايا الحِوارِيَّةِ التي تُبنى عليها القضايا الإيمانيَّةُ والإسلاميَّة؛

فلا غَرابةَ أن يُكرِّرَ اللهُ علينا هذهَ الطَّريقةَ كثيراً في القرآن

وفيما يلي ثلاثُ آياتٍ إضافية كنَماذِجَ على تلكَ الطَّريقةِ التَّمهِيدِيَّة:

  • {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} 
  • {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61) اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (62) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}.
  • {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (10) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (11) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ}.

 

إن تلكَ الآياتِ تَعاملَتْ بطريقةٍ سَهلةٍ معَ الناسِ جميعًا، حتى لا تتَشَتَّتِ المواضيعُ لدى:

  1. المُحاوِر
  2. والمُشارِك
  3. والمُستَمِع

سواءٌ كانوا مؤمنين أو كافرين

والحمد لله فقد بدَأَ النِّقاشُ في مثل تلكَ الآياتِ وانتَهَى

بسؤالٍ واحدٍ قويٍّ مَتينٍ مُتماسِكٍ عَزيزٍ، وجَوابٍ واحدٍ قويٍّ مُتماسِكٍ عَزِيز

أعجَزَ بهما الكافرينَ الجاحَدَينَ المتكبِّرينَ الظَّالمين

ولم يَجعل لهم مَن السؤالِ وجوابِهَ مَخارِجَ

ولم يَجعل لهم على السؤالِ وجوابِهِ مَداخِل 

ولا غَرابةَ في هذا الأسلوبِ الباهِر!

لأنَّ الذي يُحاوِرُهم هو الخالقُ الذي خلَقَ عُقولَهم ويَعلَمُ طريقةَ تفكيرِها وأسرارَ قلوبِهم

فسألَهم سُؤالاً واحداً لا يحتمل إلا جواباً واحداً: (نعم) أو (لا)  

فأما من سيجيب بـ (نعم) نعم يوجد خالق

فيَتِمُّ إكمالُ النِّقاشِ معَه عن صفاتِ الخالقِ مثلُ:

  1. الواحد
  2. والحاكم الذي يُدَبِّرُ الأمر
  3. والرزَّاق
  4. والرب
  5. والأعلى في حكمتهِ وعدْلِهِ ورحمتهِ وعزَّتهِ وسائرِ أسمائهِ الحسنى

 

فإنْ أقرَّ بصفاتِ الخالقِ تلك؛ فيَتِمُّ إكمالُ النِّقاشِ معَهَ عن مَواضِيعِ:

  1. الإيمانِ بالألوهية
  2. الإيمانِ باليومِ الآخر
  3. الإيمانِ بالكتُبِ والرُّسُل
  4. الإيمانِ بكلِّ أركانِ الإيمانِ وبقيَّةِ الغيبيَّات
  5. الاستسلامِ للإسلامِ وخاصَّةً أركانُه

 

فعلينا كمسلمين أن نبْدَأَ حوارَنا معَ مُنكِري وجود الخالقِ بمِثلِ ما بدَأ اللهُ به ، ونُؤجِّلَ جَميعَ المواضيعِ التي يُثيرُونَها فيُقال لهم مثلاً:

"من غير المعقول أن تتجاوزوا النقاش عن (نَفيِ الخالقِ أو إثباتِه) إلى النقاش حول:

  • أحكامِ الإسلام من صلاة وزكاة وصيام وحج ومن حجاب النساء وخمر وزنا وربا
  • أو الإلزامِ بالغيبيَّات من إيمان بالملائكة والكتب والجنِّ والرُّسُلِ ومُعجِزاتِهم

فأنتم لم تُؤمنوا بالخالق حتى تُؤمنوا بكلامِهِ وما تضَمَّنَه من أحكام وأخبار !

لهذا نُطالبُكم بالتَّركيزِ في البدايةِ على حَصْرِ النِّقاشِ والبَراهينِ حَولَ: (نَفيِ الخالقِ أو إثباتِه)

هذا إن أردتم نقاشاً علمياً صادقاً جاداً بعيداً عن الهزل والاستفزاز والسخرية بأوامر خالقنا"

 

 

وأما من سيجيب بـ (لا) لا يوجد خالق

كالمُلحِدِ الذي خالَفَ مِلياراتِ البشَرِ من أهلِ الإسلامِ وأهلِ الكتابِ وأهلِ الأوثان وغيرِهم 

 

فيُمكِنُ أن نُجيبَهُ بأحَدِ جَوابَين:

  • الجواب الأول مختصر مِن ثلاثِ فِقْرات:

 

  • كما أنَّ الإقرارَ بوُجودِ مَصنوعاتٍ مُختَرَعةٍ يَعني الإقرارَ بوُجودِ صانِعيها الذينَ اختَرَعُوها؛

فكذلكَ الإقرارُ بوُجودِ مخلوقاتٍ يعني الإقرارَ بوُجودِ خالقِها الذي خلَقَها

 

  • وكما يَستحيلُ الإقرارُ بوُجودِ المصنوعاتِ معَ نفيِ صانَعِيها؛

فكذلكَ يَستحيلُ الإقرارُ بوُجودِ المخلوقاتِ معَ نفيِ خالقِها

 

  • أما لو تجَرَّأَ شخصٌ فنفى وُجودَ جِهاتٍ صانعةٍ فيَلزَمُهُ نفيُ المصنوعاتِ حَولَه؛

وكذلكَ لو تجَرَّأَ شخصٌ فنفى جَهةً خالقةً فيلزمُهُ نفيُ كلِّ المخلوقاتِ وعدمُ اليقينِ بكلِّ عُلومِها

وهذا أردَى أنواعِ الجَهل !

 

وقد ذكَرَ ربُّنا هذه الدلالةَ العقليةَ في مُحاوَرَةِ فرعونَ معَ موسى عليه السلام:

{قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ () قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ}

أيقنوا بربِّ السماوات والأرض

إن كنتم موقنين بوُجودِ ذاتِ السماواتِ والأرض

وما يتفرَّعُ منها مِن علومٍ:

(فيزيائيَّةٍ وكيمائيَّةٍ وطِبِّيَّةٍ وحسابيةٍ وإلكترونيةٍ وكهربائيةٍ وميكانيكيةٍ ونباتيةٍ وحيَوانيةٍ وأحيائيةٍ وجُغرافيةٍ وتاريخيةٍ وعِمرانيةٍ وفلَكيةٍ وبَحريةٍ وجَوِّيةٍ وطبيعيةٍ وحراريَّة ... الخ )

 

ولن تُوقِنوا بعلومِ السماواتِ والأرضِ تلك؛ إن لم تُوقِنُوا بربِّ السماواتِ والأرض.

 

  • الجواب الثاني مطَوَّل:

لأنه مُكوَّنٌ من مواضيعَ كثيرةٍ مُفَصَّلة سيتم تفعيل روابطها إن يسر الله، وكلها تتعلَّقُ بالإيمانِ بالخالق، وأدِلَّتِها العقليَّةِ القُرآنيَّة،

وهي على النحو التالي:

 

أولا

ثمانيةُ أنواعٍ من الأدلَّةِ على وُجودِ الخالق:

  • 001 خلقُ المخلوقاتِ ووُجودُها _الآياتُ الاعتياديَّة_
  • 002 تسويةُ المخلوقات
  • 003 استِحالةُ نِسبةِ خَلْقِ المخلوقاتِ لمَخلوقٍ أو لمَعدومٍ وإنَّما لخالقٍ فقط
  • 004 نفيُ وُجودِ الخالقِ نفيٌ لليقينِ بوُجودِ المخلوقاتِ وعلومِها
  • 005 كثرةُ الشُّهودِ على أنَّ للكونِ خالقًا
  • 006 طَلَبُ الهِداية
  • 007 الاحتياطُ مَبدأٌ عقليّ
  • 008 دلالةُ صحَّةِ الإيمانِ وبُطلانِ الكفرِ مِن خِلالِ صفاتِ المؤمنين والكافرين

 

ثانيا

 آيات متوالية قصيرة وطويلة وسور كاملة عن قضايا الإيمان وما يتعلق بالخالق سبحانه

 

ثالثا

أجوبة على شبهات تنفي وجود الخالق:

  • 001 جواب لشبهة السببية الشيطانية - إن كان للمخلوقات خالق فمن خلقه؟
  • 002 ‏جواب لشبهة - التعود على الأدلة الطبيعية يمنع من من دلالتها على الخالق
  • 003 جواب لشبهة - لا بد من رؤيتهم للخالق وللغيب عموما حتى يؤمنوا به
  • 004 جواب لشبهة - معجزات الأنبياء لا تدل على الخالق ومخالفة للعقل ومدعاة للسخرية

 

رابعا

‏‏أسباب إعراض المسلمين عن الملحدين

 

خامساً

سبب كبير جعل الملحدَ معرضاً عن الإسلام

 

سادسا

وعظ الملحد

 

خاتمة

  • ما كان في هذا الموضوعِ مِن اختصارٍ فلأنَّه كذلكَ وعُنوانُه: (ما تيَسَّر) فليسَ الموضوعُ للتَّفصيلِ وكثرةِ الأدِلَّةِ وشُروحِها وطُرُقِ البَحثِ الأكادِيمِيّ.

 

  • رُغْمَ أنَّ طريقةَ الموضوعِ قد تمَّ حَصرُها على إثباتِ أركانِ الإيمانِ والإسلامِ بناءً على الإقرارِ بالخالق فقط

ولكنْ هذا لا يَمنعُ مِن وُجودِ طُرُقٍ وأدِلَّةٍ أُخرَى لإثباتِ الإيمانِ والإسلامِ، مثل:

  1. إثباتُ القرآنِ بوَاسطةِ أُسلوبِ التَّحدِّي {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ}
  2. إثباتُ نُبُوَّةِ محمدٍ بوَاسِطةِ أدلَّةٍ صحيحةٍ أُخرَى غيرِ الإقرارِ بالخالق
  3. إثبات الألوهيَّةِ والقَدَرِ وكلِّ أركانِ الإيمانِ والإسلامِ وأحكامِه بطُرُقٍ مُختلِفةٍ ومُتنوِّعةٍ وبَراهينَ صحيحةٍ غيرِ الإقرارِ بالخالق

 

أما هذا الموضوعُ فقد تمَّ حَصْرُه في طريقةٍ واحدة

وذلكَ حتَّى يَأخُذَ الموضوعُ حقَّه مِن الفَهْمِ والعِلمِ والعَمَلِ والدَّعوَةِ والتَّواصِي بالحق

ويَكفِي جودة هذه الطريقةِ أن الله كرَّرَها في القرآنِ كثيرًا (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَن ....)

 

  • أُوصِيكُم وأُوصِي نفْسِي بتَقوَى الله وتدبُّرِ القرآن، ففيه طُوفانٌ مِن البراهينِ اليَقينيَّة العقليَّةِ المُتلازِمَةِ المُتَسَلْسِلَة على كلِّ قَضَايا الإيمان، مثلُ:

الألوهيَّةِ واليومِ الآخِرِ والرُّسُلِ والكتُب ... الخ

  • وكلُّ تلكَ الأدِلَّةِ جاءت بطرُقٍ مُحكمَةٍ مَتِينَة، بحيثُ لا يَكونُ عليها مَداخِلُ وليسَ منها مَخارج.
  • معَ تَصريفِ الأدلَّةِ بجَميعِ التَّصاريفَ والأساليب
  • ومعَ إرفاقِ أمثلةٍ يَراها الناسُ في حَياتِهم الواقعيَّة لعلَّها تُذكِّرُهُم يوميًّا فيَربِطُونَها بقَضاياهم الإيمانيَّة فيَتذَكَّرُون = يتَفَكَّرون = يَعقِلون = يتَدَبَّرون
  • وكلُّ تلكَ الأدِلَّةِ القرآنيَّةِ لم يَجعلْها اللهُ عَوجاءَ أو صعبةَ الفهمِ لا يفهمها إلا قلة  ذكية مِن البشر، بل يسَّرَها اللهُ فجعَلَها في مُتناوَلِ جَميعِ أفهامِ العُقولِ بدونِ تَعقِيد

 

 

  • رُغْمَ سهولة أدلة القرآن إلا أن الله أخبرَنا عن:

وُجودِ بَشَرٍ لن يَعترفوا بالحقِّ مَهما كان واضحاً، بل بقَدْرِ وُضوحِ الحقِّ يكونُ جحودُهم واضحاً

وأنَّ هؤلاءِ لن تَزِيدَهم أدلَّةُ القرآنِ إلا:

عُتُوًّا = فسادًا = ظلمًا = نُفورًا = كُفورًا

وأنَّهم يَعيشونَ في سِجنِ الشَّكِّ والظُّلماتِ والضَّلال

 

  • عكْسَ المؤمنينَ الذين يَعيشونَ في رحمةٍ مِن اللهِ وراحةِ بالٍ وطُمَأنِينَةِ قلْب

بعدَما أجابَهم القرآنُ على أسئلةِ الإيمانِ إجابةً تَشفِي الصُّدُور

واتَّبعوا القرآنَ المملوءَ بالحكمةِ والعلمِ والخِبرة؛ لأنَّه مُنَزَّلٌ مِن لَدُنْ حَكيمٍ عليمٍ خبير

فهدَى القرآنُ المؤمنينَ لِلَّتي هيَ أقْوَمُ في كلِّ شُؤونِ حَياتِهم وأعمالِهم حتَّى وصَفَهم اللهُ بأنَّهم هُم:

(أُولُوا الألبابِ، أهلُ العقولِ، وأهلُ العلمِ والحِكمةِ والعِزَّةِ والنُّورِ والهُدَى والمَجدِ والذِّكرِ والكرَمِ والبَرَكة) كلُّ ذلكَ بِبَرَكةِ القرآن

ثم تَنتَظِرُهم الرَّحمةُ الكُبرَى في الآخرة حيثُ يَعيشونَ:

  • في جَنَّةٍ بدُونِ عذاب
  • وفي سعادةٍ بدونِ شَقاء
  • وفي نَعيمٍ بدونِ بُؤْس
  • وفي صِحَّةٍ بدونِ مرَض
  • وفي شبابٍ بدونِ هَرَم
  • وفي حياةٍ بدونِ موت

إنها سعادةٌ تَجعلُنا نَجزِمُ أنَّ ربَّنا ما أنزلَ علينا القرآنَ لِنَشْقَى، وإنَّما لنَتدَبَّرَه ونَتَّبِعَه، ثمَّ نَفوزُ بالجنَّةِ ونَنْجُوَ مِن النَّار، كما قال مولانا سبحانه:

{فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا}

 

 

  • دعاء

اللهمَّ أنتَ اللهُ الصَّمَدُ الأعلى لا إلهَ إلا أنت سبحانك إنَّا كُنَّا ‌مِنَ ‌الظَّالِمِينَ

نَبُوءَ لَكَ بَأنَّكَ خلقَتَنا وأحْيَيْتَنا ورزَقْتَنا وسَخَّرْتَ لنا كلَّ شيءٍ وأنعمتَ علينا بنِعَمٍ لا تُحصَى

ونحنُ عبادُكَ، بَنُو عبادِكَ، بَنُو إمَائِكَ، نَواصِينا بِيَدِكَ، ماضٍ فِينا حُكمُك، عَدْلٌ فِينا قَضاؤُك، ونحنُ على عَهدِكَ ووَعْدِكَ ما اسْتطَعْنا، اللهمَّ إنَّا نعوذُ بِكَ مِن عذابِكَ وسَخَطِك

ونعوذُ بِكَ مِن شرِّ ما عمِلْنا وشرِّ ما لم نَعْملْ، ونَسألُكَ بأسمائكَ الحُسنَى ما عَلِمْنَا مِنها وما لم نَعلَم؛ أن تُدخِلَنا الجنَّة، وتُحِلَّ علينا رِضاكَ للأبَد.

اللهمَّ اغفِرْ لنا وارحَمْنا واهدِنا وعافِنا واجْبُرنا وارْزُقنا وارْفَعنا واسْتُرنا والْطُفْ بِنا وتُبْ علينا وتفَضَّلْ علينا

 

 

 

 

 

 

 





ترجمة المقال